ورقة ضغط وصور متباينة ونجاحات مشهودة رغم الغربة وقسوتها
السوريون في دول اللجوء
الخميس / 20 / ذو القعدة / 1442 هـ - 21:07 - الخميس 1 يوليو 2021 21:07
من مخيم أطمة للنازحين، بالقرب من الحدود التركية في محافظة إدلب شمال غرب سوريا، اخذت الصورة بتاريخ في 19 مارس 2013. رويترز
دمشق - عُمان - بسام جميدة:
نازحون في الداخل، ولاجئون في الخارج؛ من في الداخل، أوجعهم الحصار الاقتصادي والغلاء، وغياب أبسط أساسيات الحياة من ماء وكهرباء وغذاء، ومن في الخارج باتوا تحت مسمى 'لاجئين'، الكثير منهم يعانون الغربة التي أوجعتهم طوال السنوات العشر الماضية، وهم موزعين في أنحاء المعمورة، هكذا يبدو حال أكثر من نصف السوريين حيث تحفل حياة أغلبهم بالكثير من القصص الغريبة والعجيبة.
الحرب الطاحنة جعلت الجميع يفكر بالهجرة والنزوح سواء كانوا موالاة أو معارضة، خصوصا بعد أن استعر لهيبها وجاءت على الأخضر واليابس، فركب كثير منهم البحر رغم مخاطره، ومنهم من سلك دروب البر القاسية، ومنهم من استقل الوسائل المتاحة حينذاك سواء في الطائرة أو غيرها من وسائل المواصلات، ولكن جلها لم تكن سهلة، بل ولا حتى قليلة التكاليف المادية، حيث اضطر الكثيرون لبيع ما بين أيديهم وماخلفهم لكي يصلوا إلى ماهم عليه.
وليس كل الذين خرجوا من سوريا لاجئين، كانوا مخيرين بين البقاء في ساحات الحرب أو اللجوء، فمن خرج كان مضطرا، والقلة القليلة منهم لم يكن كذلك، وربما ساقته موجة النزوح الكبرى في عام 2015 للخروج بحثا عن واقع أفضل والوصول إلى بلاد كانت حلما بالنسبة إليه، 'بعد أن فتحت بلاد الغرب أبوابها لهم'، من أجل حياة أفضل.
اليوم العالمي للاجئ
في 20 من يونيو من كل عام يحتفل العالم بيوم اللاجئ العالمي حيث يتم تسليط الضوء على الأشخاص الذين اجبروا على الهروب من بلادهم.
وأُقيم أول احتفال بهذا اليوم على مستوى العالم لأول مرة في 20 يونيو عام 2001، وذلك بمناسبة الذكرى الخمسين على اتفاقية عام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئ.
وكان ذلك اليوم يعرف من قبل بيوم اللاجئ الإفريقي، قبل أن تخصصه الجمعية العامة للأمم المتحدة رسمياً باعتباره يوماً دولياً للاجئين حول العالم وذلك في يناير 2000.
وقد شغل اللاجئون السوريون العالم بأسره، من خلال ما تعرضوا له على طريق اللجوء، وما قاموا به عقب وصولهم للبلاد التي لجئوا اليها، والمواقف التي جرت معهم.
وفي هذا التقرير سنتناول ابرز العناوين حول قضايا اللجوء وما يتعرض له اللاجئ السوري من خلال تواصلنا مع كثير منهم لمعرفة كثير من التفاصيل ونظرة المجتمع لهم، وإمكانية عودتهم وغيرها من التفاصيل:
صورة واقعية
الكاتب والإعلامي السوري ملكون ملكون المقيم في السويد أوضح أن الإعلام السويدي والجهات الرسمية تؤكد أن المهاجرين السوريين الذين قَدِموا للسويد في السنوات الأخيرة تركوا بصمة مهمة وأنهم قد حققوا نجاحات في مختلف المجالات التي درسوا أو عملوا بها.
لكن هل الصورة وردية وزاهية هكذا بدون شوائب ؟! بالتأكيد فإن التدفق الكبير للمهاجرين السوريين خلال السنوات الأخيرة حمل معه أناس مختلفين التوجهات والطموحات والرؤية لأوروبا التي كانت حلماً للبعض فأضحت كابوساً يلقي بظلاله القاتمة على أيامهم.
