كتابات عُمانية بأقلام عربية (43): عُمان في إنتاج الدكتور وليد محمود.. انغراسٌ في أعماق التفكير وتقديم أجمله
الثلاثاء / 20 / صفر / 1443 هـ - 15:27 - الثلاثاء 28 سبتمبر 2021 15:27
الدكتور وليد محمود
الإهداء: إلى الصديقين الوفيين الدكتور محمد بن سعيد الحجري، والأستاذ عبد الله الحجري..
في الثالث من فبراير 2003 م عُدّتُ إلى كليةِ الآداب والعلوم الاجتماعية بالجامعة بعد بعثةٍ تعليميةٍ دامتْ أربعَ سنواتٍ تكللت بحصولي على درجةِ الدكتورة في الأدب العربي الحديث ونقده من الجامعة التونسية، حينئذٍ قادتني قَدَماي إلى قسم اللغة العربية الذي عملتُ فيه زهاء ثماني عشرة سنة، في ذلك التاريخ توزَّعت أنظاري أول ما توزعتْ إلى زملائي القُدامى فلم أعهدْ منهم إلا القليل، فقد رَحَلَ الكثيرُ منهم ممن عهدتهم وزاملتهم قبل ابتعاثي واستبدلوا بأساتذة آخرين قَدِموا من أقطارٍ شتى من أصقاع الوطن العربي الكبير وجلَّهم من الأساتذة الأكاديميين المتخصصين في علوم العربية وآدابها، وكان من بين هذه الكوكبة الأستاذ الجليل والباحث القدير الدكتور وليد محمود خالص.
في هذا الوسطِ الأكاديميِّ (البانوراميِّ) المتنوّع المناهج، والمتشعب المدارس والاتجاهات - عرفتُ هذا الرجلَ البارزَ متربّعاً على كرسيّه الأكاديمي بالمكتب رقم (2062) المُواجه لرئيس القسم، شامخاً، كشموخ العراقيين الأجلّاء الذين تكسو ذواتهم عادة أنفة ومهابة وصمتٌ حميدٌ.. لا يكاد يحييك إلا بكلمة ' مَرْحبا دكتور' اقتربتُ منه في ذلك اليوم الاستثنائي الفارق في حياتي العملية وجلستُ معه جِلْسةَ تَعَارفٍ وعربون زمالةٍ قادمة وبعدها توالتْ معرفتي به يوماً بعد يوم في تعاونٍ إداري أكاديمي لا يخرج عن مهام مهنة التدريس المنوطة بي من مراقبة قاعات الامتحانات، إلى توزيع الجداول، إلى تنظيم المؤتمرات والندوات، فألفته وألفني وكان بمثابة الأخ الكبير والأستاذ الجليل، والعالم الذي يفيضُ علماً وتجربة وخبرة ،وإدراكاً لضوابط العمل الأكاديمي ومسارات الثقافة العربية وحراك علمائها ومؤلفات أساطينها، والحقيقة كنتُ أراه بمثابةِ المُوجّه والمُرشد والأخ الكبير ذي الخبرة والدّراية بأمور الجامعات والبحث العلمي ، فلم يبخل عليَّ بما عنده، فازداد يقيني بأنه رجلٌ استثنائي وعالم بتخصصه على الأقل في ذلك المحيط الجامعي الذي عشتهُ وعرفتُ تفاصيله.. وأدركتُ أساتذةً عديدين فيه.
لم يكن الدكتور وليد خالص همّهُ التدريس كغيره ممن قَدموا إلى جامعاتنا الوطنية والأهلية، وارتستْ مناكبهم سنيناً فيها بلا بحثٍ ولا إنتاج علميٍّ عُماني يخدمُ الوطن، فحسب بل همّه التنقيب وإنتاج المعرفة المكتوبة الباقية، والمشاركة في كلّ محفلٍ علميٍّ رصين حتى قدّم كتباً في ثقافتنا العُمانية تعدّ - في نظري- من أهم المراجع المعرفية في مواضيعها وأطروحاتها وخاصة فيما يتعلق بشعر السُّلوك والتصوف، وأدب الأطباء، وتحقيق المخطوطات والمؤلفات القديمة ذات البلاغة العالية والعمق المعرفي التقليدي الفلسفي الصِرْف.. وأكثر من ذلك تقديم القراءات النقدية لأدب الشباب، ومحاولة تبصيرهم بالإبداع والمعرفة ما أمكن ذلك .
وبعد حينٍ غير بعيدِ عن ذلك اللقاء الأول، وفي ظروفِ تدوير الوظائف غدا الدكتور وليد رئيساً للقسم بحلول فصل الربيع من عام 2003 م، واستمر لغاية خريف عام 2007، وأخذ - خلال هذه الفترة - يزاول وظيفته الجديدة القيادية يؤطر عراها الطلبة ويطوّر البرامج الدراسية، ويقيم العلاقات الأكاديمية مستفيداً – طبعاً - من تجربته في الجامعات التي عَمِل فيها، ومن خبرة أقرانه وزملائه أساتذة القسم الذي أتوا من كلّ حدبٍ وصوب. وكانوا له عوناً ومعواناً.
لم يتبدَّ لي الدكتور وليد خالص طيلة معرفتي الأكاديمية به إلا شخصاً عالماً فاهماً ودقيقاً له المؤلفات والأبحاث العميقة والأطروحات الأكاديمية التي آمن بها وسعى إليه مكتسباً خبرة طويلة من جامعات شتى عمل فيها وتأسس في محاريبها قبل مجيئه وطننا عُمان، فقد عمل في الجامعات المصرية والكويتية والعراقية والأردنية والإماراتية... منذ أن نال درجة الدكتوراة عام1981م، حتى مغادرته السلطنة بحلول عام 2010 تقريباً. وكذلك حتى رسوَّ أقدامه في المؤسسات الثقافية المرموقة التي أتت إليه فيما بعد تترى، ونالَ عضويتها الشرفيّة والكاملة كعضو لمجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 2012، وعضو مجمع اللغة العربية الأردني منذ 2016 م وعضو مجلس أمناء جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب بمرسوم سلطاني سامٍ صدر عام 2012.
