أفكار وآراء

أكثر عمقا من مجرد آثار جانبية

يحيى عبيد

لماذا ننام؟ كان يمكن احتواء الإجابة في قصاصة ورقية صغيرة. تدوين مجموعة من العبارات غير المرتبة أيضا قد يفي بالغرض لفهم ما يمكن أن يقدمه النوم من فائدة نفسية وجسدية لنا نحن البشر خاصة، ولكن هذه الإجابات في أكثر الأحيان تحمل مسحة أكاديمية رتيبة قد لا يتمكن المرء من قراءة مقطع واحد منها دون أن يتثاءب أو يشعر بالملل، فهي كمعظمها لا تحمل أي إثارة للقارئ، لاسيما غير المتخصص. لدى الجميع وجهة نظر متشابهة فيما يخص النوم، وهي أنه لا يمكننا أن نظل واعين إلى الأبد مهما بدا أن جهلنا في العواقب الصحية المترتبة على إهمال النوم كبير جدا. إضافة إلى أن بعض أفضل المعلومات التي نملكها حيال النوم مستقاة من واقع تجربة أكثر من كونها أوراقا بحثية ونتائج مخبرية.

تحقق من ذلك بنفسك بالمغامرة بقضاء ساعات أقل في فراشك، ستجد أنك، في الصباح، تطلق أبشع اللعنات والشتائم على ذبابة عنيدة لا تود الخروج من سيارتك، وستصبح نغمة صوتك أكثر انفعالية مع كل شيء تقريبا باستثناء الطعام.

في هذا الوقت، جميعنا يعلم أن الحصول على هذا النوع من الإجابات العلمية المقرونة بالأدلة ليست بالمهمة الشاقة، فبنقرة زر، تجد أمامك عشرات الألوف من النتائج البحثية، وفي حالة أنك كنت مولعا بالورق والكتب وغير مطْمئن لردود أولئك الذين لا تعرف ماهيتهم والمختبئين خلف الشاشات، فإنه يمكنني أن أمنحك بعض التوصيات إن كان لديك فضول حقيقي في نظرة العلم تجاه النوم. يقدم كتاب ماثيو ووكر «لماذا ننام» محاولة في فهم النوم كظاهرة بيولوجية غامضة ومعقدة ومثيرة للاهتمام، أو كما أحبَّ تسميتها هو الظاهرة الأكثر غباء. كما يوصي العديد من المتخصصين بكتاب «وعد النوم» لويليام ديمنت الأب الروحي لطب النوم، وهو كتاب رائد يشرح سبب ارتباط العديد من الحالات الصحية عندما تصبح ساعات نومك أقل عددا من تلك الموصى بها (ثمان ساعات في المتوسط).

بالنسبة لي، يجرفني السؤال بعيدا عما يفترض به أن يكون، بل يذهب بي أبعد من ذلك بكثير. لم أجد كلا من إجابات ويليام ديمنت أو ماثيو ووكر، أو حتى أريانا هافينجتون -في كتابها ثورة النوم- مُرضية. دائما ما يتدخل صوت داخلي مقدما تلك النصيحة المربكة: هل تعتقد أن الله كان حريصا على إيداع ظاهرة عظيمة مثل النوم داخل جسدك فقط لمنع ارتفاع ضغط دمك؟ أو لتحسين جودة الاحتفاظ بذكرياتك الجديدة؟ أو لئلا تفقد صوابك مع ذبابة مشاكسة؟ لماذا لا يكون التفسير أكثر عمقا من مجرد آثار جانبية؟ تفسير يحمل الصورة الأسمى والعظمة الحقيقية لمعنى الخالق.