مقابل الطموح لدى الكثيرين كانت هناك فئة وجدت في أوروبا حلمها للعيش الرغيد المرفّه بدون عمل أو جهد والاعتماد الكلي على المساعدات الإجتماعية التي تقدمها الدولة فلم يحاولوا أن يعملوا أو يندمجوا في المجتمع الجديد حتى أنهم أقاموا حائطاً خرسانياً بينهم وبين اللغة الجديدة، واكتفوا بـ 'الغيتو العائلي' الذي يعيشون ضمنه مع أهل مدنهم التي آتوا منها و مع اقربائهم كأنه مجتمع مغلق يحاكي المجتمع الشرقي بكل تفاصيلة الجيدة والسيئة.
وهناك فئة حاولت دخول سوق العمل بشتى الطرق لكنها اصطدمت بالكثير من العوائق
والمصاعب التي منعتهم من تحقيق طموحاتهم.
قد تبدو الصورة متأرجحة وليست ثابتة للمهاجرين السوريين في السويد لكن من الصعوبة بمكان الحكم على هذه التجربة أو الحالة وإصدار أحكام مطلقة، فالعامل الزمني لا يعطينا القدرة على ذلك إذ لم يصل التواجد السوري الأخير في السويد لعشر سنوات حتى الآن، وبرنامج الإندماج لم يحقق النذر اليسير من أهدافه حتى الآن ولأسباب مختلفة لا تقع كلها على عاتق المهاجرين، والسويديون الذين يراهنون على التغيير في 'العقلية' على الجيل الثالث ربما عليهم أن يعيدوا حساباتهم من جديد ويدرسوا الوضع الاجتماعي والديمجرافي الجديد في السويد بعد ارتفاع مستوى الجريمة المنظمة وانتشار المخدرات بشكل كبير وتعاظم دور العصابات الإجرامية العائلية كما تُسمى هنا في السويد .
الصورة ليست قاتمة وليست زاهية أيضاً ولكن أعتقد أنه بالنسبة للمهاجرين السوريين في السويد (كان بالإمكان أحسن مما كان) ؟!.
محسودون
المفارقة في هذا الملف الذي نتحدث فيه عن اللجوء أن الذين في الداخل يحسدون الذين في الخارج، بسبب ما يعانونه من أوضاع اقتصادية سيئة وتبعات الحرب ومنعكساتها، بينما الذين في الخارج لا يبرحون يتذكرون الأيام الخوالي الجميلة في البلاد وما يعانونه اليوم من غربة قسرية وتعب ومشاق وكآبة، ووضع اللاجئين ليس متساويا في كل البلدان التي لجئوا إليها، فالموجودين في أوروبا وضعهم غير وضع الموجودين في تركيا مثلا، بل ويختلف عن المتواجدين في الدول العربية المجاورة حيث يعيشون ظروفا سيئة ومأساوية أيضا، وهنا اتحدث عن الوضع المعيشي وفرص العمل وطريقة السكن والتأمين الصحي وتأمين فرص الدراسة والتعلم وغيرها من الأمور الأخرى.
مستقبل اللاجئين
يكتنف الغموض مستقبل كثير من اللاجئين السوريين المتواجدين في أماكن متفرقة، ولكن بعد هذه السنوات العشر استطاع كثير من السوريين المتواجدين في دول أوروبا مثل السويد وألمانيا وهولندا وغيرها من الدول الأوروبية من الحصول على الإقامات الدائمة فيها، وبعضهم حصل على جنسية الدولة التي يقيم فيها بعد أن حقق الشروط المطلوبة ولم يعد يحتاج لمساعدات الدولة، بل يعمل ويؤمن معيشته ومعيشة عائلته إن وجدت، هذا على عكس اللاجئين المتواجدين في الأردن ولبنان ومصر والعراق فالكثير منهم في الأردن ولبنان يعيش في مخيمات اللجوء وبظروف سيئة، بينما في مصر فقد أتيحت لهم فرص العمل بشكل واسع وأسسوا هناك مصانع وفتحوا المطاعم والشركات والمصانع، بل بات المصريون يتباهون بما قام به السوري من إنجاز على صعيد العمل، يقول أسامة.