كما أسهمَ الدكتور وليد في إنتاج المعرفة الأكاديمية التخصصية بمنح طلابه أعلى الدرجات الأكاديمية في إطار التأطير فدفع بطلابه إلى مواضيع مهمة تناولت أدب عُمان وثقافتها، فكان من نتائج إشرافه على طلبته في مرحلة برنامج الماجستير بقسم اللغة العربية عناوين طُبعت في مؤلفات ورفدت المكتبة العُمانية منها على سبيل المثال لا الحصر خمسة عشر دراسة : شعر سلطان القاسمي دراسة نقدية للدكتور عزيزة الطائية، والشعر القومي في عُمان لسعيد العيسائي وتحقيق ديوان الحضرمي للدكتور بدر اليحمدي، و'الشعر العُماني في العصرين النبهاني واليعربي..' لمحمد بن سعيد الحجري وشعر الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي دراسة وتحقيق لعادل المطاعني و 'المقامة في الأدب العُماني دراسة فنية تحليلية'، و' المقالة الأدبية النقدية في صحيفة عُمان' و'ديوان ابن رزيق النخلي دراسة وتحقيق'، و' السَّرد في منامات الوهراني' للباحث الشيخ يوسف الكندي وغيرها الكثير والكثير مما لا نستطيع حصره ويمكن تتبعه في السجلات الاكاديمية للجامعة وفي سيرته المفصّلة.
.
.
- مسارات البحث الأكاديمي والثقافي في حياة الدكتور العلمية
.
.
سَخّرَ الدكتور وليد خالص جلَّ طاقاته العلمية وقلمه في البحث، وأصدرَ دراساتٍ كثيرة بلغت أربعة وأربعين كتاباً، واثنين وأربعين بحثاً محكَّماً، وأكثر من واحدٍ وثلاثين بحثاً ثقافيًّا منشوراً في الصحف والمجلات الثقافية، وسارت جهوده باتجاهات مختلفة نصنِّفها منهجيّا في المحاور الآتية:
أولا - دراسات الأدب القديم تخصصه الذي دَرَسه ودرّسه، ونجد له فيه عناوين لكتب مرجعية ذات مستوى تحليل دقيق من مثل كتبه: ' الدرس النقدي القديم بين التطرف والتطبيق ' و ' المباحث النقدية في أمالي المرتضى ' و' أبو العلاء المعرّي ناقداً ' و' النقد الأدبي القديم في كتاب الأغاني '.. و«منزلة الشعر والشعراء في التفكير النقدي العربي» 1994م وهذه الكتب جميعها ألّفها الدكتور بمناهج علمية متقدمة مارس من خلالها تدريس مواد التخصص في الجامعات التي درس فيها ، ومنها جامعة السلطان التي شغل فيها كرسي الأدب القديم سنوات وكان خليفة الأستاذ الدكتور بدر ضيف رحمه الله الذي درس هذه المساقات قبله.
ثانياً – دراسات في الأدب الحديث، وتبرزُ فيها اهتماماته بأدب الخليج عامة، وفيها نجد له كتاباً بعنوان بـ ' الأدب في الخليج العربي: دراسات ونصوص، وقد صدر عام 2004، وتضمن مختارات وتاريخ أدب ونقد كان حظُّ عُمان منه مباحث من مثل ' غمان في لسان العرب'، ونصّ في السُّلوك العُماني للمحقق الخليلي، ودراسة مخطوط ' إيضاح السلوك للشيخ جاعد الخروصي الذي توسّع فيما بعد وصار كتاباً مستقلاً.
ومن كتبه في هذا السياق الأدبي الخليجي كتاب ' الكلام على الكلام: نظرات فنية تأويلية في شعر الشيخ محمد بن راشد ال مكتوم، وهذان الكتابان أقصد (أدب الخليج، والكلام على الكلام) نتاج مرحلة عمله بجامعة الإمارات الممتدة زهاء أثني عشر عاما '.
كما نجدُ له في حقل دراسات الأدب الحديث كتاباً ثالث بعنوان' النصَّ الغائب في أولاد حارتنا ' لنجيب محفوظ: دراسة في تفاعل النصوص' ويبدو أنه كتبه سيراً على ما ساد الوسط الأكاديمي العربي، واحتفاء بنجيب محفوظ إثر حصوله على جائزة نوبل عام 1988م.
ثالثا– دراسات في التاريخ الثقافي العام، والسير؛ وله فيها عناوين من مثل: بغداد التاريخ والشعر، و' وذاكرة الورق: شتون عاماً من تاريخ العراق الحديث في يوميات محمود خالص، و «جذوة بين الرماد- إبراهيم الوائلي في سيرته وأوراقه المنسية» و ' معضلة اللغة العربية بين الجابري وطرابيشي '.
رابعاً - دراسات في تحقيق كتب التراث العربي ونقدّم منها الكتب الآتية: ' مسالك الأبصار في ممالك الأمصار' لشهاب الدين أحمد بن فضل الله العمري: الشعراء العباسيين من المتنبي إلى ابن الهبارية: السِّفر الخامس عشر '، و«الدُّر الفريد وبيت القصيد»، لمحمد المستعصمي، و «الصَّلتان العبدي وما تبقّى من شعره» 1988م.
.
.
