أعمدة

وضاع الحلم وتاهت الرسالة

 
نولد جميعا ونحن نعرف ما نريد، لكن من اللحظة التي نبدأ فيها في ممارسة حقنا في الاختيار، تظهر لنا يد تسحبنا للخلف، عندما نحبو باتجاه صينية الفوالة في وسط الغرفة نستكشف ما فيها، تأتي تلك اليد تمسك بأرجلنا الصغيرة وتسحبنا للخلف، نضع ما تقع عليه أعيننا الصغيرة في فمنا لنتعرف على محتويات عالمنا الجديد بالطريقة الوحيدة التي نعرف، فتأتي تلك اليد (الحنونة) تسحب أداة التعلم تلك خوفا علينا من إيذاء أنفسنا وهلم جرّا.

نكبر وتتوسع دائرة أصحاب النوايا الحسنة من حولنا، وتتعدد الأيدي التي تسحبنا إلى الخلف، فنبدأ نتعرض للتنمر في المدرسة من الزملاء بسبب اختلافنا، وربما حتى تفوقنا، والتعنيف من قبل المعلمين لتجرؤنا على التفكير خارج المنهج، التقييم المتدني من المسؤولين لأننا تجرأنا على التفكير في ابتكار أفكار جديدة لم تنص عليها اللوائح، وهكذا نتعلم أن نتقولب في شكل واحد عل وعسى أن نحصل على الرضا والقبول والتقدير من محيطنا.

إلا أن كل محاولة للانصياع للأيادي التي تسحبنا للخلف، إنما تؤدي إلى تراجعنا أكثر وأكثر عن الرسالة التي جئنا لتحقيقها على هذا الكوكب، والتي كنا متأكدين منها صغارا، ذلك أن الله جلت قدرته قد زرعها فينا بالفطرة، حين (*عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا)، والأسماء هنا تعني كل ما نحتاج أن نعرفه من حكمة وعلوم لتأدية دور الخلافة، والعيش بسلام على الكوكب الذي اختاره لنا سكنا جلت قدرته عندما انتهت فترة تأهيل أبونا آدم في الجنة، حيث استقى كل العلوم اللدنية التي يحتاج ليعيش عليها مستقلا معتمدا على نفسه، بعد أن هيأ له الأسباب لذلك.

في مرحلة ما تعلمنا أن نخذل ذواتنا، ونخرج عن التربية الربانية هذه نستسلم للخوف أمام أي عائق يعترض طريقنا، معتقدين أنه اعترض طريقنا ليفشل تقدمنا، في الوقت الذي كانت هذه العوائق إنما جاءت لتنبهنا بأننا انحرفنا عن الطريق، أو أننا نحتاج أن نستعد أكثر لما ينتظرنا في نهايته، فنتعلم أكثر، نتزود بالمهارات، نقوي عضلاتنا، ونحدد أهدافنا بقوة.

قلة منا من تتمسك بالحلم، وتصر عليه، وتصل في نهاية المطاف، فيما يعيش البعض تخبطا أبديا لا ينتهي يجر نفسه فيه جرا لينهي مهام وظيفية يمقتها، ويدرس تخصصا يكرهه، ويعيش مع زوج لا توجد فيه ذرة من مواصفات شريك الحياة، ويمضي العمر ويدفن هو وحلمه في التراب الذي جاء منه.