أعمدة

الطبعية حين ينطقها الشعر

 
'لا شيء غير البحر'

'بعض الماء يحفظ آخر أغنية' ديوان شعري لمحمود حمد، صدر عام 2014 عن دار الانتشار العربي ببيروت. تتوالى في فضائه واحد وعشرون قصيدة متباينة الأحجام و بلا عناوين، إنما رقم لكل منها. بعضها لايحتل سوى صفحة واحدة، والبعض الآخر بلغ سبع صفحات كما في القصيدتين الأخيرتين اللتين جاءتا بالتوالي تحت الرقمين ' 40' و'41'.

و العنوان الذي يتجاذبه 'الماء' و'الغناء' كطرفي دلالة، سنراه يسقط ظلاله على مناخ مجمل القصائد، التي سارت متأرجحة بين مفاعيل هتين المفردتين اللتين (تمتحان نسغهما) من الطبيعة وقد تكفل الشاعر بإعارتها لسانه، لينطقها ممزوجة بوجده ونجواه وحزنه ' مجبور من ثالث جد/ أن أتعلق بالماضيين/ ونخلة خوف تنزف أيام القيظ/ وقصص الجدة والأيام' ص14.

قصائد مفعمة بروح التمرد والخروج من ربقة الأسر . وكأنما الشاعر يستعين بالشعر ورحابته ويبعثه مسرحا، على (ركحه) تتجسد وتتمرأى عذاباته وأسئلته وصراعه ' سأرحل / هل ترحلين معي؟ / سأترك ريح الشتاء/ سأترك قانون جدي وحيدا/ سأحمل بعض دموع الطفولة/ أروي بها وطننا في حنيني إليك/ فهل ترحلين معي؟/كي أحبك تحت المطر'

قصائد تشف عذوبة كالندى في الصباح ' الدمع: لمسة العصفور ' وتستجيب للعذابات الشفيفة لشاعر حساس يبحث عن وطن جديد بين أنقاض وخرائب الأحلام ' أمهليني/ لأعود إليك متشردا/ دون عباءة أبي / الناشبة في أضلاع/ الطفولة'.

كما يزخر الديوان بالعديد من صور الفقد، فحين يستحضر الشاعر رسوم ودروس حبيبته، التي لم تترك له حتى أطلالا ليبكي أمامها ' رحلت/ لم ترسم لوحتها/ رحلت لم تكتب/ في حلمي / شعرا/ أو حتى خاطرة/ لم تترك / عطرا في خوفي/ أو مشطا/ في درجي/ فرحا / ببقايا زيت/ شامي / علبة مكياج/ خصلات / لم تترك صوتا/ أعزفه/ أو رقصا ينبش / ذاكرتي/ تركتني أدفن/ صلواتي' .

الموسيقى حاسمة في تقطيع كل بيت وصورة. فحين تقرأ هذه القصائد المرقمة، عليك أيضا أن تستحضر إيقاعا موسيقيا ورقصا على أنغام الكلمات، فهو لايترك الشطر متجها نحو شطر موال، إلا بعد أن يخلف رنة تعوم في الفضاء، هي في الأصل برهة تأمل أودعوة وقوف وصمت قبل الولوج إلى الصورة أو العبارة الشعرية الموالية' بقيت وحيدا/ لأن الفراشة طارت/ بعيدا/ وأن المسافة تقسو/ كثيرا/ على الحالمين' .

يترصع الديوان كذلك بصور بليغة وتشبيهات جديدة مفعمة بشعور متجدد غير معاد، فالقارئ في كل إبحار على قارب الديوان، يلاقي في طريقه شتى أنواع الصور الفريدة والتشبيهات الخاصة، ممزوجة بالذكرى والنجوى في حضن طبيعة سيتحضرها الشاعر ليؤثث بها عالمه' لم تعد الشمس/ بعد شروقك/ إلا مرآة عجوز/ تسلم من بعيد/ وحدك من يقرأني/ حكايات طفولة/ وقصائد حب/ بعد وطني البعيد/كنت الأقرب/ إلى القلب/ لي وحدي/ همست بشرودك / الأخير/ ولك وحدك/ خبأت منفاي/ الأخير'.

في القصيدة التي تحمل الرقم 34، نكتشف سر عنوان الديوان، الذي لم يكن سوى مقطع شعري يندس بين ثنايا هذه القصيدة القصيرة، ولكنها الدالة والمضمرة لمعاني وجداول المناخ الشعري الذي يحيط بالديوان، أو الخارطة السرية التي تقودنا – مغمضي الأعين- في نزهة شعرية عالية' في يتم السواقي/ كان بوح الماء/ أغنية الجبل/ كم أودعتها الريح/ قصتها بمن رحلوا/ لأن الآخرين/ استأنسوا بالرمل/ في كف الغريب/ لأن بعض الماء/ يحفظ آخر أغنية/ الظهيرة/ بعد عودتها/ بظل من أمل'.