إعادة اللاجئين ورقة ضغط
بعض التطورات الأخيرة التي حدثت في بعض بلدان اللجوء للسوريين، وما قامت به الدانمارك وهولندا وما تلوح به أحزاب اليمين المتطرف في ألمانيا بمسألة الترحيل إلى مناطق آمنة شكلت قلقا لكثير من اللاجئين الذين عملوا على تأسيس حياتهم هناك بطريقة أو بأخرى، ريثما يعود بلدهم آمنا، وتستقر فيه الأوضاع الحياتية بشكل جيد، وفي هذا الصدد أوضح المحامي السوري المختص في قضايا اللاجئين في فرنسا زيد العظم، أكد في تصريحات سابقة لـ 'القدس العربي' أن 'الفقرة الأولى من المادة 33 لاتفاقية جنيف للاجئين الموقعة عام 1951 تنص على ما يلي: لا يجوز لأية دولة موقعة أن تطرد لاجئا أو ترده بأية صورة من الصور إلى حدود الأقاليم التي تكون حياته أو حريته مهددتين فيها بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى أي فئة اجتماعية معينة أو بسبب آرائه السياسية'.
لذلك فإن دولة كالدنمارك، وبصفتها طرفا موقعا على اتفاقية جنيف المتعلقة باللاجئين عام 1951 وموقعة على بروتوكول 1967 المتمم لاتفاقية جنيف، لا يمكنها 'قانونيا' طرد اللاجئين السوريين أو ترحيلهم.
واستطرد: 'لذا فقرار وزارة الهجرة واللجوء في الدنمارك، هو قرار إداري مشوب ابتداء وواجب الإبطال ولا يستند إلى أي مرجع أو سند قانوني، وهو قرار قابل للطعن أمام القضاء الإداري الدنماركي، على اعتباره مخالفا لالتزام الدولة في اتفاقية اللاجئين، كما أنه قابل للطعن والإبطال أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في حال توجه القضاء الإداري بتأييد هذا القرار'.
من جهة أخرى، إن مثل هذا النوع من القرارات الإدارية الجائرة والمجحفة بحق اللاجئين السوريين في الدول الأوروبية، هو نتيجة تسييس ملف اللاجئين الملف الذي يوصف بأنه الأكثر رخاوة في حقل التجاذبات السياسية والمزايدات التي يستثمر بها عدد من أحزاب اليمين المتشدد في مجموعة من الدول الأوروبية.
ويضيف الناشط الحقوقي سهيل غازي، الذي يهتم بشؤون اللاجئين في أوروبا والمتخصص بالدراسات الاجتماعية، أن تركيا أيضا تستعمل اللاجئين كورقة ضغط على الدول الأوروبية وحتى على الحكومة السورية وذلك لرغبات سياسية باتت واضحة للجميع، والضحية هو اللاجئ وعائلته، حيث يتأثرون سلبا بهذه القرارات حتى ولو كانت من باب الإشاعات والتلويح بالضغط على الحكومات من قبل أحزاب اليمين المتشدد في
تلك الدول، ويعتبر هذا انتهاكا واضحا لكل الأعراف والقوانين الدولية وهناك منظمات حقوقية تحاول منع ذلك بالتعاون مع وسائل الإعلام، ويكفي ما يعانيه المواطن السوري من تهجير ونزوح ولجوء وقسوة معيشة وظلم من قبل بعض الناس الذين يرون فيه شخصا غير مرغوب به، وهذه بحد ذاته معاناة نفسية كبيرة.
من جهتها، منظمة العفو الدولية، خرجت ببيان رسمي لمطالبة الدنمارك بالتراجع عن قرار ترحيل السوريين إلى بلادهم وعدم استهداف الذين اضطروا إلى مغادرة سوريا
جراء العنف، معتبرة أن قرار السلطات في الدنمارك ترحيل السوريين 'غير مقبول'.
وقاطعت عدد من الدول الاوربية والغربية مؤتمر لعودة اللاجئين السوريين عقد العام الفائت في دمشق وشدد جوزيب بوريل وزير خارجية التكتل الأوروبي حينها على
أن 'الشروط الحالية في سوريا لا تشجع على الترويج لعودة طوعية على نطاق واسع
ضمن ظروف أمنية وكرامة تتماشى مع القانون الدولي'. واستدلّ بوريل بعمليات
العودة 'المحدودة' التي سجلت خلال الفترة الماضية كدليل 'يعكس العقبات الجمة
والتهديدات أمام عودة اللاجئين والنازحين' وبينها 'التجنيد الإجباري والاعتقال العشوائي والاختفاء القسري'.
