الاقتصادية

خبراء يعربون عن تفاؤلهم بأداء الاقتصاد في الفترة المقبلة ويتوقعون تعافي السياحة مع بدء تخفيف قيود السفر

 
كتبت: رحمة الكلبانية

في السيناريوهات الأكثر تفاؤلا، يتوقع العالم أن يستمر الأثر الاقتصادي لفيروس كورونا حتى نهاية عام 2022 عندما يتمكن وقتها عدد أكبر من دول العالم من النفاذ إلى اللقاحات، وتنخفض مستويات الإصابة ووفيات المرض، وتبدأ الدول بالتخلي عن إجراءات التباعد الاجتماعي مما سيدعم النشاط الاقتصادي وحركة التجارة الدولية للسلع والخدمات، ويتمكن عندها عدد متزايد من دول العالم من تجاوز التداعيات السلبية للوباء والعودة لمستويات الإنتاج المسجلة قبل الجائحة.

كما توقع صندوق النقد العربي منحنى إيجابيًا لاقتصاد السلطنة بنسبة نمو تصل إلى 2.3% حتى نهاية العام الجاري ليس فقط بسبب التحسن العالمي الذي تشهده أسعار المحروقات، وإنما بنمو متوقع للأنشطة غير النفطية بنسبة تصل إلى 2.9. أما في العام المقبل فتوقع الصندوق أن يواصل الاقتصاد العماني نموه بنسبة 4.2%.

وقد أرجع النقد العربي أسباب توقعاته المتفائلة لهذا النمو إلى برامج التوازن المالي والإصلاحات المنفذة ضمن رؤية عمان 2040، التي تركز على تبني إصلاحات لتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني وزيادة مستويات التنويع الاقتصادي عبر دعم دور القطاع الخاص وجذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية. إضافة إلى مواصلة الحكومة مساعيها في خصخصة بعض المؤسسات العامة لتشجيع المزيد من مشاركة القطاع الخاص. وقال: «سوف تعمل الإصلاحات المتضمنة في إطار خطة التعافي الاقتصادي التي تم إعلانها في مارس الماضي على تحسين مستويات النشاط الاقتصادي وتوفير العديد من الحوافز الداعمة للنمو الاقتصادي وزيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي ولا سيما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة».

وفي لقاءات لـ«عمان»، عبر مجموعة من الخبراء الاقتصاديين عن تفاؤلهم بالمرحلة الاقتصادية المقبلة، خاصة في القطاع السياحي الذي توقعوا بأن يبدأ تعافيه قريبًا مع تخفيف القيود على السفر وبدء الموسم السياحي الشتوي بالسلطنة. كما ألقوا الضوء على أهمية إنعاش قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال إسناد عدد من المشاريع إليها لتحقيق أكبر استفادة ممكنة.

وحول ما تتطلبه المرحلة القادمة لضمان أكبر قدر من التعافي، رأى الخبراء أن على القطاعات جميعها والشركات العاملة بها إعادة النظر في آلية عملها وسياستها وجعلها أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع الأزمات الاستثنائية، والتركيز على توطين الصناعات خاصة في القطاع الصناعي.

تحسين شامل

ويرى مصطفى أحمد سلمان، رئيس مجلس إدارة والرئيس التنفيذي للمتحدة للأوراق المالية أن السلطنة مع تخفيفها لقيود السفر مقبلة على نشاط اقتصادي واستثماري واعد، وقال: في ظل وجود القيود كانت هناك صعوبات كبيرة على السفر وبالتالي استكشاف الفرص الاستثمارية، فبالرغم من تحول أغلب المعاملات إلى صيغ إلكترونية، ويمكن تخليصها عن بعد، إلا أن المستثمرين يفضلون زيارة البلد الذي يودون الاستثمار به، واستطلاع الطريقة التي تعمل بها أنظمته، والتعرف على مجتمعه عن قرب. كما يتأمل أن يعيد انخفاض تكاليف استقدام الأيدي العاملة بعد ارتفاعها في ظل الإغلاقات التي فرضتها الجائحة من إنعاش حركة الأعمال.

واقترح مصطفى أحمد أن يتم خلال الفترة القادمة الاهتمام بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وطرح مشاريع بعدد كبير لإعادة تنشيطها. وقال: أثرت الجائحة على عدد كبير من القطاعات المتصلة ببعضها، حيث وقع أثر الإغلاق في قطاع النقل والطيران على القطاع السياحي ومنشآته والخدمات المرتبطة به، كما تسبب خروج وتسريح عدد كبير من القوى العاملة بضعف عام في الشركات وأزمة في العقار السكني والتجاري. ولإنعاش الاقتصاد بالمستوى الذي نأمله أرى أنه لا يكفي طرح مشاريع كبيرة ولكن من المهم جدًا أن تصل الأموال والأعمال للطبقة المنخفضة من هيكل الأعمال أي الشركات الصغيرة والمتوسطة، والأفراد من خلال طرح مشاريع صغيرة بعدد كبير كمناقصات التوريد ليمس التغيير والتحسين أكبر عدد من المواطنين.