انغراسٌ في أعماق التفكير وتقديم أجمله
.
.
لم تكن عُمان – التي أحسبُ أنه ألفها - ببعيدة عن فكره وقلمه، ونحن اليوم نحيطُ بعددٍ لا بأس به من دراساته التي أنتجها عنها، ونوردها في العناوين الآتية: إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك” لمؤلفه الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي وفيما يلي تفصيل له باعتباره يمثل جهوده في خدمة التراث العُماني.
فالكتابُ يُعدُّ فخرَ دراسات الدكتور وليد العُمانية؛ إذ قضى في ملاحقة مادته وتجميع مصادره والحصول على نسخ مخطوطاته قرابة عشر سنين كما يقول في مقدمته، وقد صبّ فيه عصارة خبرته العلمية في التحليل والشرح و التحقيق والمقاربة، فبدا سفراً دقيقاً ومصدراً أصيلاً حاوياً علماً نافعاً، وشرحاً وافيًّا كامل الأركان قائماً على فكرة التصوف في مبناه ومعناه التي أسمَها الأباضية 'السلوك' ويعنون به كما يقول الكتاب: 'تهذيب الأخلاق ليستعدَ العبد للوصول بتطهير نفسه من كلِّ ذميم مُبْطل، استناداً على مفهوم' أن السالك هو العبدُ المنيب الذي تاب عن هوى نفسه وشهوتها ، واستقام في طرق الحق بالمجاهدة والطاعة والإخلاص'.
يقعُ الكتابُ في سبعمائة وخمسين صفحة،' بذلَ فيها أقصى ما بوسعه لقراءة نصّ المنظومة والتعليق عليها وتجلية مصطلحاتها ومقاربتها مع أشباهها ونظائرها في الفكر الصوفي العربي والفكر السُّلوكي الاباضي العُماني عبر ما أنتج في السياق الموضوعي ذاته عند المحقق سعيد بن خلفان الخليلي وأبي مُسْلم البهلاني وابن الفارض ومحيي الدين ابن عربي وغيرهم، وقد استوحى في فاتحة كتابه إضاءات ذهبية خالده من مثل رائعة المحقق الخليلي:
.
وأيّ مُقام لا أرومَ انتهاءه انتهاءه
وفي مبدئي نور المصاحف غشاني
فصَحَّحَ إيماني بكلِّ حقيقةٍ
بسرٍّ إلى أوج النهاية أنهاني
.
أمّا بحثه المنشور في كتاب المنتدى الأدبي في نسخته الثانية 2012 بعنوان 'من أعلام الطب في عُمان في القرنين التاسع والعاشر الهجريين: 'لمحاتٌ منهجية وأدبية في مؤلفات الأطباء آل هاشم: الطبيب راشد بن عميرة نموذجا '. فقد استعرض فيه مرجعيات التاريخ الطبي والصيدلة عند العرب طيلة القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين وصولا إلى مقصد بحثه 'أنموذج راشد بن عميرة' حيث أشار إلى قضية إغفال المصادر 'المعتبرة' التي ضنَّفت تراجمَ الأطباء العرب دون الأطباء العُمانيين ومؤلفاتهم، وعزاه إلى أسباب العزلة وسلطة المراكز على الأطراف في الثقافة العربية.
وبعد هذه المسحة التأصيلية ،تناول جهودَ الطبيب العُماني راشد بن عميرة، ووقف عند معطيات عصره وأسرته التي غابت عنه تفاصيلها لعدم ذكر المصادر لها، وتتطرقَ إلى منزلته انطلاقا من مرثيته من شعراء عصره وبخاصة الشاعر اللوَّاح الخروصي.
كما لم تفته سمات شخصيته وما وصف به من خلالٍ ومراتبٍ، فهو الشاعر والفقيه والمؤلف، على نحو ما نعتته به كتب التاريخ العُماني التي استفاد الدكتور وليد في هذا البحث وعدَّدها في قائمة مصادره ومراجعه في عدد يزيد على عشرين عنواناً بين مخطوطٍ ومطبوعٍ. ناهيك عن كتب ابن عميرة السبعة: ' فاكهة ابن السبيل' ومختصرها، و' منهاج المتعلمين'، و' منظومته في التشريح' وشَرْحِها، و' مقاصد الدليل والبرهان ' وغيرها.. وقد قدَّم لكلّ مؤلف من هذه المؤلفات توصيفات وتحليلات قارب فيها منهجها ومحتواها أسوة بنظائرها من مؤلفات الأطباء العرب المؤلفين..
سمات التفكير والمنهج وأداة البحث عند الدكتور وليد خالص
.
.
