ثقافة

صوتٌ من البعيد (1): الطبيعة في مجموعة "ذات زمان... الظلام كان أبيض" لطيب جبّار

58456322
 
58456322
التقيتُ الشاعرَ العراقيَّ-الكرديَّ طيّب جبّار، وصديقه المترجم عبدالله طاهر البرزنجي في مهرجان الشعر العالمي بإيران عام 2010م، ودارت بيننا رفقةٌ قصيرةٌ وحواراتٌ ونقاشاتٌ عدة، أذكرُ وقتها أنَّ طيب جبار طرح عليَّ سؤالاً مهماً: (هل اطَّلعتَ على الشعر الكردي؟). وعندما أجبتُهُ بالنفي، أخذ يحدّثني عن الجهود المبذولة في نشر الأدب الكردي للعالم، ودار الحديث عن الفعاليات الثقافية والمجلات الأدبية التي تتصدر المشهد الكردي، واستضافة أبرز رموز الأدب العربي للمشاركة فيها.

بعدها زوّدني بديوانه (ذات زمان... الظلام كان أبيض) الصادر عن منشورات الغاوون اللبنانية عام 2010م الذي ترجمه إلى العربية عبدالله طاهر البرزنجي، وبعد عامين من اللقاء أرسل لي مجلة (سردم الثقافية) التي تصدر بالسليمانية في العراق وهي مجلة فصلية ثقافية تعنى بالتواصل الثقافي الكردي- العربي، كما أرسل لي مجموعته الجديدة (قصائد تلتفت إلى الأمام) الصادرة عن منشورات الغاوون عام 2012م. كان طيب جبار يهدف من ذلك كله إلى التعريف بالشعر الكردي وأدبائه ونشر الثقافة الكردية خارج حدود العراق، وحديثه معي كان لإيصال ثقافة شعبٍ يتخذ من الأدب وسيلة للتعريف عن حياته وهويته.

أَدخلُ إلى مجموعة (ذات زمان... الظلام كان أبيض)، إنها مجموعة تحتفي بمفردات الطبيعة، مما دفع الشاعر إلى الاستعانة بقاموسها في بناء جملته الشعرية، الأمر ذاته في مجموعة الشاعر الثانية (قصائد تلتفت إلى الأمام) حيث تتشكّلُ المفردات ذاتها في نصوصه، مما يدفع إلى التصور بأنّ الطبيعة عاملٌ مهمٌ، ودلالةٌ رئيسة في التكوين الشعري للشاعر، يعتمد عليها في بناء الصورة وتثبيت الفكرة وتقديم ارتباطٍ حيّ بالمفردة المتشكّلة شعراً وبالحياة التي يُبصرها.

إنّ لدلالاتِ الطبيعةِ في نصوص طيب جبار ارتباطاً وثيقاً بالمكان الشعري المتخيّل؛ إذ تنفتح نصوصه الشعرية على مظاهر كونية، وفضاءات ملتبسة بالواقع تارة، ومتخيلة تارة أخرى، كما إنّ لهذه الدلالات انزياحاً مختلفاً من نص لآخر، إذ تتعالق النصوص مع هذه الدلالات مُشكِّلةً تصوراً فلسفياً وجودياً، وتكويناً للذات من الداخل، كما تُقدّم اشتغالا حيّاً وفكرةً واقعيةً تتصارع مع الحياة وقيمتها في النفس البشرية.

في نص (مرثية الرماد) يقترب الشاعر من فلسفة الحياة، وعلاقتها بالأبدية، أو الانطفاء المبكر في دروب الحياة الوعرة، فيفتتح نصه بـ:

كيف أكون معك؟

أنت مسافر في طريق تائهة.