وأضاف: إن الدعم والإنعاش الاقتصادي قد يأتي أيضًا بصورة تخفيف القيود والشروط لممارسة الأعمال وتسهيل دخول صغار المستثمرين لبيئة الأعمال من خلال إجراءات أكثر تيسيرًا وشروط أقل تكلفة وإعادة مراجعة المعايير المفروضة التي تسبب عوائق لهذه الفئة.

وحول التحول في أسلوب العمل الذي يجب على الشركات المحلية تبنيه خلال الفترة القادمة، قال مصطفى أحمد: أظهرت الجائحة هشاشة في بعض القطاعات ليس على المستوى المحلي، فقد أشهرت العديد من الشركات العالمية إفلاسها خلال الفترة الأولى من الجائحة وفي المقابل تضخمت أعمال عدد منها، ففي قطاع التجزئة على سبيل المثال انخفضت مبيعات الشركات التي تتبع طرق التسويق والبيع التقليدية بشكل حاد، في حين أن الشركات التي كانت ضمن التحول الجزئي للعصر الرقمي ولها منافذ إلكترونية استفادت بشكل كبير من الجائحة وانتعشت أعمالها.

وقال إنه مع التغييرات التي أحدثتها الجائحة لابد للشركات مراجعة سياساتها، فلن تكون هناك ضرورة ملحة لعودة العمل من المكاتب خاصة مع إثبات العديد من المؤسسات قدرتها على العمل عن بعد الأمر الذي يوفر على الشركات تكاليف الاحتفاظ بمقرات كبيرة، والاهتمام بتقييم الأداء الفعلي للموظفين بدلًا من تقييمهم وفقًا لمواعيد حضورهم وانصرافهم، وبالتالي رفع كفاءة أعمالهم. كما أنه من المهم على الشركات عمل مراجعة كاملة ومتفتحة لأسلوب مقاربتها للأعمال لأن هذه المراجعة قد تكون النقطة الفاصلة لاستمرارها من عدمه.

سلسلة الانتعاش

ومن جانبه، قال لؤي بطاينة، خبير اقتصادي، والرئيس التنفيذي لـ»أومنفيست»: إن القرارات التي اتخذتها السلطنة بمعية العالم للتخفيف من قيود السفر ورفع الحظر سيكون لها أبعاد تتخطى الجانب الاقتصادي، لتشمل نفسية المستثمرين وقراراتهم وطريقة عملهم وخططهم الاستثمارية، كما أن التأثير الأولي سيتضح أثره جليًا على الأفراد وملاك المحلات التجارية الصغيرة وأصحاب المطاعم والوجهات الترفيهية وصالات الأفراح، من ثم سيكبر الأثر ليشمل قطاع التجزئة من خلال تسهيل عمليات التوريد، أما التأثير الأكبر فسيكون لصالح القطاع السياحي الذي سيشهد تعافيا تدريجيا قد يمتد لـ6 أشهر قبل أن يعود كسابق عهده ما قبل الجائحة وكذلك مع بقية القطاعات.

ولن يتوقف أثر الجائحة عند هذا الحد، حيث يرى بطاينة أن الظروف التي عاشها العالم في السنة والنصف الأخيرة ستعيد هيكلة عمل عدد من القطاعات الاقتصادية، وتغير من سياسات عمل الشركات الكبرى لتجعلها أكثر مرونة، وأكثر قدرة على التكيف مع ظروف وأوضاع مستقبلية مشابهة لجائحة كورونا، فالعمل عن بعد لن يكون رفاهية وإنما جزء من مخططات الشركات خاصة في القطاعات المالية والمحاسبية، حيث يمكن تشغيل كفاءات جيدة من مناطق مختلفة من العالم وبأجور أقل وهو النمط الذي تتبعه الكثير من الشركات العالمية الكبرى في الوقت الحالي.

ويرى بطاينة أن قطاعي التعليم والصحة كانا من أقل القطاعات جاهزية لأزمة كورونا، وقال: أخذت المدارس وقتًا طويلًا للتأقلم ومواجهة تحديات الجائحة، فلم تكن هناك جاهزية في المواد التعليمية أو الأنظمة، إذ لابد أن يكون ذلك من بعد اليوم ضمن السياسات التعليمية الثابتة، وأعتقد أن ذلك سيفتح الفرصة أمام تبادل الخبرات من مؤسسات عالمية بشكل أكبر حتى مشاركة بعض المناهج مع دول أخرى.

كما أتوقع أن يكون هناك إعادة نظر جادة في آلية عمل القطاع الصحي ومدى جاهزيته للتعامل مع ظروف وأزمات مشابهة خاصة في قطاع التوريد، وإمكانية تصنيع وإنتاج بعض المستلزمات الطبية والعلاجات الضرورية من السلطنة.

ويقترح بطاينة أن يتم الاهتمام في المرحلة القادمة بتعزيز وسائل الدفع إلكترونية التي باتت تمثل 70-80% من وسائل الدفع. وقال: إن القطاع المالي عليه توحيد جهوده لمواكبة متطلبات المرحلة الجديدة، وعلى الهيئات الرقابية والتنظيمية كالبنك المركزي مراقبة ودفع الشركات والبنوك للوصول لهذه المرحلة، وأن يتم التعاطي مع الجائحة على أنها مرحلة جديدة واستغلال كل الظروف لتحقيق نسب نمو أفضل وتشغيل أفضل.

