ثقافة

"الاختيارات الأدبية" وتنمية الذائقة الإبداعية

مرفأ قراءة...

 
- 1 -

قبل الطفرة المذهلة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.. كانت الوسيلة الوحيدة لتدوين ما يعجبني من مختارات أدبية أو نصوص شعرية هي 'الكراسة' أو 'الكشكول'.. كنت أعتني بهما أكثر من اعتنائي بالكراسات والكشاكيل الأخرى.. أهتم بها وأحافظ عليها، وأسجل فيها كل ما يعجبني، بل أتفنن في تنظيمها خطًّا ورسمًا وألوانًا.. وعلى مدار سنوات تكونت عندي مكتبة صغيرة تضم عشرات الكراسات والكشاكيل، فيها مختارات ونصوص من كل شكل ولون.. شعر، مسرحية، تاريخ، تراث، حكمة، تصوف، أسطر مفردة أعجبتني حيث قرأتها (إن شاء الله في الجورنال).. اكتشفتُ بعد ذلك أنني لم أكن فريدًا في ذلك ولا وحيد عصري.. وأن كل كتابنا ومبدعينا وكبار مثقفينا كانوا بصورة أو بأخرى يمارسون الفعل ذاته بتنويعاتٍ مختلفة ووسائل وأساليب متنوعة، وإن اتفقت كلها حول فعل الاختيار الواعي وتدوين ما يعجبنا من نصوص نقرأها في وسائط مخصوصة ومحفوظة..

وأدركتُ أن هذا الفعل هو النواة الصلبة التي يتمحور حولها وتنبني عليها خبرة التلقي والتذوق التي لا تتوقف عند حد وتصبح ممارسة يومية مصاحبة للتنفس والأكل والشرب، ومجمل عملياتنا العضوية والحيوية التي تبقينا على قيد الحياة!

- 2 -

أول إشارة استلفتت نظري في أدبنا المعاصر لناتج القراءة بالاختيار الواعي كانت عند أديبنا الكبير نجيب محفوظ، في حواراته مع محمد سلماوي؛ يقول:

'وأذكر في تلك السنوات من صبايا كتابًا كان مقررًا علينا في الدراسة، وأعتقد أن اسمه كان «المختار» وكان الذي جمعه هو الدكتور طه حسين والشيخ الإسكندري، كان هذا الكتاب يضم مقتطفاتٍ من أعمال جميع شعراء العربية من أجهل الجاهلية إلى العصر الحديث، وكان يصاحب هذه المختارات الشعرية نبذة عن الشاعر وحياته، ولقد احتفظت بهذا الكتاب مدة طويلة، وأذكر أنني قمتُ ذات مرة بعمل مختاراتي الخاصة من هذا المختار، وكنت أدونها في كراسة مستقلة، وأعود إليها كما يعود الإنسان لسماع موسيقى معينة يهواها كلما استطاع..' (حوارات نجيب محفوظ ـ محمد سلماوي)

وكان نجيب محفوظ يقصد بكتاب المختار هذا كتاب «المنتخب في أدب العرب» الذي اشترك في تأليفه طه حسين وأحمد أمين وآخرون؛ يقع هذا الكتاب في مجلدين كبيرين، وحوى مختارات رائعة ممتازة من عيون الأدب العربي شعرا ونثرا، غطت عصوره التاريخية كاملة، منذ الجاهلية وحتى العصر الحديث.. صدرت من هذا الكتاب طبعةٌ بمقدمة جديدة عن سلسلة (الذخائر) قبل ما يزيد على عشر سنوات، ثم صدرت منه طبعة أخرى مصورة في مكتبة الأسرة قبل عام أو اثنين، وكتبنا عنه هنا في 'مرفأ قراءة' مقالًا تفصيليًا كاشفًا.

- 3 -

وحينما زرت أديبنا الكاتب الراحل الكبير خيري شلبي في منزله بالمعادي فوجئت بكم مهول من الأجندات والكراسات والكشاكيل من مختلف الأنواع والأشكال. مرتبة بأناقة شديدة جوار المكتب في صفوف متراصة منظرها جذاب للغاية.. أكلني الفضول فسألته عن حكاية هذه الأجندات والكراسات.. أخذ نفسًا عميقًا، وشرع ينشد:

'كان تقليدًا شائعًا وجميلًا كان أساتذتنا ينصحوننا دائمًا أن نحتفظ 'بكراسة' أو 'كشكول' نسجل فيه كل عبارة أو جملة أو تعبير جميل يمكن أن يساعدنا على الكتابة ويرتقي بملكة التعبير والصياغة.