يتميز الدكتور وليد في أغلب أبحاثه ودراساته باللغة السلسلة الواضحة الدقيقة العلمية غير المتكلفة؛ لغة تنسابُ صدى كلماتها وعباراتها إلى القلب دون مواربة.. لغةٌ يصوغها صياغة بديعة بذهبٍ خالص (كاسمه).. لغة ٌفصحى طيّعة يمتحها من قواميس اللغة دون تكلف ..ولا تقعر ولا تُبَسّيط مبتذل ..هي كالماء الرقراق المنساب الراوي عطش الظمأى من طلابه، وقرائه الذين لا يخرجون منها إلا وقد فهموا دلالتها واستبانوا غاياتها ، فكانت ' الورد السائغ لمريديه ' كما قيل لي، ولنره يقول عن الشيخ ناصر الخروصي مصدّراً كتابه ' إيضاح السلوك ' ص( 9) :' هذا كتابٌ من ذخائر المكتبة العُمانية القديمة ركب صاحبه مركباً شاقاً عسيراً ، واختطَّ لنفسه فيه منهجاً سُداه التميز، ولحمته الفرادة، وآلى على نفسه أن يقطعه إلى منتهاه ، وقد فعل ... '
الدكتور وليد في جانب حياته وأبحاثه محطاتٌ إنسانية وأخلاقية رائعة وجميلة وأغلبها محاطة بقيم عربية أصيلة ومروءة الرِّجال الكُمّل المحضة ،فهو أصيلٌ في طبعه، ودودٌ في تعامله، أبويٌّ في حنانه وعطفه ، لا ينسى الفضل ويقدّم الشكر لأهله وتلك خصلةٌ كريمةٌ بل هي شيم العُلماء الأجلاء الأبرار، فعندما توفي الشيخ العلّامة الفقيه سالم بن حمد الحارثي عام 2006م أصرّ إلى الذهاب لتعزية أهله رغم بُعد المسافة لأنه عالم، وعندما طَبَعَ المجمع الثقافي على سبيل المثال لا الحصر كتابة ' مسالك الأبصار' قال في خاتمة مقدمته ص (12) :' وكم للمجمع من أيادٍ على الثقافة العربية الجادَّة الرصينة ، وأستشهد بالآية الكريمة ' فأما الزبد فيذهب جفاء، وأمَّا ما ينفعُ الناس فيمكثُ في الأرض ' ثم أردف بالقول : ' وأحسب أن ما يقوم به المجمع الثقافي ماكث بحوله تعالى، ينفع الناس وينشر بينهم المعرفة ،فله التقدير المخلص، والثناء الرطب '.
.
.
في 'أعين عارفيه.'. شهادات طلابه
.
.
وبعد: بقي الدكتور وليد في أذهان طلابه كأنبلِ ما يكون، وتأكيدا لهذه الفكرة حرصنا على التواصل مع طلابه الذين يجمعون بأن له تأثيراً عميقاً في نفوسهم ،وليس أبلغ عبارة مما أرسل إلينا من انطباعات إيجابية تزكّي شخصيته وتجعله في مصاف من عرفوا من أساتذة، ونحن هنا نسوقها للأمانة ونحن نعدّ هذا المقال الذي لا يفيه حق قدره ' مع الشكر والعرفان لكن عزاءنا في تقصير العبارة بلوغ قدره ما يعتمل من تقدير واحترام في نفس كلّ من عرفه عن كثب وحظي منه أثر باقٍ كان له في قلوب كريديه مستقر ومستودع ' ، يقول الأستاذ طلال الزعابي: ' أثر الدكتور وليد خالص علينا لم يكن في الكم بكشف المعرفي الذي تكرم به فقط ، ولا بفتح أبواب العلم المؤصدة فقط، ولا بكشف مغاليق التراث الأدبي النقدي العربي فقط، ولا بمشاعر الأبوة والحرص فقط ، ولا بغرس بذور الجرأة البحثية في نفوسنا فقط ، إنه الإخلاص والصدق الذي انتهجه في التعامل مع طلبته ، فكانوا يستشعرون ذلك ويتشربونه، ليصبحوا قادرين على اكتشاف ذواتهم وقدراتهم .. '.
و' لم تصب الشاعرة الدكتورة رقية البريدية إلا كبد الحقيقة في شهادتها عن الدكتور وليد خالص إذ تقول ': ' أنا نادمة كلّ الندم أني لم أعرف هذا البحر عن قرب في مراحلي الدراسية.. لكن نعم لي موقف معه رزقت به في آخر أيام إقامته في عُمان، وقبل أن يغادر بأيام.. كنت في طريقي للخروج من الجامعة قاصدة العودة إلى منزلي، فرأيت هذا الفطحل (بتواضع جم) مع ابنته بانتظار سيارة الأجرة، توقفت بالتأكيد لإيصالهما حيث يقصدان لأكتشف حجم ما فاتني من ذلك الرجل الموسوعي الدقيق في نقده الواسع في رؤيته، كانت تلك المسافة التي لا تتجاوز الثلاثين دقيقة من أغزر الأوقات معرفة، تلقيت خلالها من الحكمة والفلسفة والسياسة والتاريخ والأدب والنقد ومناهج التفكير ما لم أحظ به في سائر حياتي الجامعية حتى تمنيت لو أنهما طلبا أن أجوب بهما البلاد.. ' .
أمّا الأستاذ عبدالله بن سعيد الحجري ' الذي فتحت له محاضرات الدكتور وليد أبواب البحث على مصراعيها ليقّدم للمكتبة العُمانية دراسته ' تجربة التصوف في الشعر العُماني في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ' فيقول:' لم يكن الأستاذ الدكتور وليد أستاذاً استثنائياً في المادة الموسوعية التي يقدّمها لطلابه فحسب، بل كان استثنائيًّا في تلك الروح الشفافة التي تنساب جمالاً وتواضعاً جمًّا، كل هذا خلق في حضرته مقاما يملؤك دهشة وعذوبة.. لم يكن نشعر أمام محاضر يستدعي الهيبة والوقار من رفوف الخبرات المعرفية والعلاقات العلمية التي تهيأت له عبر الزمن، بل كان يملأ حضوره هيبة أب يحتشد ذلك الحنو والجمال ورقة المقال مع ذلك التدفق الهامل لشلال الأدب البديع وتداعياته على الفلسفة والدين وعلم الاجتماع.. كان دفقة واحدة في حضرة هذا العلم المفكر العملاق تكفي لتفتح لك أبواب البحث في فنون العلم والثقافة..'.
أخيراً هذه هو الدكتور وليد خالص باحثاً ومفكراً ومربيّا حفظ له تلاميذه حقَ التلمذة ورحم العلم، وحفظت له الساحة الثقافية في عُمان أبحاثه التي قدَّمها عن علمائها وأدبائها، فبمثله يتحقق للمؤسسات الثقافية والأكاديمية القيمة المضافة التي يحق لنا أن نعتز بها، وبمثله يستثمر العلم في قاعات الجامعات ومراكزها الثقافية.