توزع اللاجئين السوريين في العالم
بحسب أرقام المفوضية السامية للأم المتحدة لشئون اللاجئين، ومنذ اندلاع الحرب في سوريا، وصلت نسبة اللاجئين السوريين إلى 8.25% من نسبة اللاجئين عالميا حتى
نهاية عام 2019، لتصنف سوريا بذلك بلد المنشأ الأول للاجئين منذ العام 2014.
وذكر تقرير المفوضية السامية، أن عدد اللاجئين السوريين وصل إلى نحو 6.7 مليون لاجئ موزعين في 130 دولة، ويتركز 83% من اللاجئين السوريين في دول المنطقة العربية والجوار السوري، ويعيش 1.8مليون منهم في المخيمات، وأكثر من 66 بالمئة منهم من الأطفال والنساء وحوالي 1.6 مليون طفل دون سن العاشرة يعيشون في المنطقة و2.4 مليون طفل خارج المدرسة و1.6 مليون طفل معرضون للتوقف عن الدراسة و9 من بين 10 لاجئين سوريين يعيشون في فقر مدقع حسب تقرير للأمم المتحدة صادر بتاريخ مارس 2021.
وذكر التقرير أن أكثر من 5.6 مليون لاجئ سوري في العالم ويتواجد في تركيا 3.6
ملايين ولبنان 914 ألف والأردن 660 ألفا والعراق 250 ألف وفي مصر 150 ألف
لاجئ.
وفي أوروبا يعيش حوالي أكثر من مليون سوري كلاجئين ففي ألمانيا 790 ألف (ويمثلون خامس أكبر نسبة لاجئين في العالم) والسويد 130 ألف وهولندا 47 ألف والنمسا 58 ألفا والدانمارك 22 ألف وهنغاريا 78 ألف وبلجيكا 28 ألف والنمسا 58 ألف وفرنسا 27 ألف واليونان 80 ألف وبلغاريا 22 ألف.
ويوجد أكثر من 100 ألف سوري في أمريكا وكندا، وهناك أرقام أخرى لعدد محدود من السوريين في بقية دول العالم.
هجرة الكوادر
هذه الاعداد الهائلة من السوريين المتوزعين في العالم بينهم خبرات مهنية وكوادر علمية وكفاءات بشهادات علمية جامعية ومادون، وبحسب دراسة لمعهد بحوث العمالة (IAB)، والمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF)، والمعهد الألماني للبحوث الاقتصادية (DIW برلين) فإن 40 في المئة من السوريين الذين تقدموا بطلبات لجوء في ألمانيا بين عامي 2013 و2016 هم من الحاصلين على شهادة الدراسة الثانوية وما فوقها، ويتصدر الأطباء السوريين لائحة الأطباء الأجانب في ألمانيا حيث يتواجد فيها 5289 طبيبة وطبيبا من سوريا بحسب إحصائية نقابة الأطباء الاتحادية في ألمانيا من اللاجئين فقط وهذا العدد لا يشمل حاملي الجنسية الألمانية.
قصص النجاح
كثيرة هي قصص النجاح التي حققها اللاجئون السوريون في دول اللجوء، وتحتاج إلى ملفات كثيرة، نتيجة اجتهادهم ومواظبتهم على العمل، ويكفي أن تتصفح المواقع الالكترونية لتسمع شهادات المصريين عن نجاح السوريين في سوق العمل والمصانع والتجارة، وأن تقرأ عن المهارات التي يتقنها العامل الحرفي السوري ونقلها معه إلى تركيا وبقية الدول، وقصص تفوق كثير من السوريات والسوريين في أوروبا، والتي يفتخر بها الأوربيون أنفسهم، فالمعاناة ولدت النجاح، ففي لندن استطاعت سورية ان تحصل على شهادة قيادة طيارة، وكذلك على أن تكون قبطان باخرة، والتفوق الدراسي ملحوظ جدا، ويعود هذا كما قالت لنا سهى محمود 28 سنة المقيمة في هولندا والتي استطاعت أن تقوم بنشاط تجاري مهم في تصنيع الأغذية والحلويات السورية بمساعدة عائلتها، كما استطاعت بتول أن تكمل دراستها الجامعية في احدى جامعات لايبزغ، ويتابع باسل تحصيله العلمي في كلية الاعلام ببرلين، حيث يقول أن الفرص المتاحة لنا كلاجئين كثيرة والشاطر من يحسن استغلالها، وأتمنى من كل لاجئ سوري أن يقدم صورة طيبة عن سلوكه ومواظبته على العلم والعمل.
