عمان اليوم

« عمان » ترصد تفاصيل ليلة «الرعب» في الباطنة قبل رحيل الإعصار

بعضهم صلى صلاة الخوف وآخرون استشرفوا الموت

5645
 
5645
وعاشت مئات الأسر في ولايتي الخابورة والسويق وأجزاء من ولايتي صحم والمصنعة ليلة صعبة جدا مع مرور التأثيرات المباشرة والقوية للإعصار «شاهين». ووسط غزارة الأمطار وشدة الرياح كانت تتشكل الكثير من القصص الإنسانية التي شكلها الخوف والقلق والتوتر والكثير من التصورات التي أفضت إلى شكوك حول دنو لحظة الرحيل.

يقول سيف الجهوري الذي يقطن قرية الغليل بولاية السويق: كانت الأمطار قد أصبحت غزيرة جدا بعد صلاة المغرب، وجلست أنا وزوجتي وبناتي الثلاث وعاملة المنزل، وكان الماء يدخل من النوافذ والأبواب، إلا أن الأمر كان مفهوما جدا في لحظة مرور الإعصار.. ولم يكن الخوف قد بلغ حده إلا عندما بدأت الأودية تصل وتحاصر المنازل، وكانت الرياح تزداد مع مرور الوقت حتى وصلت إلى مرحلة حسبنا أنها ستقتلع المنزل من أساسه. يصمت وكأنه يداري عبرة جاشت في خاطره قبل أن يكمل: لم أر شدة رياح ومطر كالتي مرت عليّ، ووالدي عمره 96 عاما لا يذكر أن رياحا قد وصلت شدتها ما وصلته الرياح المصاحبة لهذه الإعصار.

ولأن الجهوري مرتبط بجيرانه فقد خرج وسط العواصف محاولا الاطمئنان عليهم فرأى مشهدا ما كان يتوقعه.. يقول واصفا المشهد بلغة بليغة جدا: رأيت وكان بيتي قاربا وما حوله بحر واسع لا نهاية له.

ولأن بيت جاره مرتفع أكثر من بيته قاد اثنتين من سياراته الثلاث الموجودة في منزله إلى بيته جاره وعندما جاء ليقود السيارة الثالثة وجد أن تيار الماء يأخذها في طريقه!

ولم ينجح إلا بعد محاولات متواصلة. وما كاد يدخل بيته حتى سمع انفجارا ضخما قد حدث في الخارج وفجأة رأى المياه تندفع إلى داخل الصالة وكأنها تسونامي.. يصمت قليلا عن الكلام ثم يقول: كان تسونامي بالفعل، المياه صعدت مباشرة إلى سقف البيت المكون من دور واحد وغرفة للدرج تتسع لجلوسنا فقط، أمسكت بيد ابنتي ذات الإثني عشر عاما وصعدنا لتبدأ ليلة رعب حقيقية عشناها حتى بدأت أنوار الصباح تشرق ورأينا فيها بعض الأمل.

لم يكن أمام الجهوري وعائلته طوال الليل إلا الدعاء.. أعلى صوته بالدعاء وصلى لله أن لا يسقط البيت به وأسرته، وبقي يحسب الدقائق والثواني التي كانت تسير ببطء شديد لم يشعر به من قبل.

وعندما أشرق الصباح، والحديث للجهوري، رأى الدنيا وقد تحولت إلى بحر متلاطم الأمواج إلا أن مياهه ليست زرقاء، إنها غبراء ولا تبعث على التفاؤل.

وإذا كان الجهوري قد عاش المأساة في الليل فإن النهار كشف عن المظاهر المادية لتلك المأساة فقد فقد سياراته الثلاث وفقد من أكثر من 80 رأس غنم وعدد من الأبقار وفقد بيت آخر تعيش فيه أسرته الثانية. إلا أن هذا ليس كل شيء فقد فقد هو وإخوته 21 سيارة يمتلكونها يقدر قيمتها مجتمعة بأكثر من 100 ألف ريال إضافة إلى حجم الخراب في بيتيه وبيوت إخوته.

إلا أن ما حصل لسيف الجهوري ليس إلا مشهدا واحدا من مشاهد كثيرة جدا حصلت ليل الاثنين وفجره.