في الثالث من فبراير 2003 م عُدّتُ إلى كليةِ الآداب والعلوم الاجتماعية بالجامعة بعد بعثةٍ تعليميةٍ دامتْ أربعَ سنواتٍ تكللت بحصولي على درجةِ الدكتورة في الأدب العربي الحديث ونقده من الجامعة التونسية، حينئذٍ قادتني قَدَماي إلى قسم اللغة العربية الذي عملتُ فيه زهاء ثماني عشرة سنة، في ذلك التاريخ توزَّعت أنظاري أول ما توزعتْ إلى زملائي القُدامى فلم أعهدْ منهم إلا القليل، فقد رَحَلَ الكثيرُ منهم ممن عهدتهم وزاملتهم قبل ابتعاثي واستبدلوا بأساتذة آخرين قَدِموا من أقطارٍ شتى من أصقاع الوطن العربي الكبير وجلَّهم من الأساتذة الأكاديميين المتخصصين في علوم العربية وآدابها، وكان من بين هذه الكوكبة الأستاذ الجليل والباحث القدير الدكتور وليد محمود خالص.
في هذا الوسطِ الأكاديميِّ (البانوراميِّ) المتنوّع المناهج، والمتشعب المدارس والاتجاهات - عرفتُ هذا الرجلَ البارزَ متربّعاً على كرسيّه الأكاديمي بالمكتب رقم (2062) المُواجه لرئيس القسم، شامخاً، كشموخ العراقيين الأجلّاء الذين تكسو ذواتهم عادة أنفة ومهابة وصمتٌ حميدٌ.. لا يكاد يحييك إلا بكلمة ' مَرْحبا دكتور' اقتربتُ منه في ذلك اليوم الاستثنائي الفارق في حياتي العملية وجلستُ معه جِلْسةَ تَعَارفٍ وعربون زمالةٍ قادمة وبعدها توالتْ معرفتي به يوماً بعد يوم في تعاونٍ إداري أكاديمي لا يخرج عن مهام مهنة التدريس المنوطة بي من مراقبة قاعات الامتحانات، إلى توزيع الجداول، إلى تنظيم المؤتمرات والندوات، فألفته وألفني وكان بمثابة الأخ الكبير والأستاذ الجليل، والعالم الذي يفيضُ علماً وتجربة وخبرة ،وإدراكاً لضوابط العمل الأكاديمي ومسارات الثقافة العربية وحراك علمائها ومؤلفات أساطينها، والحقيقة كنتُ أراه بمثابةِ المُوجّه والمُرشد والأخ الكبير ذي الخبرة والدّراية بأمور الجامعات والبحث العلمي ، فلم يبخل عليَّ بما عنده، فازداد يقيني بأنه رجلٌ استثنائي وعالم بتخصصه على الأقل في ذلك المحيط الجامعي الذي عشتهُ وعرفتُ تفاصيله.. وأدركتُ أساتذةً عديدين فيه.
لم يكن الدكتور وليد خالص همّهُ التدريس كغيره ممن قَدموا إلى جامعاتنا الوطنية والأهلية، وارتستْ مناكبهم سنيناً فيها بلا بحثٍ ولا إنتاج علميٍّ عُماني يخدمُ الوطن، فحسب بل همّه التنقيب وإنتاج المعرفة المكتوبة الباقية، والمشاركة في كلّ محفلٍ علميٍّ رصين حتى قدّم كتباً في ثقافتنا العُمانية تعدّ - في نظري- من أهم المراجع المعرفية في مواضيعها وأطروحاتها وخاصة فيما يتعلق بشعر السُّلوك والتصوف، وأدب الأطباء، وتحقيق المخطوطات والمؤلفات القديمة ذات البلاغة العالية والعمق المعرفي التقليدي الفلسفي الصِرْف.. وأكثر من ذلك تقديم القراءات النقدية لأدب الشباب، ومحاولة تبصيرهم بالإبداع والمعرفة ما أمكن ذلك .
وبعد حينٍ غير بعيدِ عن ذلك اللقاء الأول، وفي ظروفِ تدوير الوظائف غدا الدكتور وليد رئيساً للقسم بحلول فصل الربيع من عام 2003 م، واستمر لغاية خريف عام 2007، وأخذ - خلال هذه الفترة - يزاول وظيفته الجديدة القيادية يؤطر عراها الطلبة ويطوّر البرامج الدراسية، ويقيم العلاقات الأكاديمية مستفيداً – طبعاً - من تجربته في الجامعات التي عَمِل فيها، ومن خبرة أقرانه وزملائه أساتذة القسم الذي أتوا من كلّ حدبٍ وصوب. وكانوا له عوناً ومعواناً.
لم يتبدَّ لي الدكتور وليد خالص طيلة معرفتي الأكاديمية به إلا شخصاً عالماً فاهماً ودقيقاً له المؤلفات والأبحاث العميقة والأطروحات الأكاديمية التي آمن بها وسعى إليه مكتسباً خبرة طويلة من جامعات شتى عمل فيها وتأسس في محاريبها قبل مجيئه وطننا عُمان، فقد عمل في الجامعات المصرية والكويتية والعراقية والأردنية والإماراتية... منذ أن نال درجة الدكتوراة عام1981م، حتى مغادرته السلطنة بحلول عام 2010 تقريباً. وكذلك حتى رسوَّ أقدامه في المؤسسات الثقافية المرموقة التي أتت إليه فيما بعد تترى، ونالَ عضويتها الشرفيّة والكاملة كعضو لمجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 2012، وعضو مجمع اللغة العربية الأردني منذ 2016 م وعضو مجلس أمناء جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب بمرسوم سلطاني سامٍ صدر عام 2012.
