العرب والعالم

مستقبل النفوذ الأمريكي

أحداث سبتمبر 11 مشهد لا ينساه التاريخ الأمريكي "رويترز"
 
أحداث سبتمبر 11 مشهد لا ينساه التاريخ الأمريكي "رويترز"
لم يشغَل شىءٌ مفكِّري السياسة الخارجية على مر السنين بأكثر مما شغلهم السؤال التالي: هل الولايات المتحدة تتجه نحو تدهور لارجعة عنه كزعيمة للعالم ؟

من المؤكد أن الأحداث الأخيرة في أفغانستان والتي شكلت مؤشرا آخرَ على تقهقر أمريكي من آسيا غذَّت ذلك الشعور.

لكن القضية التي تشغل بال واضعي السياسات الإمريكية في الأجل الطويل هي التنامي المطرد للنفوذ الصيني. فهل الصين على وشك تجاوز أمريكا؟ وماهي أفضل المعايير الإقتصادية والعسكرية التي يُقَاس بها مثل هذا التحول في شئون العالم ؟ أليست الصين مُثقَلة بمشاكل داخلية ولكنها مخفية، جزئيا فقط، بعلاقاتٍ عامة ذكيةٍ لدولة سلطوية؟أو، هل حقبة 'باكْس أمريكانا' تصل إلى نهايتها ويوشك أن يحل محلها القرن الآسيوي. (باكس أمريكانا أو السلام الأمريكي يٌقصد به السلامُ النسبي الذي تشرف عليه الولايات المتحدة في مناطق نفوذها منذ 1945 وحتى الآن- المترجم.) ربما ليس من الحكمة المسارَعة إلى الإجابة بنعم على السؤال الأخير. فالكثير الذي يتعلق بأمريكا والعالم لايزال كما هو في أعوام الثمانينات عندما عكفتُ على كتابة مؤلفي 'صعود وتدهور القوى العظمي' (دار نشر راندوم هاوس-1987).

كما صحيح أيضا أنه كانت هنالك فترات في الأربعين سنة الماضية بدا أثناءها موقف أمريكا النسبي يتحسنمرة أخرى، وتحديدا في منتصف التسعينات بعد انهيار الإتحاد السوفيتي وفي عام 2013 بعد القضاء على صدام حسين زعيم العراق.

لكن حالات التعافي هذه كانت دائما قصيرة الأجل مقارنة بأشياء كبيرة وعديدة تغيرت ولم تكن في صالح الولايات المتحدة.

إذن دعونا نلقي نظرة على ثلاث تحولات مهمة وأطول أجلا في العلاقات الدولية والقوة العسكرية والنفوذ الإقتصادي.

العلاقات الدولية

التحول الأول يتمثل في تغير مجموعة القوى السياسية – الإستراتيجية المترابطة منذ حقبة الحرب الباردة قبل نصف قرن عندما كانت الولايات المتحدة تواجه فقط الإتحاد السوفييتي الآفل. فالنظام الدولي الآن يضم أربع أو ربما خمس دول كبيرة جدا. وليس في مقدور أي منها، سواء عن طريق القوة العسكرية أو الناعمة، إجبار الدول الأخرى على فعل شىء لاتريد أن تفعله.

كانت هنالك أدلة على هذا الإنتقال من عالم قطبين إلى عالم متعدد الأقطاب في وقت إعدادي مسودة الفصل الأخير في كتابي (الصعود والسقوط) في منتصف الثمانينات.

لكن الآن في العقد الثالث من هذا القرن يبدو المشهد الدولي أكثر تنوعا مع وجود عدة دول وطنية في مقدمة الرَّكب (الصين وأمريكا والهند وروسيا) ووراءها الإتحاد الأوروبي واليابان،بل حتى اندونيسيا وإيران.

هذا يؤشر لإعادة توزيع مهم جدا لنفوذ العالم. لذلك ليس كافيا الزعم، إذا كان ذلك صحيحا، أن أمريكا لاتزال القوة الأولى. فهي حتى إذا كانت 'أكبر غوريلا في الغابة ليست سوى واحدة من بين جماعة من الغوريلات'.

ولا معنى للقول أن مكانة روسيا تراجعت بأكثر من تراجع مكانة أمريكا حين تكون كلا الدولتين قد فقدتامركزيهما، نسبيا.

القوة العسكرية

التغيير الثاني يجسِّده واقع أن القوات المسلحة الأمريكية هي الآن أصغر وأقدم إلى حد بعيد قياسا بما كانت عليه في أعوام الثمانينات. فإلى متى حقا تستمر القوات الجوية في 'ترقيع 'وإستخدام قاذفاتها بي 52 التي تعود إلى 70 عاما مضت والأكبر سنا من كل ضباطها ممن لا يزالون في الخدمة (لم يتقاعدوا بعد)؟ وحتى متى تواصل البحرية إعادة تأهيل مدمراتها من طراز 'آرلي بيرك' التي دشنتها قبل 30 عاما.

وحتى لو شكَّل خلوُّ الجزء الغربي من المحيط الهادي من حاملات الطائرات إرباكا مؤقتا في مايو الماضي عندما كانت مجموعة سفن حاملة الطائرات 'يو إس إس آيزنهاو ' تغطي بداية الإنسحاب من افغانستان، تظل الحقيقة هي أن البحرية اليوم لديها حاملات طائرات عاملة أقل عما كان عليه الحال قبل 40 سنة مضت.

