الإبداع وتأويل التراث
الثلاثاء / 3 / ربيع الثاني / 1443 هـ - 22:28 - الثلاثاء 9 نوفمبر 2021 22:28
4371
د. سعيد توفيق
لا أمل في نهضة حضارية من دون اتخاذ التأويل نهجًا في الفكر والحياة. الحضارة لا تتأسس إلا من خلال الإبداع، والتأويل شرط أساسي لتحقق الإبداع. وتأويل التراث تحديدًا هو أهم مناحي التأويل الضرورية في ثقافتنا الراهنة. ذلك أن التراث يكون دائمًا مرتبطًا بالماضي، ولكن الإبداع – في مقابل ذلك – يظل دائمًا مرتبطًا بالجديد الذي يتجاوز الماضي، وهذا مناط الإشكالية في الوضع التاريخي الراهن للأمة العربية: فالإبداع لا يمكن أن يتحقق إذا ظل الماضي حاضرًا فينا حضورًا راسخًا قويًّا بكل لحظاته الماضوية السكونية، وإذا لم تتحقق عملية تجاوز للتراث. وعملية تجاوز التراث – فيما نرى – عملية مزدوجة تنطوي على فعلين مرتبطين ارتباطًا وثيقًا، وهما: تجاوز التراث بمعني عملية تأويله التي تضعه موضع الفحص والمراجعة والنقد من خلال مناهج التأويل المعاصرة، وتجاوز التراث بمعنى ممارسة الفعل الإبداعي الذي تكمن ماهيته في خلق شئ جديد يتجاوز الموروث أو التقليد السائد.
غير أن عملية تأويل التراث ليست عملية اعتباطية ، كما أنها لا ينبغي أن تخضع لطرائق التأويل التقليدية عند الأولين، بل ينبغي أن تتأسس على طرائق التأويل المعاصرة بما تنطوي عليه من شروط وأخلاقيات للتأويل، ومنها: أن التأويل يشمل أى نص أو ظاهرة أو موضوع يكون قابلاً للفهم والتعقل، وهو لا يستند إلى أطر وقوالب منهجية معدة سلفًا يُراد تسكين النص أو الموضوع المراد فحصه داخلها، وهو يفترض نسبية الفهم، بمعنى أنه ليس هناك تفسير واحد نهائي يمكن أن يدعي امتلاك الحقيقة.
وهنا يمكن أن ننتقل إلى قضيتنا الأساسية، وهى بيان أن موقفنا من التراث في ثقافتنا الراهنة يتسم بغياب- أو على الأقل بتهميش- عملية تأويل التراث بمفهومها السالف، وهذا أحد الأسباب الجوهرية لغياب العملية الإبداعية على سائر مستوياتها.
فعلى مستوى الإبداع العلمي يمكن أن نلاحظ بوجه عام أن التفسير السائد بين الناس للعلم هو تفسير يخلط العلم بالدين على نحو يسيئ فهم ماهية كل من العلم والدين. والواقع أن شواهد خلط العلم بالدين في واقعنا عديدة، أولها الخلط بين العلم والإيمان، وبين العلم والغيب، حينما لا ندرك أن الغيب يكون موضوعًا للإيمان ولا يمكن أن يكون أبدًا منهجًا للعلم أو موضوعًا له ، كما إنه لا ينبغي حتى أن يكون نهجًا لنا في حياتنا العملية. بل إن قضية العلم والإيمان ذاتها أصبحت تُوظف بشكل مضلل بحيث يُستخدَم العلم كأداة لتعضيد الدين والإيمان، ويُستخدم الدين كأداة لتعضيد صحة النظرية العلمية وإضفاء الشرعية وصكوك الغفران عليها.