كما أسهمَ الدكتور وليد في إنتاج المعرفة الأكاديمية التخصصية بمنح طلابه أعلى الدرجات الأكاديمية في إطار التأطير فدفع بطلابه إلى مواضيع مهمة تناولت أدب عُمان وثقافتها، فكان من نتائج إشرافه على طلبته في مرحلة برنامج الماجستير بقسم اللغة العربية عناوين طُبعت في مؤلفات ورفدت المكتبة العُمانية منها على سبيل المثال لا الحصر خمسة عشر دراسة : شعر سلطان القاسمي دراسة نقدية للدكتور عزيزة الطائية، والشعر القومي في عُمان لسعيد العيسائي وتحقيق ديوان الحضرمي للدكتور بدر اليحمدي، و'الشعر العُماني في العصرين النبهاني واليعربي..' لمحمد بن سعيد الحجري وشعر الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي دراسة وتحقيق لعادل المطاعني و 'المقامة في الأدب العُماني دراسة فنية تحليلية'، و' المقالة الأدبية النقدية في صحيفة عُمان' و'ديوان ابن رزيق النخلي دراسة وتحقيق'، و' السَّرد في منامات الوهراني' للباحث الشيخ يوسف الكندي وغيرها الكثير والكثير مما لا نستطيع حصره ويمكن تتبعه في السجلات الاكاديمية للجامعة وفي سيرته المفصّلة.
.
.
- مسارات البحث الأكاديمي والثقافي في حياة الدكتور العلمية
.
.
سَخّرَ الدكتور وليد خالص جلَّ طاقاته العلمية وقلمه في البحث، وأصدرَ دراساتٍ كثيرة بلغت أربعة وأربعين كتاباً، واثنين وأربعين بحثاً محكَّماً، وأكثر من واحدٍ وثلاثين بحثاً ثقافيًّا منشوراً في الصحف والمجلات الثقافية، وسارت جهوده باتجاهات مختلفة نصنِّفها منهجيّا في المحاور الآتية:
أولا - دراسات الأدب القديم تخصصه الذي دَرَسه ودرّسه، ونجد له فيه عناوين لكتب مرجعية ذات مستوى تحليل دقيق من مثل كتبه: ' الدرس النقدي القديم بين التطرف والتطبيق ' و ' المباحث النقدية في أمالي المرتضى ' و' أبو العلاء المعرّي ناقداً ' و' النقد الأدبي القديم في كتاب الأغاني '.. و«منزلة الشعر والشعراء في التفكير النقدي العربي» 1994م وهذه الكتب جميعها ألّفها الدكتور بمناهج علمية متقدمة مارس من خلالها تدريس مواد التخصص في الجامعات التي درس فيها ، ومنها جامعة السلطان التي شغل فيها كرسي الأدب القديم سنوات وكان خليفة الأستاذ الدكتور بدر ضيف رحمه الله الذي درس هذه المساقات قبله.
ثانياً – دراسات في الأدب الحديث، وتبرزُ فيها اهتماماته بأدب الخليج عامة، وفيها نجد له كتاباً بعنوان بـ ' الأدب في الخليج العربي: دراسات ونصوص، وقد صدر عام 2004، وتضمن مختارات وتاريخ أدب ونقد كان حظُّ عُمان منه مباحث من مثل ' غمان في لسان العرب'، ونصّ في السُّلوك العُماني للمحقق الخليلي، ودراسة مخطوط ' إيضاح السلوك للشيخ جاعد الخروصي الذي توسّع فيما بعد وصار كتاباً مستقلاً.
ومن كتبه في هذا السياق الأدبي الخليجي كتاب ' الكلام على الكلام: نظرات فنية تأويلية في شعر الشيخ محمد بن راشد ال مكتوم، وهذان الكتابان أقصد (أدب الخليج، والكلام على الكلام) نتاج مرحلة عمله بجامعة الإمارات الممتدة زهاء أثني عشر عاما '.
كما نجدُ له في حقل دراسات الأدب الحديث كتاباً ثالث بعنوان' النصَّ الغائب في أولاد حارتنا ' لنجيب محفوظ: دراسة في تفاعل النصوص' ويبدو أنه كتبه سيراً على ما ساد الوسط الأكاديمي العربي، واحتفاء بنجيب محفوظ إثر حصوله على جائزة نوبل عام 1988م.
ثالثا– دراسات في التاريخ الثقافي العام، والسير؛ وله فيها عناوين من مثل: بغداد التاريخ والشعر، و' وذاكرة الورق: شتون عاماً من تاريخ العراق الحديث في يوميات محمود خالص، و «جذوة بين الرماد- إبراهيم الوائلي في سيرته وأوراقه المنسية» و ' معضلة اللغة العربية بين الجابري وطرابيشي '.
رابعاً - دراسات في تحقيق كتب التراث العربي ونقدّم منها الكتب الآتية: ' مسالك الأبصار في ممالك الأمصار' لشهاب الدين أحمد بن فضل الله العمري: الشعراء العباسيين من المتنبي إلى ابن الهبارية: السِّفر الخامس عشر '، و«الدُّر الفريد وبيت القصيد»، لمحمد المستعصمي، و «الصَّلتان العبدي وما تبقّى من شعره» 1988م.
.
.
انغراسٌ في أعماق التفكير وتقديم أجمله
.
.
