أعمدة

نوافذ: الذي لا اسم له

بشرى خلفان-01
 
بشرى خلفان-01
كان الناس في المجالس يتجنبون تسميته، خوفًا من أنه إذا ما صار له اسم تجسد وحل وشاع، كانوا يقولون 'الخبيث' همسًا، ولا يلومهم أحد في ذلك، فهو خبيث، لئيم، غادر، وكان البعض يكتفي بأن يقول 'ذاك المرض'، وكأنهم إذا ما استخدموا اسم الإشارة البعيد، جعلوا بينهم وبينه سدًا، أو ألقوا بتعويذة في وجهه، فما اقترب منهم وما استطاع لهم مسًا.

ما كان هذا حال الناس في مجتمعاتنا فقط، بل نجد ذلك حتى في أكثر الدول تطورًا، إذ يورد سيدهارتا موكرجي، في كتابه إمبراطور المآسي، أن امرأة ناجية من مرض سرطان الثدي تدعى فاني روزو، اتصلت بجريدة النيويورك تايمز، طالبة نشر إعلان دعائي لدعم النساء المصابات بسرطان الثدي، فتم تحويلها إلى محرر الشؤون الاجتماعية، الذي أجابها: 'أعتذر منك سيدة روزو، لا تستطيع الصحيفة نشر كلمة ثدي أو كلمة سرطان على صفحاتها'، كان ذلك في خمسينيات القرن المنصرم، أما الآن، فقد تجاوز الغرب ذلك والشرق كذلك، ولم تعد كلمة سرطان الثدي تجرح ذائقة أحد.

تعود أول إشارة لهذا المرض إلى الطبيب الفرعوني 'أمنحوتب'، الذي سجل في إحدى البرديات وصفًا دقيقًا له، وكان ذلك قبل حوالي ألفين وستمائة عام، بينما أورد هيروديتس، المؤرخ اليوناني، في أحد سجلاته، حالة ملكة فارس 'أتوسا' التي أمرت عبدًا لها اسمه 'ديموسس'، باستئصال ورم في ثديها.

السرطان إذا ليس بالمرض الحديث، ولا الخلايا التي تكونه بخلايا غريبة عن الجسم، بل هي أشبه بالخلايا النائمة، تكمن في انتظار المحفزات المناسبة، التي تدخلها في طور الانقسام الفوضوي، حتى تحتل مكان الخلايا الطبيعية، وتقضي عليها، لذا فتاريخ هذا المرض هو 'تاريخ عسكري في أحد جوانبه، الخصم فيه عديم الشكل وأبدي ومتغلغل، فيه انتصارات وهزائم، حملات وحملات مضادة، أبطال ومتعجرفون، تعاف ونجاة، وبالتأكيد مصابون ومدانون ومنسيون وموتى' على حد تعبير موكرجي.

اللافت للنظر، أنه في عام ٢٠٢٠ تفوق سرطان الثدي على سرطان الرئة كأكثر السرطانات انتشارًا، إذ بلغ عدد الإصابات في عام ٢٠٢٠ وحدها ٢.٣ مليون إصابة جديدة حول العالم.

ولأن شهر أكتوبر هو شهر التوعية بسرطان الثدي، أجدني غير قادرة على الهمس بالذي لا يسمى، بل بالصراخ بأهمية تكثيف حملات التوعية به في المدارس الثانوية، حتى يتسنى للطالبات تعلم الكشف الذاتي في سن مبكرة، خاصة وأن حوالي ٢٠ في المائة من الإصابات بسرطان الثدي في عمان، هو لفتيات دون سن العشرين.

يقول عبدالله حبيب إنه 'عندما يصاب ثدي امرأة أو رحمها بالسرطان، فإن علينا أن نلتفت إلى أن الأرض قد صارت تصرخ، بأنها عليلة بسببنا، وبسبب ما نقترفه في حقها'، لذا فلا حد من انتشار هذا المرض القاتل، والمكلف ماديًا، دون معالجة بيئية للتلوث التي صارت أرضنا تصرخ منه.