وعلى مستوى الإبداع الفلسفي، فإن الناظر في تراث الفكر الفلسفي الإسلامي يدرك على الفور أن هذا الفكر قد ازدهر حينما كان هناك تقبل لفكر الآخر، عبَّر عن نفسه في ازدهار حركة ترجمة قوية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وقد أدى هذا إلى استيعاب وتمثل الفكر اليوناني، ثم نقده والإضافة إليه. ومع ذلك، يمكن القول إن الفكر الإسلامي كان مهيأً من داخله لتقبل روح التفلسف، ومن ثم التأويل. ولا شك أن حالة التدهور السياسي التي أصابت الأمة العربية، وما واكب ذلك من ظهور تيارات دينية وفكرية دوجماطيقية مناهضة لتحرر الفهم ومعادية للتأويل؛ ومن ثم للفلسفة- هو ما أدى إلى ضرب التيار التأويلي الذي نشأ مع المعتزلة، وتطور مع ابن رشد وابن عربي. ولم يكن هذا إلا نتاج طبيعي لموقف عدائي من الفلسفة التي اعتبرت شرًا؛ فقد تفشت تيارات الدين التكفيري ، وبدت الفلسفة كأنها كفرًا وإلحادًا أو بحثًا في الغيبيات: فإن كانت كفرًا لزم استبعادها، وإن كانت بحثًا في الغيبيات لم يعد لها ما يبرر وجودها؛ لأن الغيبيات موضوع من اختصاص الدين.
أما على مستوى الإبداع الفني في ثقافتنا الراهنة، فالملاحظ بوجه عام أن هناك في العالم الإسلامي تيارًا دينيًا متناميًا معاديًا لروح الإبداع في الفن: تيار ديني متجهم عبوس كئيب، لا يفهم من الدين إلا سلطة الزجر والعقاب، والأوامر والنواهي، ويفهم روح الفن الطليقة المتحررة على أنها روح إباحية متحررة من الأخلاق أو مضادة للأخلاق: فالتصوير والنحت تشخيص ووثنية، والموسيقى مزامير الشيطان، والفن في مجمله خلاعة ومجون. والحقيقة أن هذا التيار مبني على استدعاء أسوأ ما في تراثنا الديني إزاء الفن، واستبعاد المواقف المضيئة في تراثنا الديني وغير الديني التي انتجت إبداعات الفن في لحظات تاريخية معينة من تطور الحضارة العربية الإسلامية. وبعبارة أخرى يمكن القول إن هذا التيار المعادي للفن قد استبعد تأويل التراث، وخاصة التراث الديني، واستدعى بعض مواقفه المتصلبة التي تسيئ فهم الدين والفن معًا.
لا أمل في نهضة حضارية من دون اتخاذ التأويل نهجًا في الفكر والحياة. الحضارة لا تتأسس إلا من خلال الإبداع، والتأويل شرط أساسي لتحقق الإبداع. وتأويل التراث تحديدًا هو أهم مناحي التأويل الضرورية في ثقافتنا الراهنة. ذلك أن التراث يكون دائمًا مرتبطًا بالماضي، ولكن الإبداع – في مقابل ذلك – يظل دائمًا مرتبطًا بالجديد الذي يتجاوز الماضي، وهذا مناط الإشكالية في الوضع التاريخي الراهن للأمة العربية: فالإبداع لا يمكن أن يتحقق إذا ظل الماضي حاضرًا فينا حضورًا راسخًا قويًّا بكل لحظاته الماضوية السكونية، وإذا لم تتحقق عملية تجاوز للتراث. وعملية تجاوز التراث – فيما نرى – عملية مزدوجة تنطوي على فعلين مرتبطين ارتباطًا وثيقًا، وهما: تجاوز التراث بمعني عملية تأويله التي تضعه موضع الفحص والمراجعة والنقد من خلال مناهج التأويل المعاصرة، وتجاوز التراث بمعنى ممارسة الفعل الإبداعي الذي تكمن ماهيته في خلق شئ جديد يتجاوز الموروث أو التقليد السائد.
غير أن عملية تأويل التراث ليست عملية اعتباطية ، كما أنها لا ينبغي أن تخضع لطرائق التأويل التقليدية عند الأولين، بل ينبغي أن تتأسس على طرائق التأويل المعاصرة بما تنطوي عليه من شروط وأخلاقيات للتأويل، ومنها: أن التأويل يشمل أى نص أو ظاهرة أو موضوع يكون قابلاً للفهم والتعقل، وهو لا يستند إلى أطر وقوالب منهجية معدة سلفًا يُراد تسكين النص أو الموضوع المراد فحصه داخلها، وهو يفترض نسبية الفهم، بمعنى أنه ليس هناك تفسير واحد نهائي يمكن أن يدعي امتلاك الحقيقة.