لم تكن عُمان – التي أحسبُ أنه ألفها - ببعيدة عن فكره وقلمه، ونحن اليوم نحيطُ بعددٍ لا بأس به من دراساته التي أنتجها عنها، ونوردها في العناوين الآتية: إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك” لمؤلفه الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي وفيما يلي تفصيل له باعتباره يمثل جهوده في خدمة التراث العُماني.
فالكتابُ يُعدُّ فخرَ دراسات الدكتور وليد العُمانية؛ إذ قضى في ملاحقة مادته وتجميع مصادره والحصول على نسخ مخطوطاته قرابة عشر سنين كما يقول في مقدمته، وقد صبّ فيه عصارة خبرته العلمية في التحليل والشرح و التحقيق والمقاربة، فبدا سفراً دقيقاً ومصدراً أصيلاً حاوياً علماً نافعاً، وشرحاً وافيًّا كامل الأركان قائماً على فكرة التصوف في مبناه ومعناه التي أسمَها الأباضية 'السلوك' ويعنون به كما يقول الكتاب: 'تهذيب الأخلاق ليستعدَ العبد للوصول بتطهير نفسه من كلِّ ذميم مُبْطل، استناداً على مفهوم' أن السالك هو العبدُ المنيب الذي تاب عن هوى نفسه وشهوتها ، واستقام في طرق الحق بالمجاهدة والطاعة والإخلاص'.
يقعُ الكتابُ في سبعمائة وخمسين صفحة،' بذلَ فيها أقصى ما بوسعه لقراءة نصّ المنظومة والتعليق عليها وتجلية مصطلحاتها ومقاربتها مع أشباهها ونظائرها في الفكر الصوفي العربي والفكر السُّلوكي الاباضي العُماني عبر ما أنتج في السياق الموضوعي ذاته عند المحقق سعيد بن خلفان الخليلي وأبي مُسْلم البهلاني وابن الفارض ومحيي الدين ابن عربي وغيرهم، وقد استوحى في فاتحة كتابه إضاءات ذهبية خالده من مثل رائعة المحقق الخليلي:
.
وأيّ مُقام لا أرومَ انتهاءه انتهاءه
وفي مبدئي نور المصاحف غشاني
فصَحَّحَ إيماني بكلِّ حقيقةٍ
بسرٍّ إلى أوج النهاية أنهاني
.
أمّا بحثه المنشور في كتاب المنتدى الأدبي في نسخته الثانية 2012 بعنوان 'من أعلام الطب في عُمان في القرنين التاسع والعاشر الهجريين: 'لمحاتٌ منهجية وأدبية في مؤلفات الأطباء آل هاشم: الطبيب راشد بن عميرة نموذجا '. فقد استعرض فيه مرجعيات التاريخ الطبي والصيدلة عند العرب طيلة القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين وصولا إلى مقصد بحثه 'أنموذج راشد بن عميرة' حيث أشار إلى قضية إغفال المصادر 'المعتبرة' التي ضنَّفت تراجمَ الأطباء العرب دون الأطباء العُمانيين ومؤلفاتهم، وعزاه إلى أسباب العزلة وسلطة المراكز على الأطراف في الثقافة العربية.
وبعد هذه المسحة التأصيلية ،تناول جهودَ الطبيب العُماني راشد بن عميرة، ووقف عند معطيات عصره وأسرته التي غابت عنه تفاصيلها لعدم ذكر المصادر لها، وتتطرقَ إلى منزلته انطلاقا من مرثيته من شعراء عصره وبخاصة الشاعر اللوَّاح الخروصي.
كما لم تفته سمات شخصيته وما وصف به من خلالٍ ومراتبٍ، فهو الشاعر والفقيه والمؤلف، على نحو ما نعتته به كتب التاريخ العُماني التي استفاد الدكتور وليد في هذا البحث وعدَّدها في قائمة مصادره ومراجعه في عدد يزيد على عشرين عنواناً بين مخطوطٍ ومطبوعٍ. ناهيك عن كتب ابن عميرة السبعة: ' فاكهة ابن السبيل' ومختصرها، و' منهاج المتعلمين'، و' منظومته في التشريح' وشَرْحِها، و' مقاصد الدليل والبرهان ' وغيرها.. وقد قدَّم لكلّ مؤلف من هذه المؤلفات توصيفات وتحليلات قارب فيها منهجها ومحتواها أسوة بنظائرها من مؤلفات الأطباء العرب المؤلفين..
سمات التفكير والمنهج وأداة البحث عند الدكتور وليد خالص
.
.
يتميز الدكتور وليد في أغلب أبحاثه ودراساته باللغة السلسلة الواضحة الدقيقة العلمية غير المتكلفة؛ لغة تنسابُ صدى كلماتها وعباراتها إلى القلب دون مواربة.. لغةٌ يصوغها صياغة بديعة بذهبٍ خالص (كاسمه).. لغة ٌفصحى طيّعة يمتحها من قواميس اللغة دون تكلف ..ولا تقعر ولا تُبَسّيط مبتذل ..هي كالماء الرقراق المنساب الراوي عطش الظمأى من طلابه، وقرائه الذين لا يخرجون منها إلا وقد فهموا دلالتها واستبانوا غاياتها ، فكانت ' الورد السائغ لمريديه ' كما قيل لي، ولنره يقول عن الشيخ ناصر الخروصي مصدّراً كتابه ' إيضاح السلوك ' ص( 9) :' هذا كتابٌ من ذخائر المكتبة العُمانية القديمة ركب صاحبه مركباً شاقاً عسيراً ، واختطَّ لنفسه فيه منهجاً سُداه التميز، ولحمته الفرادة، وآلى على نفسه أن يقطعه إلى منتهاه ، وقد فعل ... '
الدكتور وليد في جانب حياته وأبحاثه محطاتٌ إنسانية وأخلاقية رائعة وجميلة وأغلبها محاطة بقيم عربية أصيلة ومروءة الرِّجال الكُمّل المحضة ،فهو أصيلٌ في طبعه، ودودٌ في تعامله، أبويٌّ في حنانه وعطفه ، لا ينسى الفضل ويقدّم الشكر لأهله وتلك خصلةٌ كريمةٌ بل هي شيم العُلماء الأجلاء الأبرار، فعندما توفي الشيخ العلّامة الفقيه سالم بن حمد الحارثي عام 2006م أصرّ إلى الذهاب لتعزية أهله رغم بُعد المسافة لأنه عالم، وعندما طَبَعَ المجمع الثقافي على سبيل المثال لا الحصر كتابة ' مسالك الأبصار' قال في خاتمة مقدمته ص (12) :' وكم للمجمع من أيادٍ على الثقافة العربية الجادَّة الرصينة ، وأستشهد بالآية الكريمة ' فأما الزبد فيذهب جفاء، وأمَّا ما ينفعُ الناس فيمكثُ في الأرض ' ثم أردف بالقول : ' وأحسب أن ما يقوم به المجمع الثقافي ماكث بحوله تعالى، ينفع الناس وينشر بينهم المعرفة ،فله التقدير المخلص، والثناء الرطب '.