فسلطان بن علي الحوسني من ولاية الخابورة عاش ليلة صعبة هو الآخر.. فرغم أن عائلته كانت تحاول تهدئته إلا أن خوفه عليهم جعل مستوى ضغطه يرتفع عن الحدود الطبيعية. يقول: جلبت لي زوجتي حبوب الضغط واقترحت عليّ أن أبدأ في الصلاة وقراءة القرآن. كانت المياه حينها قد وصلت قرب الدرجة الأخيرة ولم يعد أمام المياه إلا 15 سنتيمترا لتدخل إلى داخل البيت. ورحت أصلي صلاة الخوف وأنا أرتجف خوفا علي أطفالي الصغار فيما لو انتكست حالتي ولا أحد يستطيع أن يصل لهم. هدأت نفس سلطان عندما شاهد ابتسامة ابنه سيف. كان الساعة في ذلك الوقت قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل والأمطار ما زالت غزيرة والرياح مزمجرة والأودية قد بدأت تحاصر المكان. ولم يمضِ من الوقت كثيرا حتى كانت المياه ترتفع مترا في صالة البيت وقد شاهد سلطان أثاث بيته يعوم فوق مياه تتلاطم. لم تكن المياه وحدها التي تتلاطم ولكن أنفاس سلطان كان تتلاطم بحس ما أكد وهو يتحدث لي عبر الهاتف من الخابورة. كانت أنفاسه تتلاطم لكن كان واجما ولم يستطع الكلام. يقول إن زوجته وابنه اعتقدا أنه أصيب بحالة نفسية نتيجة ما رأى وهو نفسه وبعد مضي قرابة عشر ساعات من الحادثة لا يعرف صدقا ما إذا كان تعرض لحالة نفسية، لكنه كان يشعر بخوف كبير على أسرته. يقول: تخيلت أنني أموت أو أفقد الوعي وتبقى أسرتي وحدها تواجه مصيرها الذي كنت أتوقعه.. أن تجرفهم المياه إلى البحر! لم يحدث ذلك بطبيعة الحال وأشرق الصباح على سلطان الحوسني وأسرته ووجد أن سيارته وحدها التي جرفتها مياه الوادي إلى مكان لم يستطع معرفته حتى الآن.

وليس بعيدا عن مأساة الحوسني هناك مأساة أخرى عاشها خميس بن محمد السعيدي مشرف مراكز الإيواء في ولاية الخابورة والذي ترك أسرته تواجه مصيرها وحدها وعاش ليلة «الرعب» في مركز الإيواء بمدرسة الحواري. يقول السعيدي رغم أنني كنت أواسي الناس وأخفف عنهم وهم يبيتون ليلتهم في مركز الإيواء إلا أنني كنت أبحث عمن يواسيني لأن أسرتي كانت وحدها.. وبعد أن انقطعت الاتصالات لم أستطع معرفة شيء عنهم.

كان الليل يسير ببطء شديد على خميس السعيدي وكل من كان معه في مركز الإيواء وكأنه ليل امرئ القيس الذي «شد بيذبل» كما جاء في معلقته الشهيرة. كان الجميع متوترا وكان أعصاب الناس قد وصلت إلى حدها مع اشتداد الأمطار وعصف الرياح رغم أننا كنا نحاول طمأنتهم.

ويؤكد السعيدي إن فكرة وجود الإنسان في مركز إيواء بحد ذاتها فكرة تبعث على الخوف والقلق حتى لو كان على يقين أنه في مكان آمن جدا.

ومن الخابورة إلى السويق وبالتحديد قرية البطحاء حيث عاش قيس بن سمير الجديدي وأسرته أيضا ليلة صعبة لا تخلو رعبا وخوفا عن ليالي غيره من سكان السويق.

كانت قيس يتحدث عبر الهاتف بهدوء كبير جدا، إنه يشبه هدوء الذي ما زال يعيش لحظة الدهشة أو بتحديد أكبر لحظة المفاجأة. يقول الجديدي كانت الأمطار التي بدأت منذ الظهيرة تزداد في كل ساعة تمر، ولكن لم تكن الرياح شديدة، وكان أكثر ما رصدناه في ذلك الوقت تسرب المياه من النوافذ والأبواب وهو أمر طبيعي في مثل هذه الظروف.. لكن في المساء عندما بدأت الرياح تشتد وتناقل الناس خبر دخول عين الإعصار من ولاية السويق كان الأمر قد بدأ يختلف تماما. يزداد هدوء قيس وهو يتحدث عن الأشياء التي كانت تتطاير في كل مكان بسبب الرياح. يقول: كنا نسمع أصوات اصطدام بالنوافذ، كان كل شيء متحركا يطير في الهواء ولا تعرف من أين جاء، المظلات كانت تطير، وخزانات المياه كذلك. ومع مرور الوقت كان الخوف يتملكنا أكثر وأكثر. كانت الكهرباء مقطوعة وكذلك الاتصالات شبه منقطعة ولا إشارة في التلفزيون نستطيع بها الوصول إلى البث التلفزيوني.. شعرنا أننا مقطوعون عن العالم تماما وأن مصيرنا مجهول، وهذا الأمر كان يزيده صوت الرياح وهي تزمجر وكانها تعزف لحن الوداع.

لكن الصباح قد أشرق أيضا على قيس وأسرته وقد منّ الله عليه أن الماء بدأ في التراجع قبل أن يدخل إلى صالة البيت.. يقول: كان بين الماء وبين الدخول مجرد 30 سنتيمترا، ثم بدأ منسوب المياه يتراجع.. لكن المياه التي تسربت عبر الأبواب والنوافذ قد أتت على الأثاث إلا أن هذا، والكلام للجديدي، يمكن تعويضه بسهولة ما دامت الأرواح قد سلمت.