وهنا يمكن أن ننتقل إلى قضيتنا الأساسية، وهى بيان أن موقفنا من التراث في ثقافتنا الراهنة يتسم بغياب- أو على الأقل بتهميش- عملية تأويل التراث بمفهومها السالف، وهذا أحد الأسباب الجوهرية لغياب العملية الإبداعية على سائر مستوياتها.
فعلى مستوى الإبداع العلمي يمكن أن نلاحظ بوجه عام أن التفسير السائد بين الناس للعلم هو تفسير يخلط العلم بالدين على نحو يسيئ فهم ماهية كل من العلم والدين. والواقع أن شواهد خلط العلم بالدين في واقعنا عديدة، أولها الخلط بين العلم والإيمان، وبين العلم والغيب، حينما لا ندرك أن الغيب يكون موضوعًا للإيمان ولا يمكن أن يكون أبدًا منهجًا للعلم أو موضوعًا له ، كما إنه لا ينبغي حتى أن يكون نهجًا لنا في حياتنا العملية. بل إن قضية العلم والإيمان ذاتها أصبحت تُوظف بشكل مضلل بحيث يُستخدَم العلم كأداة لتعضيد الدين والإيمان، ويُستخدم الدين كأداة لتعضيد صحة النظرية العلمية وإضفاء الشرعية وصكوك الغفران عليها.
وعلى مستوى الإبداع الفلسفي، فإن الناظر في تراث الفكر الفلسفي الإسلامي يدرك على الفور أن هذا الفكر قد ازدهر حينما كان هناك تقبل لفكر الآخر، عبَّر عن نفسه في ازدهار حركة ترجمة قوية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وقد أدى هذا إلى استيعاب وتمثل الفكر اليوناني، ثم نقده والإضافة إليه. ومع ذلك، يمكن القول إن الفكر الإسلامي كان مهيأً من داخله لتقبل روح التفلسف، ومن ثم التأويل. ولا شك أن حالة التدهور السياسي التي أصابت الأمة العربية، وما واكب ذلك من ظهور تيارات دينية وفكرية دوجماطيقية مناهضة لتحرر الفهم ومعادية للتأويل؛ ومن ثم للفلسفة- هو ما أدى إلى ضرب التيار التأويلي الذي نشأ مع المعتزلة، وتطور مع ابن رشد وابن عربي. ولم يكن هذا إلا نتاج طبيعي لموقف عدائي من الفلسفة التي اعتبرت شرًا؛ فقد تفشت تيارات الدين التكفيري ، وبدت الفلسفة كأنها كفرًا وإلحادًا أو بحثًا في الغيبيات: فإن كانت كفرًا لزم استبعادها، وإن كانت بحثًا في الغيبيات لم يعد لها ما يبرر وجودها؛ لأن الغيبيات موضوع من اختصاص الدين.
أما على مستوى الإبداع الفني في ثقافتنا الراهنة، فالملاحظ بوجه عام أن هناك في العالم الإسلامي تيارًا دينيًا متناميًا معاديًا لروح الإبداع في الفن: تيار ديني متجهم عبوس كئيب، لا يفهم من الدين إلا سلطة الزجر والعقاب، والأوامر والنواهي، ويفهم روح الفن الطليقة المتحررة على أنها روح إباحية متحررة من الأخلاق أو مضادة للأخلاق: فالتصوير والنحت تشخيص ووثنية، والموسيقى مزامير الشيطان، والفن في مجمله خلاعة ومجون. والحقيقة أن هذا التيار مبني على استدعاء أسوأ ما في تراثنا الديني إزاء الفن، واستبعاد المواقف المضيئة في تراثنا الديني وغير الديني التي انتجت إبداعات الفن في لحظات تاريخية معينة من تطور الحضارة العربية الإسلامية. وبعبارة أخرى يمكن القول إن هذا التيار المعادي للفن قد استبعد تأويل التراث، وخاصة التراث الديني، واستدعى بعض مواقفه المتصلبة التي تسيئ فهم الدين والفن معًا.