اختلاف الوضع
ليس واقع اللاجئين متشابه تماما ففي كل بلد هناك حالات معينة، وما تحدثنا عن بعضه غالبيته في دول أوروبا ولكن هناك عدد كبير جدا في دول الأردن وتركيا ولبنان ومصر والعراق الذين لا يزالون يعيشون أوضاعا مختلفة وعلى المعونات المقدمة من قبل المنظمات الدولية حيث تقول الأمم المتحدة أن 'التعامل مع هذه الأعداد الهائلة من اللاجئين لا يزال يشكل تحدياً، حيث أن هناك حالياً حوالي 6.5 مليون لاجئ سوري مسجلين في المنطقة بالإضافة إلى ما يقرب من مليون طفل مولود حديثاً خلال فترة النزوح'.
ونقل البيان عن مدير إدارة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والمنسق الإقليمي للاجئين لسوريا والعراق أمين عوض قوله إن 'غالبية هؤلاء الأطفال البالغ عددهم مليون طفل ولدوا في وضع يشيع فيه الفقر والبطالة ويشهد حالات زواج مبكر وعمالة أطفال ولا يكون فيه التعليم مؤمناً لهم دائما'.
وأضاف أنه 'من الضروري أن يستمر المجتمع الدولي في الاعتراف بمحنة اللاجئين السوريين وتوفير الدعم الأساسي للمجتمعات المستضيفة والشركاء في خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين وتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات لمساعدتهم في تحمل هذا العبء الهائل إلى حين العودة الطوعية بأمان وكرامة'.
نازحون في الداخل، ولاجئون في الخارج؛ من في الداخل، أوجعهم الحصار الاقتصادي والغلاء، وغياب أبسط أساسيات الحياة من ماء وكهرباء وغذاء، ومن في الخارج باتوا تحت مسمى 'لاجئين'، الكثير منهم يعانون الغربة التي أوجعتهم طوال السنوات العشر الماضية، وهم موزعين في أنحاء المعمورة، هكذا يبدو حال أكثر من نصف السوريين حيث تحفل حياة أغلبهم بالكثير من القصص الغريبة والعجيبة.
الحرب الطاحنة جعلت الجميع يفكر بالهجرة والنزوح سواء كانوا موالاة أو معارضة، خصوصا بعد أن استعر لهيبها وجاءت على الأخضر واليابس، فركب كثير منهم البحر رغم مخاطره، ومنهم من سلك دروب البر القاسية، ومنهم من استقل الوسائل المتاحة حينذاك سواء في الطائرة أو غيرها من وسائل المواصلات، ولكن جلها لم تكن سهلة، بل ولا حتى قليلة التكاليف المادية، حيث اضطر الكثيرون لبيع ما بين أيديهم وماخلفهم لكي يصلوا إلى ماهم عليه.
وليس كل الذين خرجوا من سوريا لاجئين، كانوا مخيرين بين البقاء في ساحات الحرب أو اللجوء، فمن خرج كان مضطرا، والقلة القليلة منهم لم يكن كذلك، وربما ساقته موجة النزوح الكبرى في عام 2015 للخروج بحثا عن واقع أفضل والوصول إلى بلاد كانت حلما بالنسبة إليه، 'بعد أن فتحت بلاد الغرب أبوابها لهم'، من أجل حياة أفضل.
اليوم العالمي للاجئ
في 20 من يونيو من كل عام يحتفل العالم بيوم اللاجئ العالمي حيث يتم تسليط الضوء على الأشخاص الذين اجبروا على الهروب من بلادهم.
وأُقيم أول احتفال بهذا اليوم على مستوى العالم لأول مرة في 20 يونيو عام 2001، وذلك بمناسبة الذكرى الخمسين على اتفاقية عام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئ.
وكان ذلك اليوم يعرف من قبل بيوم اللاجئ الإفريقي، قبل أن تخصصه الجمعية العامة للأمم المتحدة رسمياً باعتباره يوماً دولياً للاجئين حول العالم وذلك في يناير 2000.
وقد شغل اللاجئون السوريون العالم بأسره، من خلال ما تعرضوا له على طريق اللجوء، وما قاموا به عقب وصولهم للبلاد التي لجئوا اليها، والمواقف التي جرت معهم.
