نوافذ :في المحو والإسقاط
الأربعاء / 26 / ذو القعدة / 1442 هـ - 21:08 - الأربعاء 7 يوليو 2021 21:08
قبل أيام أسقط المتظاهرون في مدينة “ وينينجبيجز “ الكندية، تمثالي الملكة فيكتوريا والملكة إليزابيث الثانية، ولم يكتفوا بذلك، بل قاموا بتلطيخ التمثالين بالكفوف الحمراء، تعبيرًا عن اتهامهم الملكتين بجرائم قتل آلاف الأطفال من السكان الأصليين، إذ إن كندا كانت تابعة للتاج البريطاني، ولم تستقل إلا في عام ١٩٣١.
جاءت هذه الحادثة، بعد اكتشاف قبور بلا شواهد، لحوالي ألف ضحية جديدة من الأطفال المدفونين داخل حيازات المدارس الداخلية لأطفال السكان الأصليين، التي أنشأت عام ١٨٧٦ واستمر وجودها حتى عام ١٩٩٦م.
أنشئت هذه المدارس في أماكن بعيدة، عن المناطق الطبيعية لسكن القبائل التي ينتمي إليها هؤلاء الأطفال، بقصد فصلهم عن أهاليهم ومجتمعاتهم، وذلك لتأهيلهم للانخراط في الثقافة الأوروبية التي جاء بها المستعمر الأبيض.
تعرض الأطفال في هذه المدارس إلى شتى أنواع الإيذاء، بدءًا من سوء التغذية، والعنف الجسدي، إلى الاغتصاب والاستغلال الجنسي، مما أدى إلى موت أعداد كبيرة، يصعب تقديرها، ودفنهم داخل هذه المدارس، أو في الأراضي التابعة لها، دون شواهد أو أسماء يستدل بها عليهم.
أما الذين لم يقتلوا، فكانوا يخرجون من هذه المدارس كأشخاص مشوهين، وغير منتمين، فهم غير متصلين بموروث ثقافتهم الأصلية أو لغتها، وفي الوقت ذاته غير مقبولين من مجتمع الرجل الأبيض، وقد وصفت مفوضية الحقيقة والتصالح الكندية ذلك “ بالإبادة الثقافية”.
لم يكن تمثالا الملكتين الوحيدين الذين سقطا، فقبلها ومنذ بدء حملة المناهضة للعنصرية، التي اشتد أوارها بعد مقتل جورج فلويد، في العام المنصرم على يد الشرطة الأمريكية، أُسقط تمثال تاجر العبيد إدورد كولستون في بريستول في بريطانيا، وتلاه إسقاط تمثال تاجر العبيد روبرت ميليجان، من أمام متحف مرافئ لندن.
كما طال التخريب تمثال الملك ليوبيد الثاني الذي حكم بلجيكا في القرن التاسع عشر، فقد كان هذا الملك سفاحًا ومن أكثر الناس وحشية، إذ بلغ ضحاياه في الكونجو ملايين البشر، حتى إنه أطلق على الكونجوليين في زمنه “ شعب مقطوعي الأيدي” ؛ لأن جنوده وسماسرته كانوا يقطعون يد كل كونجولي يرفض، أو لا يستطيع العمل في حصاد المطاط، الذي أثرى بلجيكا، ويقال إنه كان يحتفظ بحديقة “حيوان“من البشر في قصره.
وفي السياق نفسه وجه عمدة لندن “صادق خان”، بمراجعة التماثيل في الأماكن العامة وأسماء الشوارع؛ بغية إزالة كل الشواهد والأسماء التي تحتفي بأي شخص كان له علاقة بتجارة العبيد.
حملة المحو هذه تبناها في الأصل مثقفون، وفنانون، ونشطاء، يرون أن الهدف من هذا المحو ليس إعادة كتابة التاريخ، ولكن إزالة كل أثر لتجار الرقيق من الفضاء العام، والسماح لقصص المظالم، التي أوقعها هؤلاء بملايين من البشر أن تظهر للنور، وأن يكون المجال العام مكانا لإبراز الحق، وليس للاحتفاء بالباطل.