يحاول النص بعد ذلك إيجاد علاقة يُمسكُ من خلالها بهذه الفلسفة، فوعورة الحياة التي تحيط بالنص يقابلها استخدام للطبيعة، ولكنّ الطبيعة أحالت النص على مفردات ودلالات هشة وحزينة، إنها دلالات ملأى بالوجع والفقد، مثل: (موت نجمة، وذبول زهرة، واحتراق شجرة، والتهام غابة عند الجدب، وتلعن المطر). ومعها أيضا نجد اختلال موازين الطبيعة في النص من مثل: (الشمس تشرق عند المساء، والليل يبدأ من الشفق، والشمس تغرب صباحاً، والنهار ينتهي فجراً، وشجرة الحظ تسقى بالعطور...)، وتستمر العلاقة بين الشعور الداخلي والحياة وبين الطبيعة الفاترة، ويحاول الشاعر معها بناء ذاته، ورسم صورة عميقة للنفس من الداخل حين يقول:

أنا أودّ أن أرقص مع...

خرير جدول،

لا أن أتأمل في حوضٍ راكدٍ.

أنا أحب أن تتناغم ألحاني...

مع زمجرة الرياح.

لا أن أرفرف بنسمة.

أحب أن يوقظني...

صوت المطر الغزير،

لا أن أذوب...

تحت رحمة الدمق.

أحب في ذرى يقظتي

أن يختم زلزالٌ حياتي

لا أن أموت في عز النوم.

أنا أرشق عَتَمَة الصبح بالحجر،

كي أرى نفسي...

عند هودج الظهيرة.

أنا أرثي الأماسي...

كي أذوب في الرغوة المرّة...

لمنتصف الليل.

ليمتلئ بيتي بالنجوم

بعد الآن...

لا أتلصص مع الهلال.

كيف أكون معك؟

لن أغني... بعد اليوم،

لشعاع البزوغ...

لضوء القمر...

للون الغروب.

تُفرحني حرقة الظهيرة

وسكون منتصف الليل .

أودّ أن... أنام في حضن الثلوج،

وأمتطي صهوة الشمس.

لكن في اشتغاله على دلالات الطبيعة يلحُّ سؤالٌ: كيف استطاع الشاعرُ مزجَ عناصر الطبيعة بمشاعر الفقد، وتشكيلِ بؤرةٍ مضادةٍ داخل النص؟ لقد قَلَبَ الشاعرُ كلَّ صيغ الطبيعة فحوّل الهادئ منها إلى ثائر، وأقام علاقة ودٍ مع بعضها، فهل يمكن أن تكون الطبيعة ذات وجهين: وجه نراه ووجه يرانا؟! إنّ الطبيعة في نصوص طيب جبار متولّدة من الحزن، والوجع وهذا ملاحظٌ في أغلب نصوص مجموعتيه؛ إذ تنفتح النصوص المرتبطة بالطبيعة على دلالات الحزن، وإيقاع التوتّر والقلق لا سيما في تناوله الصُّور المتشكّلة عن الواقع، أو الصُّور المرتبطة بالذات والمشاعر.

في نص (ذات زمان... الظلام كان أبيض) يحاول الشاعر استكمال صور الحياة ومفردات النص باستعارة عالم الطبيعة إلى نصه، مصوّراً معها تبدّلات الزمان ومرارة الفقد:

ذات زمان... الدنيا كانت جميلة.

الأرض... كانت عشّ الورد،

أصيص اللآلئ،

سلّة الفراشات،

شرنقة للصمت.

السماء... كانت بستان الضوء،

منديل وميض،

مزهرية النجوم،

الظلام كان أبيضَ.

ذات زمان... الحياة كانت حلوة.

لكن مفاهيم الطبيعة جاءت غاضبة لغضب وثورة الإحساس الشعري الداخلي، ومتوهجة وملتبسة بالقلق، في المقطع الآتي ما يُشير إلى ذلك:

عند المنام،

بعد الدعاء والتشهّد،

كنّا نغطّي أنفسنا

بصحوٍ ذي وجهين.

الآن...

الريح تُضرب عن الهبوب،

لا تنزل من الأعالي.