وفي هذا التقرير سنتناول ابرز العناوين حول قضايا اللجوء وما يتعرض له اللاجئ السوري من خلال تواصلنا مع كثير منهم لمعرفة كثير من التفاصيل ونظرة المجتمع لهم، وإمكانية عودتهم وغيرها من التفاصيل:
صورة واقعية
الكاتب والإعلامي السوري ملكون ملكون المقيم في السويد أوضح أن الإعلام السويدي والجهات الرسمية تؤكد أن المهاجرين السوريين الذين قَدِموا للسويد في السنوات الأخيرة تركوا بصمة مهمة وأنهم قد حققوا نجاحات في مختلف المجالات التي درسوا أو عملوا بها.
لكن هل الصورة وردية وزاهية هكذا بدون شوائب ؟! بالتأكيد فإن التدفق الكبير للمهاجرين السوريين خلال السنوات الأخيرة حمل معه أناس مختلفين التوجهات والطموحات والرؤية لأوروبا التي كانت حلماً للبعض فأضحت كابوساً يلقي بظلاله القاتمة على أيامهم.
مقابل الطموح لدى الكثيرين كانت هناك فئة وجدت في أوروبا حلمها للعيش الرغيد المرفّه بدون عمل أو جهد والاعتماد الكلي على المساعدات الإجتماعية التي تقدمها الدولة فلم يحاولوا أن يعملوا أو يندمجوا في المجتمع الجديد حتى أنهم أقاموا حائطاً خرسانياً بينهم وبين اللغة الجديدة، واكتفوا بـ 'الغيتو العائلي' الذي يعيشون ضمنه مع أهل مدنهم التي آتوا منها و مع اقربائهم كأنه مجتمع مغلق يحاكي المجتمع الشرقي بكل تفاصيلة الجيدة والسيئة.
وهناك فئة حاولت دخول سوق العمل بشتى الطرق لكنها اصطدمت بالكثير من العوائق
والمصاعب التي منعتهم من تحقيق طموحاتهم.
قد تبدو الصورة متأرجحة وليست ثابتة للمهاجرين السوريين في السويد لكن من الصعوبة بمكان الحكم على هذه التجربة أو الحالة وإصدار أحكام مطلقة، فالعامل الزمني لا يعطينا القدرة على ذلك إذ لم يصل التواجد السوري الأخير في السويد لعشر سنوات حتى الآن، وبرنامج الإندماج لم يحقق النذر اليسير من أهدافه حتى الآن ولأسباب مختلفة لا تقع كلها على عاتق المهاجرين، والسويديون الذين يراهنون على التغيير في 'العقلية' على الجيل الثالث ربما عليهم أن يعيدوا حساباتهم من جديد ويدرسوا الوضع الاجتماعي والديمجرافي الجديد في السويد بعد ارتفاع مستوى الجريمة المنظمة وانتشار المخدرات بشكل كبير وتعاظم دور العصابات الإجرامية العائلية كما تُسمى هنا في السويد .
الصورة ليست قاتمة وليست زاهية أيضاً ولكن أعتقد أنه بالنسبة للمهاجرين السوريين في السويد (كان بالإمكان أحسن مما كان) ؟!.
محسودون
المفارقة في هذا الملف الذي نتحدث فيه عن اللجوء أن الذين في الداخل يحسدون الذين في الخارج، بسبب ما يعانونه من أوضاع اقتصادية سيئة وتبعات الحرب ومنعكساتها، بينما الذين في الخارج لا يبرحون يتذكرون الأيام الخوالي الجميلة في البلاد وما يعانونه اليوم من غربة قسرية وتعب ومشاق وكآبة، ووضع اللاجئين ليس متساويا في كل البلدان التي لجئوا إليها، فالموجودين في أوروبا وضعهم غير وضع الموجودين في تركيا مثلا، بل ويختلف عن المتواجدين في الدول العربية المجاورة حيث يعيشون ظروفا سيئة ومأساوية أيضا، وهنا اتحدث عن الوضع المعيشي وفرص العمل وطريقة السكن والتأمين الصحي وتأمين فرص الدراسة والتعلم وغيرها من الأمور الأخرى.