السيطرة على الأضرار

ويتوقع حمد الوهيبي، عضو الجمعية الاقتصادية العمانية أن تخفيف قيود السفر والتنقل سينعش القطاع السياحي خاصة مع اقتراب الموسم الشتوي السياحي في السلطنة، إضافة إلى تعزيز ممارسة الأعمال والزيارات التجارية من وإلى السلطنة. وقال إنه لضمان تحقق ذلك لابد من وضوح وتسهيل الإجراءات المقدمة في مطارات عمان والمتعلقة بالفحوصات المطلوبة.

وقال الوهيبي: في مارس هذا العام، تم الإعلان عن خطة التحفيز الاقتصادي التي اعتمدها مجلس الوزراء، وتشمل إجراءات ومبادرات تحفيزية متعددة قصيرة المدى تشمل فرض ضرائب ورسوم تعنى بتطوير بيئة الاستثمار والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وأيضا سوق العمل بالإضافة إلى حوافز مصرفية، جميعها تهدف إلى تشجيع ومساعدة الأنشطة الاقتصادية على التعافي السريع بعد تأثرها بتداعيات كورونا والاستمرار في تحريك عجلة الإنتاج والاقتصاد. وبعد مضي قرابة خمسة أشهر، يجب مراجعة وتقييم تنفيذ هذه المبادرات وقياس ما إذا كانت قد حققت النتائج المأمولة منها.

وأوصى عضو الجمعية الاقتصادية العمانية بإنعاش الشركات المتوسطة والصغيرة من خلال تقديم التسهيلات المالية وإعطائها المزيد من مشاريع التنمية الحكومية. وقال: نشهد تزايدا ملحوظا في الأشهر الماضية من ٢٠٢١ في عدد المؤسسات والشركات التي بدأت أعمال التصفية، ففي شهر أغسطس من هذا العام قرابة ٦٠٠ شركة أعلنت عن بدأ أعمال التصفية، كما جاء في الجريدة الرسمية مقارنة بـ (١٠٠) شركة في أغسطس من العام الماضي. وهذا مؤشر خطير ويجب الوقوف عنده والبحث عن الأسباب الرئيسية لذلك وكيف يمكن معالجتها. وأضاف: إغلاق الشركات له تأثير مباشر بالأيدي العاملة التي تعتبر من ممكنات أو عوامل الإنتاج والنمو الاقتصادي.

آمال عالمية مرتفعة

وعبرت عدد من المؤسسات والصناديق الدولية من خلال مؤشراتها لنهاية العام الجاري والعام المقبل عن تفاؤلها ببداية تعافي حقيقية، حيث توقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد العالمي بنسبة تتراوح بين 5.4 إلى 6 % حتى نهاية العام الجاري، بما يعكس تحسن الأنشطة الاقتصادية وحركة التجارة الدولية مع تواصل عمليات التلقيح، واستمرار السياسات الاقتصادية الداعمة للتعافي الاقتصادي، والسرعة في تحول الموارد الاقتصادية في بعض البلدان نحو القطاعات الاقتصادية الأكثر ديناميكية في التعامل مع الوباء.

ومن المتوقع نمو الاقتصادات العربية بنسبة تقترب من 2.9% حتى نهاية العام الجاري في عام 2021، فيما يتوقع ارتفاع معدل النمو إلى 3.6% في عام 2022 مع تواصل تعافي الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية ونجاح حملات التلقيح إقليميًا وعالميًا.

من المتوقع نمو مجموعة الدول العربية المصدرة للنفط بنسبة تقارب 2.8% العام الجاري، وارتفاع معدل نمو دول المجموعة إلى 3.5% العام المقبل في ظل التحسن النسبي في كميات الإنتاج النفطي وأسعاره في الأسواق الدولية، والتعافي الجزئي للنشاط الاقتصادي في القطاعات غير النفطية.

وذلك بعد أن أسفرت عن انكماش الاقتصادات العربية بنسبة 5.2% في عام 2020، كنتيجة للصدمات التي شهدها جانبي العرض والطلب الكلي في غالبية الدول العربية، حيث تعرضت تلك المصدرة للنفط ومنها السلطنة إلى صدمة مزدوجة نتيجة لتراجع الأسعار العالمية للنفط بنسبة 35%، وانخفاض كميات إنتاجه إلى 11.4% نتيجة انخفاض مستويات الطلب. كما تأثرت القطاعات غير النفطية في هذه الدول بالتداعيات الناتجة عن إجراءات الإغلاق الكلي والجزئي خاصة في قطاع الخدمات مما أدى بدوره إلى تأثر أنشطة العديد من المؤسسات في القطاعين الرسمي وغير الرسمي. في المجمل أسفرت الجائحة عن انكماش الاقتصادات العربية المصدرة للنفط بنسبة 6.2%.