ونظرا لأن البنتاجون ينشر بانتظام سفنه في مختلف المناطق،قد لا يكون لدى واشنطن ما يكفي منها للوفاء بإلتزامتها الدولية الكثيرة. لذلك تبدو الولايات المتحدة للمؤرخ مثل النموذج القديم لإمبراطورية آل هابسبورغ. (تملك قوات مسلحة كبيرة ولكنها منهكة ومنتشرة في مناطق أكثر مما يلزم). فهي بهزيمتها في أفغانستان وتركها معدات عسكرية مبعثرة في معظم أرجاء ذلك البلد يبدو عليها ملمح 'هابسبورغي'.

في الأثناء يبدو أن الصين تستعرض عضلاتها في كل مكان. وخلف مسألة حجم القوات المسلحة الأمريكية تكمن قضية أكبر هي: هل عصر الأسلحة من شاكلة الطائرات الحربية التي يقودها البشر وسفن السطح الكبيرة إلى زوال، وربما أنه سينتهي بحلول عام 4040؟ لقد كانت الثورات العسكرية في الماضي تفيد الولايات المتحدة. لكن الثورة التالية قد لا تفعل ذلك. والسؤال: هل في مقدور أمريكا سداد ثمن تقدمها على الآخرين؟ إنها بحاجة إلى أن تسأل نفسها بصراحة عن تلك النسبة من ناتجها المحلي الإجمالي اللازمة لإعداد قوات مسلحة تَفِي بإلتزاماتها العسكرية العديدة(حاليا تنفق حوالى 3.5%).

وحتى انفاق 4% من الناتج المحلي الإجمالي لن يكون قريبا من كافٍ. لكن ربما تَفِي نسبة 6% بالغرض. غير أن ذلك سيكون ثمنا باهظا قد يجعل خبراء الإقتصاد وأعضاء الكونجرس يضجون بالصراخ.

لكن ما الذي يمكن أن تفعله إدارة أمريكية في المستقبل إذا قررت الصين إنفاق ما يزيد عن ذلك كثيرا وكثيرا جدا؟ (مثل هذه الأفكار المزعجة نادرا ما تخضع للنقاش).

ماذا إذا قرر زعيمها شي جينبينج أن الوقت قد حان للصين لتخصيص 5% أو أكثر من ناتجها المحلي الإجمالي المتنامي لقواتها المسلحة؟ هذا سيناريو لم يكن موجودا قبل نصف قرن ولا يبدو أن أحدا في واشنطن يريد أن يتحدث عنه.

قوة الإقتصاد

هذا يطرح التغيير الثالث. وهو عامل بالغ الأهمية في تشكيل النفوذ. إنه القوة الإقتصادية النسبية.

أكبر تحول عالمي منذ أعوام الثمانينات تمثل في ضخامة حجم اقتصاد الصين اليوم مقارنة بالولايات المتحدة.

ومهما كانت الأسئلة التي يصح أن تطرح بشأن القوة الإقتصادية للصين، مثلا عن موثوقية أرقامها الإحصائية وتقلص قواها العاملة في المستقبل إلى آخر ذلك، ستظل الحقيقة هي أنها تواصل نموهابوتيرة أسرع سواء قبل أو بعد كوفيد-19. فإقتصادها،قياسا بالناتج المحلي الإجمالي المعدل، على أساس تعادل القوة الشرائية، بنفس ضخامة الإقتصاد الأمريكي. وهذه معلومة احصائية مذهلة تشير إلى وضع لم يحدث منذ ثمانينات القرن التاسع عشر عندما تجاوز الإقتصاد الأمريكي اقتصاد بريطانيا.

في القرن العشرين بأكمله كان الإقتصاد الأمريكي أكبر بحوالي ضعفين إلى أربعة أضعاف تقريبا من إقتصادِ أيٍّ من القوي العظمي الأخرى. و كان أكبر من اقتصاد اليابان بعشرة أضعاف تقريبا عندما هوجم ميناء بيرل هاربور وأكبر بثلاثة أضعاف من اقتصاد ألمانيا عندما تهور هتلر وأعلن الحرب.

ذلك الوضع الفريد ينتهي الآن. ونحن نشهد إنقلابا مذهلا في شئون العالم سببه مزيج من ديموغرافية الصين و تعاظم إزدهارها.

فسكان الصين الذين يصل تعدادهم إلى 1.4 بليون نسمة مقارنة بحوالى 330 مليون أمريكي يلزمهم فقط تحقيق نصف متوسط دخل المواطن الأمريكي لكي يكون إجمالي حجم اقتصاد بلدهم ضعف اقتصاد الولايات المتحدة. ذلك من شأنه أن يتيح للصين أموالا ضخمة للإنفاق الدفاعي (العسكري) في المستقبل. ولا يمكن لأي رئيس ديموقراطي أو جمهوري أن يفعل الكثير بشأن ذلك.

هنا سنشهد حلقة أخرى مثيرة من مسلسل 'صعود وسقوط القوى العظمي'. وربما كل ما يحتاج الرئيس شي أن يفعله، تأسّيا بما فعله دينغ شياو بينغ، هو تجنب الخطوات الخاطئة وترك قدرات اقتصاد وجيش الصين تنمو عقدا وراء عقد. وسيشكل هذا أكبر تحدٍّ قد تواجهه أمريكا على الإطلاق. فهي ستكون بإزاء بلد آخر يماثلها في النفوذ.

---

* الكاتب استاذ التاريخ بجامعة ييل ومؤلف ومحرر 19 كتابا. يعكف في الوقت الحالي على تحرير طبعة جديدة لكتابه ' صعود وسقوط القوى العظمي'