ورغم أن الكثير من هؤلاء التجار أحبوا أن يذكرهم التاريخ، على أنهم محسنون، ومساهمون في إثراء الثقافة عبر تبرعاتهم السخية لمختلف المؤسسات الثقافية، إلا أن ذلك لا يجب أن يحجب الحقيقة، حقيقة أنهم مجرد مجرمين، وأن ثراهم وإحسانهم، وتبرعاتهم ملطخة بالدماء، وأن الزمن مهما طال سيعود ليسقطهم عن مكانتهم.
جاءت هذه الحادثة، بعد اكتشاف قبور بلا شواهد، لحوالي ألف ضحية جديدة من الأطفال المدفونين داخل حيازات المدارس الداخلية لأطفال السكان الأصليين، التي أنشأت عام ١٨٧٦ واستمر وجودها حتى عام ١٩٩٦م.
أنشئت هذه المدارس في أماكن بعيدة، عن المناطق الطبيعية لسكن القبائل التي ينتمي إليها هؤلاء الأطفال، بقصد فصلهم عن أهاليهم ومجتمعاتهم، وذلك لتأهيلهم للانخراط في الثقافة الأوروبية التي جاء بها المستعمر الأبيض.
تعرض الأطفال في هذه المدارس إلى شتى أنواع الإيذاء، بدءًا من سوء التغذية، والعنف الجسدي، إلى الاغتصاب والاستغلال الجنسي، مما أدى إلى موت أعداد كبيرة، يصعب تقديرها، ودفنهم داخل هذه المدارس، أو في الأراضي التابعة لها، دون شواهد أو أسماء يستدل بها عليهم.
أما الذين لم يقتلوا، فكانوا يخرجون من هذه المدارس كأشخاص مشوهين، وغير منتمين، فهم غير متصلين بموروث ثقافتهم الأصلية أو لغتها، وفي الوقت ذاته غير مقبولين من مجتمع الرجل الأبيض، وقد وصفت مفوضية الحقيقة والتصالح الكندية ذلك “ بالإبادة الثقافية”.
لم يكن تمثالا الملكتين الوحيدين الذين سقطا، فقبلها ومنذ بدء حملة المناهضة للعنصرية، التي اشتد أوارها بعد مقتل جورج فلويد، في العام المنصرم على يد الشرطة الأمريكية، أُسقط تمثال تاجر العبيد إدورد كولستون في بريستول في بريطانيا، وتلاه إسقاط تمثال تاجر العبيد روبرت ميليجان، من أمام متحف مرافئ لندن.
كما طال التخريب تمثال الملك ليوبيد الثاني الذي حكم بلجيكا في القرن التاسع عشر، فقد كان هذا الملك سفاحًا ومن أكثر الناس وحشية، إذ بلغ ضحاياه في الكونجو ملايين البشر، حتى إنه أطلق على الكونجوليين في زمنه “ شعب مقطوعي الأيدي” ؛ لأن جنوده وسماسرته كانوا يقطعون يد كل كونجولي يرفض، أو لا يستطيع العمل في حصاد المطاط، الذي أثرى بلجيكا، ويقال إنه كان يحتفظ بحديقة “حيوان“من البشر في قصره.
وفي السياق نفسه وجه عمدة لندن “صادق خان”، بمراجعة التماثيل في الأماكن العامة وأسماء الشوارع؛ بغية إزالة كل الشواهد والأسماء التي تحتفي بأي شخص كان له علاقة بتجارة العبيد.
حملة المحو هذه تبناها في الأصل مثقفون، وفنانون، ونشطاء، يرون أن الهدف من هذا المحو ليس إعادة كتابة التاريخ، ولكن إزالة كل أثر لتجار الرقيق من الفضاء العام، والسماح لقصص المظالم، التي أوقعها هؤلاء بملايين من البشر أن تظهر للنور، وأن يكون المجال العام مكانا لإبراز الحق، وليس للاحتفاء بالباطل.
ورغم أن الكثير من هؤلاء التجار أحبوا أن يذكرهم التاريخ، على أنهم محسنون، ومساهمون في إثراء الثقافة عبر تبرعاتهم السخية لمختلف المؤسسات الثقافية، إلا أن ذلك لا يجب أن يحجب الحقيقة، حقيقة أنهم مجرد مجرمين، وأن ثراهم وإحسانهم، وتبرعاتهم ملطخة بالدماء، وأن الزمن مهما طال سيعود ليسقطهم عن مكانتهم.