أعمدة

نوافذ : قمم الجبال وأعاصير البلاد المنخفضة

بشرى خلفان-01
 
بشرى خلفان-01
من نافذتي، أجلس لأنظر آثار الشاهين الذي مر واديه أمام بيتي، وتسلل إلى حديقتي الصغيرة، وأسقط أشجاري، أراقب على شاشات التواصل مروره القاسي على مسقط، ونهشه للباطنة، باطنتنا، خاصرة البلاد، وقوسها الذي كان أخضر خصيبا، أستمع للبيانات والمقابلات عبر الراديو، فأشعر بالغصة تتنامى في روحي.

يحاول البعض تخفيف حدة الأمر، يجادلون بأن ما نراه أمامنا من ماء طغى على الماء، وأضرار طالت الأرواح والممتلكات، يحدث في أكثر بلدان العالم تقدما، وأنه لا منجاة من الطبيعة، وأنا أميل إلى موافقتهم على قوة الطبيعة المدمرة، لكني أريد أن أذكر أيضا أن الطبيعة لا ترحم من لا يحترمها، ويعرف العمانيون ذلك بالخبرة المتوارثة عبر الأجيال، وبالفطرة السليمة، المتخففة من المطامع قدر الإمكان، حتى أنهم يقولون من 'جلس فوق الجبل ما ابتل'، فكانوا يختارون الأماكن المرتفعة للسكنى، ويحترمون مجاري الأودية.

نعرف أن ازدياد عدد السكان يحتاج للتوسع العمراني، ما نتج عنه تسرع في توزيع الأراضي، بشكل عشوائي وغير مدروس، وأحيانا ضاربا حتى بآراء الاستشاريين عرض الحائط، فعمرت بطون الأودية، وتم الاستحواذ على أحراماتها، بل وتجريفها وتحويلها ورمي مخلفات البناء فيها.

هذا التسرع وغياب التخطيط العمراني القائم على الدراسات والأبحاث العلمية والاستشراف، أنتج تجمعات سكنية هشة، أشبه بالعشوائيات، وكأنها بنيت على عجل وفي غياب تام للقوانين الحاكمة، وهنا، استخدم كلمة تجمعات سكنية بوعي، فهذه الطريقة في التخطيط لا تصنع مدنا، فالمدن لا تخطط وتبنى لتبقى لعشر أو عشرين سنة، وإلا لما صمدت روما وباريس، المدن تبنى لتصمد مئات السنين، وعلى هذا الأساس يتم تخطيطها.

نعم “ من جلس فوق الجبل ما ابتل”، ربما كان مثلا يضرب لنقل الخبرة، لكنه ربما كان يضرب أيضا لبيان الحقيقة، إن أكثر المتضررين من الكوارث بكل أشكالها، وفي كل مكان في العالم هم الفقراء، الذين يسكنون الأراضي المنخفضة، أولئك العاملون في الحقول والبحر، لكن العلامة نور الدين السالمي في تحفة الأعيان ذكر واصفا هول إعصار ١٨٩٥ بأنه ساوى بين الفقير والغني، مما يعني أن الطبيعة قد تصل إلى حد من الفوران فيتلاقى فيها ماء البحر مع ماء الوديان، فتفور غضبتها حتى تصل الروابي وتقترب من قمم الجبال، معاكسة حتى شروط الجاذبية وقياسات الميلان.

لذا، فنحن بحاجة أكيدة لإعادة النظر في سياسات توزيع الأراضي، وشروط البناء، وبحاجة أكبر لأن يهبط سكان الجبال، ليروا ما يحدث في الأراضي المنخفضة، الأرض التي أنجبتهم وغذتهم لمئات السنين، وليكرسوا جهودا أكبر في البحث والتخطيط وحسن إدارة الكوارث، وإعادة تأهيل البنى الأساسية.