ومن المشاهد التي يتحدث عنها الجديدي وهو يصف ليلة الرعب، صوت السيارات وهي تطلق أبواقها بعد أن جعلتها المياه تصطدم بالجدران فتطلق أصوات أبواقها، هذا الصوت زاد من خوف الناس وزاد قلقهم توترهم، فقد كانت وكأنها أصوات أجراس الإنذار أن المأساة قادمة في الطريق.

ولا يختم قيس الجديدي حديثه قبل أن يجزل الشكر لشرطة عمان السلطانية التي كانت دورياتها في كل مكان رغم المشهد الصعب والمخيف.. يقول: كانت رؤيتهم في ذلك الوقت بالتحديد تخفف من هول المشهد، وتبعث ولو بشكل بسيط الأمل في النفوس، كنا نعرف أنهم بشر مثلنا ولكن واجبهم حتم عليهم أن يكونا قريبا في انتظار أي صوت استغاثة.

أما حمد البلوشي الذي يقطن في منطقة الخويرات في ولاية الخابورة فيقول: لم أكن قد نسيت مأساة الأمطار والرياح التي حدثت في شهر رمضان الماضي، حتى وجدتني أعيش مشهدا مشابها تقريبا، إلا أن الفرق هذه المرة أن التحذيرات كانت تأتي من كل مكان.. كنا نعتقد أننا في مأمن ولكن مع تكرار التحذيرات ووجود عمليات إجلاء عرفنا أن الأمر لا يمكن إلا أن يكون خطيرا بالفعل!

وبدأت ليلة الرعب عند حمد البلوشي في الساعة العاشرة عندما اشتدت غزارة المطر، وزادت سرعة الرياح وتحول المشهد أمامنا إلى بحر لا نهاية لامتداده.. يصمت حمد طويلا قبل أن يستطيع العودة للكلام ليقول: تفاصيل الليلة لا يمكن أن تتلاشى ولكني لا أستطيع أن أعبر عنها بالكلام، ما زال الوقت بين حدوثها وطلب الحديث عنها قصير جدا.. لا. لا أستطيع الكلام.

إلا أن حمد رد على بعض الأسئلة التي أوضحت أن تقديره للخسائر التي حدثت في حالة رمضان أكبر من الخسائر التي حدثت في إعصار ليلة أمس.. يقول: ربما لأننا كنا مستعدين للأمر ولم يأت الإعصار على حين غفلة منا. لكن بالنسبة له يرى أن الأودية قد تسببت في الأضرار الأكبر فقد قسم الوادي مزرعته إلى قسمين وشق له مجرى جديد في وسطها.

الأرصاد الجوية تقول إن الحالة قد تلاشت، لكن الذي لم يتلاشَ بعد الكثير من القصص والحكايات الإنسانية التي عايشها الناس خلال مروره والتي ستشكل جزءا كبيرا من ذاكرتهم وذاكرة أسرهم إلى سنوات طويلة. والكثير من تلك الحكايات يستحق أن يروى ليساهم أيضا في تشكيل وعينا بأحوال الطبيعة التي تحيط بنا.

عندما صرخ سيف بن سعيد الجهوري على بناته الثلاث ليصعدن إلى أعلى غرفة الدرج كانت تلك، بالنسبة له، ذروة المأساة التي عاشها مع أسرته في ليلة «الرعب» كما أسماها، فلم يكن يرى في المياه التي اندفعت باتجاهه هو وأسرته إلا الموت جاءه على هيئة مياه!

سمع الجهوري، وهو عسكري متقاعد وصاحب خبرة في عمليات الإنقاذ في الحالات المدارية، صوت انفجار ضخم أعقبه اندفاع سريع للمياه من باب الصالة لتصل إلى السقف مباشرة.. يقول الجهوري الذي غرق له بيتان خلال تأثير الحالة المدارية «شاهين» على ولاية السويق: «كان الأمر أشبه بتسونامي حقيقي ما كنت أعتقد أنني سأعيش تفاصيله»، فقد انفجر جدار المزرعة المجاورة والذي كانت خلفه كمية مياه ضخمة جدا اندفعت مباشرة إلى داخل المنزل.

وكان سيف الجهوري يحكي تفاصيل قصته عبر الهاتف، ورغم مضي عدة ساعات على تلاشي الحالات إلا أنه أصر أن الأمر كان «كابوسا» بل إنه قال: لا. لا الكابوس أرحم مما عشته وأسرتي وعاشته الكثير من الأسر في ليلة عبور الإعصار «شاهين».

والجهوري الذي عايش ميدانيا عبور أكثر من إعصار بدءا من إعصار جونو مرورا بإعصار فيت وما تلى ذلك من حالات مناخية مرت على السلطنة حيث عمل خلال تلك الحالات في الميدان ووسط العواصف، يعول كثيرا على بزوغ الفجر حينما اشتد كربه والمياه تصعد رويدا رويدا إليه في غرفة السطح فقد رأى في خيط الفجر الذي انتظر بزوغه أملا يمكن أن يخرجه من كل تفاصيل المأساة التي عاشها.. وكان للجهوري أسرة أخرى في بيت آخر إلا أن كل السبل للوصول إليها كانت منقطعة.