.
.
في 'أعين عارفيه.'. شهادات طلابه
.
.
وبعد: بقي الدكتور وليد في أذهان طلابه كأنبلِ ما يكون، وتأكيدا لهذه الفكرة حرصنا على التواصل مع طلابه الذين يجمعون بأن له تأثيراً عميقاً في نفوسهم ،وليس أبلغ عبارة مما أرسل إلينا من انطباعات إيجابية تزكّي شخصيته وتجعله في مصاف من عرفوا من أساتذة، ونحن هنا نسوقها للأمانة ونحن نعدّ هذا المقال الذي لا يفيه حق قدره ' مع الشكر والعرفان لكن عزاءنا في تقصير العبارة بلوغ قدره ما يعتمل من تقدير واحترام في نفس كلّ من عرفه عن كثب وحظي منه أثر باقٍ كان له في قلوب كريديه مستقر ومستودع ' ، يقول الأستاذ طلال الزعابي: ' أثر الدكتور وليد خالص علينا لم يكن في الكم بكشف المعرفي الذي تكرم به فقط ، ولا بفتح أبواب العلم المؤصدة فقط، ولا بكشف مغاليق التراث الأدبي النقدي العربي فقط، ولا بمشاعر الأبوة والحرص فقط ، ولا بغرس بذور الجرأة البحثية في نفوسنا فقط ، إنه الإخلاص والصدق الذي انتهجه في التعامل مع طلبته ، فكانوا يستشعرون ذلك ويتشربونه، ليصبحوا قادرين على اكتشاف ذواتهم وقدراتهم .. '.
و' لم تصب الشاعرة الدكتورة رقية البريدية إلا كبد الحقيقة في شهادتها عن الدكتور وليد خالص إذ تقول ': ' أنا نادمة كلّ الندم أني لم أعرف هذا البحر عن قرب في مراحلي الدراسية.. لكن نعم لي موقف معه رزقت به في آخر أيام إقامته في عُمان، وقبل أن يغادر بأيام.. كنت في طريقي للخروج من الجامعة قاصدة العودة إلى منزلي، فرأيت هذا الفطحل (بتواضع جم) مع ابنته بانتظار سيارة الأجرة، توقفت بالتأكيد لإيصالهما حيث يقصدان لأكتشف حجم ما فاتني من ذلك الرجل الموسوعي الدقيق في نقده الواسع في رؤيته، كانت تلك المسافة التي لا تتجاوز الثلاثين دقيقة من أغزر الأوقات معرفة، تلقيت خلالها من الحكمة والفلسفة والسياسة والتاريخ والأدب والنقد ومناهج التفكير ما لم أحظ به في سائر حياتي الجامعية حتى تمنيت لو أنهما طلبا أن أجوب بهما البلاد.. ' .
أمّا الأستاذ عبدالله بن سعيد الحجري ' الذي فتحت له محاضرات الدكتور وليد أبواب البحث على مصراعيها ليقّدم للمكتبة العُمانية دراسته ' تجربة التصوف في الشعر العُماني في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ' فيقول:' لم يكن الأستاذ الدكتور وليد أستاذاً استثنائياً في المادة الموسوعية التي يقدّمها لطلابه فحسب، بل كان استثنائيًّا في تلك الروح الشفافة التي تنساب جمالاً وتواضعاً جمًّا، كل هذا خلق في حضرته مقاما يملؤك دهشة وعذوبة.. لم يكن نشعر أمام محاضر يستدعي الهيبة والوقار من رفوف الخبرات المعرفية والعلاقات العلمية التي تهيأت له عبر الزمن، بل كان يملأ حضوره هيبة أب يحتشد ذلك الحنو والجمال ورقة المقال مع ذلك التدفق الهامل لشلال الأدب البديع وتداعياته على الفلسفة والدين وعلم الاجتماع.. كان دفقة واحدة في حضرة هذا العلم المفكر العملاق تكفي لتفتح لك أبواب البحث في فنون العلم والثقافة..'.
أخيراً هذه هو الدكتور وليد خالص باحثاً ومفكراً ومربيّا حفظ له تلاميذه حقَ التلمذة ورحم العلم، وحفظت له الساحة الثقافية في عُمان أبحاثه التي قدَّمها عن علمائها وأدبائها، فبمثله يتحقق للمؤسسات الثقافية والأكاديمية القيمة المضافة التي يحق لنا أن نعتز بها، وبمثله يستثمر العلم في قاعات الجامعات ومراكزها الثقافية.