الكتاب الذي نقرأه نلخصه.. العبارات الجميلة التي تثير إعجابنا نسجلها ونحفظها.. هذا يربي ملكة التعبير ويربي ذوقا فنيا حساسا.. ومن هنا وأنا منذ كنت طفلا وإلى اليوم وأنا على مشارف ما بعد السبعين وأنا أحتفظ بكراريس وكشاكيل وفيما بعد أجندات وما شابه تلك التي تراها بجوار المكتب أسفل الصور التي سألتني عنها.. أسجل فيها كل ما يثير اهتمامي أو يعجبني من الكتب الكبيرة الضخمة في الفلسفة، في الفن، في التاريخ، في الأدب، وحتى الصحف العابرة.. ولو لم أكن أسجل خلاصة قراءاتي، فإن ما أقرأه يتبخر من الذاكرة، ولا يكون له أثر يذكر، لكن بمجرد أن تسجل أهم ما تقرأ فكأنك رسخته في ذاكرتك وثبته في رأسك.. أنا دائما أسير ومعي نوتة (بلوك نوت) لا تفارقني، ورغم الطفرة الرهيبة والمذهلة في وسائل التكنولوجيا الحديثة في نقل المعلومات وحفظها، فإن هذا لا يغني أبدا عن الورقة والقلم.. أسجل فيها فكرة عابرة أو حدثا مهما صادفني أو شيئا أخبرني به شخص ما أو حتى اسما أعجبني فأكتبه.. التسجيل والتدوين مهمان جدا لأي كاتب، ومع ذلك فأنا أكتب البورتريه من الذاكرة...»

(من حواري مع الراحل الكبير خيري شلبي.. المنشور في العام 2010)

- 4 -

وفي أول زيارة لمكتب صديقي محمود عبد الشكور في مجلة (أكتوبر) القومية؛ عقب التعارف الأول بيننا قبل ما يزيد على 15 سنة، فوجئت بعشراتٍ بل مئات القصاصات الورقية الصغيرة مرصوصة بكثافة وتداخل وغير نظام أو ترتيب معين أسفل زجاج المكتب... قصاصات بالعشرات في حجم كف اليد وكيفما اتفق؛ كل قصاصة منها تحتوي على بيتين أو ثلاثة أبيات لا أكثر للمتنبي، والبحتري، وأبي تمام، وابن الفارض، وابن عربي.. ومن روائع الشعر العربي كله عبر عصوره، ومن الشعراء المعاصرين صلاح عبد الصبور، وأمل دنقل، والأبنودي، ونجم، وسيد حجاب.. وقصاصات أخرى تتضمن من سطر واحد إلى خمسة أسطر عبارة عن فقرات من نصوص مسرحية وروائية وكتب... إلخ.

لم أحزن على شيء مما نال هذا المكتب (بالتنقلات وتغيير غرف المكاتب والأدوار.. إلخ) قدر حزني على ضياع هذه الثروة الممتازة من النصوص المختارة ولم أكن أملك حينها 'موبايل بكاميرا' يمكنني من تسجيل وتوثيق وجود هذه القصاصات المكتوبة بخط الرقعة أحيانا والثلث والنسخ أحيانًا أخرى... كان اكتشافًا مبهجًا وجميلًا في هذا الذي أشبهه ويشبهني في كثير من الأمور، ولكل منا طباعه وخصاله، وخصوصيته أيضًا..

- 5 -

ربما كان هذا التقليد؛ واحدا من أكثر التقاليد التي يشترك فيها الكتاب المبدعون على مر الأزمان والتاريخ والأماكن! أغلب من دونوا سيرهم الذاتية أو كتبوا مذكراتهم وذكرياتهم الأدبية والإبداعية تعرضوا لهذه الفترة المبكرة من حيواتهم التي غرست فيها بذرة الأدب وحب القراءة والبحث عن النصوص الجميلة وتدوينها والاعتناء بها. الروائي والكاتب الراحل الكبير جمال الغيطاني من أشهر كتاب جيل الستينيات، كانت له مرويات بديعة حول حبه وشغفه العارم بالقراءة وتسجيل ما يعجبه من النصوص في دفاتر مخصوصة بألوان ورسومات وما شابه.

المبدع الكبير بهاء طاهر ابن ذات الجيل، في مقدمة روايته «خالتي صفية والدير» سجل ما يشبه خلاصة لسيرته الذاتية وفيها إشارات مهمة لقراءاته الأولى وكيفية وقوفه أمام النصوص التي كانت تعجبه ويقوم باقتطاعها وتدوينها في كراسة خاصة. يوسف الشاروني في كتابه «رحلتي مع القراءة» أشار كذلك إلى التقليد نفسه، وكيف كان يمارسه ويوسع دائرة الاختيار لتشمل النصوص الإبداعية شعرا ونثرا والنصوص التراثية كذلك، والنصوص التاريخية وكل أنواع النصوص التي كان يرى أنها تحمل جمالية من نوع خاص، وأسلوبية متفردة، فضلا عن قيمتها الخاصة.

في ظني لولا هذا التقليد الرائع الجميل الذي ما زال حاضرا الآن وبقوة وإن اختلفت الوسائط وطرائق التدوين والاختيار، ما كان لأديب حقيقي وكاتب أصيل ومبدع موهوب أن يصل إلى عتبات الكتابة المبدعة الآخذة بحقها من الموهبة والإتقان والجودة والإحكام.