الجدول غاضب،

يتسلّق الجبل.

البحر منزعج من بخاره،

كاد أن يغرق.

النار تلعن الدخان،

كادت أن تختنق.

الصحراء تُسرِّحُ الرمل.

تضج دبدبة العجاج

تحت يدي العاصفة.

وتسحب بساط الرطوبة

من تحت أقدام النهر.

الآن...

الجبل يتلاقى مع الجبل.

والتلّ يعاكس التلّ

الأيدي لا تتعانق.

والشفاه لا تتلاصق...

الإحساس بالدلالة نفسها يظهر في نص (شعر قليل الملوحة) حيث يُعلن مصالحته مع الطبيعة، إلا أنّ الدلالات لا تُظهر انفلاتاً عن الحزن وقيمه، وها هو الشاعر يتخيّل الطبيعة/ النجوم (هالة القمر/ نجمة سهيل) أنثى يلتقي بها في غرفة ويقيم معها علاقة عاطفية، ومع ذلك فإنَ الدلالة لم تتخلَّ كثيراً عن همومها المطبقة، وهو ما يدلّ على أنّ الشاعر يلجأ إلى قاموسه الخاص في بناء الحزن والوجع وارتباطهما بعالم الطبيعة المتخيّل.

في رأيي أيضا أن نص (يوم أموت) هو أكثر نصوص المجموعة ارتباطاً في دلالاته المتقاطعة بين الطبيعة والحزن وذلك في ارتباط الموت بالعناصر الحيوية للكون. ومن تقاطعات الحزن والموت يحاول الشاعر بناء ذاته المنكسرة، فبموت الإنسان/ الشاعر تفقد كل مظاهر الطبيعة حيويتها: (الشمس تتدحرج نحو سطح الأرض، والتراب يهيل الطين على رأسه وكتفيه، والريح تُشلُّ ركبتها، والماء والتراب والنار والريح مذعورة، والجبل يفرّ ويخفي نفسه تحت صخرة، والنبع يغضب والجدول يولول، وكرة الأرض تتوقف عن الدوران، والدنيا تصبح حالكة...). في خضم ذلك لا ينسى ذاته المفجوعة بنفسها والممتلئة بالحزن والموت:

يوم أموت،

لا أحد يذهب إلى السوق،

عدا ملابسي،

(السترة والبنطلون والقميص والفانيلة واللباس).

في سوق البزازين،

في دكّان ما،

يختلفن حول...

لون كفني ونقشه،

ويتفرّقن متخاصمات.

يوم أموت،

كتبي مبهورةً... تفتح أفواهها،

تخرج من الرفوف

تقلّب أنفسها صفحة صفحة،

تنادي قلمي اليتيم،

تجلس حول منضدتي،

وتكتب برقية عزاء

لذكرى مأتم أربعينيتي...

... يوم أموت،

عدا بناتي،

لا تبكي عليّ... في هذه المدينة

أيّ فتاة.

لم يكن لهذه المجموعة الشعرية في استيرادها الطبيعة إلى عالمها الشعري إلا أن تُلبسها فجائع الإنسان، فلم تتغلّب رومانسية الطبيعة ومظاهرها البريئة على اللغة الشعرية. لقد عمّقت اللغة جراح الإنسان، وصوّرت الحياة من حوله تصويراً ملتبساً بالانكسار والوجع والرحيل، لذا فإنها تُجفّفُ مشاعرها في مخيلته دون أن تكون ملاذاً حرّاً تقصده في لحظتها الشعرية. إنّ الطبيعة إنسان يشاطر الشاعر رحلته الشعرية والفكرية والفلسفية، يكبر معه في المكان المتخيّل. هكذا يتصوّرها طيب جبار، فجعل منها الأنثى التي يحلم بها، والندّ الثائر، وفي لحظة فَقدٍ تُذكّره بسوداوية الرحيل وضعف الإنسان.