قد يُتعب المرء نفسه في التأمل المسهب أحيانا، لفقر الخيال أو لعدم وجود ضرورة تدفعه لمقاساة ألم الصداع، وحين يفعل ذلك متجاوزا كل المحن، يصطدم بجدار عظيم يتمثل في عدم وجود لغة في مقدورها إعادة ترتيب فوضى الكلمات المتكدسة في دماغه، والتي بعد سكبها على الورق يتضح أنها، فعليا، أقل ثراء من تلك التصورات القابعة داخله، وأنها لم تتجاوز نصف وجهة نظر المرء ذاته. إن التفكير بهذا الحاجز عادة ما يجعلك تكتفي بما في رأسك من ملاحظات دون أن يكون لديك أدنى نية في البوح بها، وما يزيد الطين بِلّة، هو العالَم الذي يشعرك أن ما أقدمت على إبدائه شيء لا سوق له. ولكن من يكترث؟

يتسم العلم بالصدق لا لشيء سوى أنه دائما ما يقرن الحقائق بطرق عديدة يمكن من خلالها التحقق من صحتها. على سبيل المثال: يمكن أن تشير إلى مجموعة من العلماء المهتمين بالسرطانات على أنهم حفنة حمقى يتبعون منظمة تعنى بالمؤامرات بعد أن تَنقض حقيقة بما يسمى بالأورام السرطانية بدليل تجريبي صارم في مقدور الجميع فحصه واختباره، كأن تتطوع لتنظيف المفاعل النووي رقم 4 في محطة تشيرنوبل لتؤكد، بعد ذلك، للآخرين خلو جسدك من أي خلايا خبيثة. كذلك يمكن الزعم بزيف «الحاجة إلى النوم» بالابتعاد عن القيام به، ثم النظر في الآثار الكارثية على الصحة، التي ستثنيك، بلا شك، عن التفوه مستقبلا بمثل هذه الترهات. يصبح النوم منطقيا وأكثر معقولية في سياق حاجة الجسم له، ولكن أليس من الأجدر للخالق اتباع وصفة خَلقية على قدر عالٍ من الكمال والشمولية بحيث لا تكون فيها المخلوقات في حاجة إلى النوم؟ ...... مهلا، ماذا نصنع بالعواقب الوخيمة الناجمة عن عدم النوم؟ تدهور وظائف الدماغ مثلا؟

ببساطة لا نصنع بها شيئا، لأن في مقدور الله، منذ البداية، ألا يوجدها أو يجعلها متعلقة بسبب (سيبطل العجب بإزالة الأثر والمؤثّر). نحن لا نتعجب من عدم قدرة البرق على ملء بحيرة جافة بالماء، إذ ليس الحدث الثاني، بشكل بدهي، نتيجة للأول، غير أننا نتعجب من امرئ يعيش على بلع الحصى وحده. لقد خلقنا ووجدنا العالم هكذا، وكان يمكن أن ينشئنا الرب -إذا رأى ذلك- مكتفين لا نشعر بأي حاجة إلى النوم، كما هو حال الناس في الجنة، ولكن أبى إلا أن نكون كائنات نهارية تستلقي لتغفو ما إن يبدأ الليل في الدخول. إن السبب الذي يجعلني أعتقد أنه لا يمكن خلق إنسان متحرر بالكامل من دورة النوم، على الأقل في عالمنا المحسوس، هو ما أبقاني متمسكا بوجود تفسير أكبر من مجرد عواقب تتمثل في اعتلالات صحية. عندما يظل المرء عاجزا عن رؤية العلاقة بين سبب وأثر « البرق وملء بحيرة بالماء » فإنه يبذل جهدا مرهقا لإيجاد طريقة مقنعة يقبل بها عقله، وحين يفشل، يلجأ إما إلى اتهام المشهد أو المشاهِد أو كليهما معا. إن العيش في جسد يتمتع بخصائص بيولوجية ليس النوم أحدها يؤدي، مع دماغنا المعجز هذا، إلى الاصطدام بحقيقة حاجة هذا الجسد إلى فترة هجوع حتى لو كانت جميع مؤشراته الحيوية جيدة، وسيميل إلى استعمال مفردة قريبة المعنى من كلمة النوم لإثبات الفكرة. إن هذا التطرف فيما بدا من الوهلة الأولى «جسد يملك أعلى معايير الكمال» هو في أصله عيب ضمني قاتل في تصميم الإنسان، وهو قصور لا يليق بعليم، لذا نحن ننام.