مستقبل اللاجئين
يكتنف الغموض مستقبل كثير من اللاجئين السوريين المتواجدين في أماكن متفرقة، ولكن بعد هذه السنوات العشر استطاع كثير من السوريين المتواجدين في دول أوروبا مثل السويد وألمانيا وهولندا وغيرها من الدول الأوروبية من الحصول على الإقامات الدائمة فيها، وبعضهم حصل على جنسية الدولة التي يقيم فيها بعد أن حقق الشروط المطلوبة ولم يعد يحتاج لمساعدات الدولة، بل يعمل ويؤمن معيشته ومعيشة عائلته إن وجدت، هذا على عكس اللاجئين المتواجدين في الأردن ولبنان ومصر والعراق فالكثير منهم في الأردن ولبنان يعيش في مخيمات اللجوء وبظروف سيئة، بينما في مصر فقد أتيحت لهم فرص العمل بشكل واسع وأسسوا هناك مصانع وفتحوا المطاعم والشركات والمصانع، بل بات المصريون يتباهون بما قام به السوري من إنجاز على صعيد العمل، يقول أسامة.
إعادة اللاجئين ورقة ضغط
بعض التطورات الأخيرة التي حدثت في بعض بلدان اللجوء للسوريين، وما قامت به الدانمارك وهولندا وما تلوح به أحزاب اليمين المتطرف في ألمانيا بمسألة الترحيل إلى مناطق آمنة شكلت قلقا لكثير من اللاجئين الذين عملوا على تأسيس حياتهم هناك بطريقة أو بأخرى، ريثما يعود بلدهم آمنا، وتستقر فيه الأوضاع الحياتية بشكل جيد، وفي هذا الصدد أوضح المحامي السوري المختص في قضايا اللاجئين في فرنسا زيد العظم، أكد في تصريحات سابقة لـ 'القدس العربي' أن 'الفقرة الأولى من المادة 33 لاتفاقية جنيف للاجئين الموقعة عام 1951 تنص على ما يلي: لا يجوز لأية دولة موقعة أن تطرد لاجئا أو ترده بأية صورة من الصور إلى حدود الأقاليم التي تكون حياته أو حريته مهددتين فيها بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى أي فئة اجتماعية معينة أو بسبب آرائه السياسية'.
لذلك فإن دولة كالدنمارك، وبصفتها طرفا موقعا على اتفاقية جنيف المتعلقة باللاجئين عام 1951 وموقعة على بروتوكول 1967 المتمم لاتفاقية جنيف، لا يمكنها 'قانونيا' طرد اللاجئين السوريين أو ترحيلهم.
واستطرد: 'لذا فقرار وزارة الهجرة واللجوء في الدنمارك، هو قرار إداري مشوب ابتداء وواجب الإبطال ولا يستند إلى أي مرجع أو سند قانوني، وهو قرار قابل للطعن أمام القضاء الإداري الدنماركي، على اعتباره مخالفا لالتزام الدولة في اتفاقية اللاجئين، كما أنه قابل للطعن والإبطال أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في حال توجه القضاء الإداري بتأييد هذا القرار'.
من جهة أخرى، إن مثل هذا النوع من القرارات الإدارية الجائرة والمجحفة بحق اللاجئين السوريين في الدول الأوروبية، هو نتيجة تسييس ملف اللاجئين الملف الذي يوصف بأنه الأكثر رخاوة في حقل التجاذبات السياسية والمزايدات التي يستثمر بها عدد من أحزاب اليمين المتشدد في مجموعة من الدول الأوروبية.
ويضيف الناشط الحقوقي سهيل غازي، الذي يهتم بشؤون اللاجئين في أوروبا والمتخصص بالدراسات الاجتماعية، أن تركيا أيضا تستعمل اللاجئين كورقة ضغط على الدول الأوروبية وحتى على الحكومة السورية وذلك لرغبات سياسية باتت واضحة للجميع، والضحية هو اللاجئ وعائلته، حيث يتأثرون سلبا بهذه القرارات حتى ولو كانت من باب الإشاعات والتلويح بالضغط على الحكومات من قبل أحزاب اليمين المتشدد في
تلك الدول، ويعتبر هذا انتهاكا واضحا لكل الأعراف والقوانين الدولية وهناك منظمات حقوقية تحاول منع ذلك بالتعاون مع وسائل الإعلام، ويكفي ما يعانيه المواطن السوري من تهجير ونزوح ولجوء وقسوة معيشة وظلم من قبل بعض الناس الذين يرون فيه شخصا غير مرغوب به، وهذه بحد ذاته معاناة نفسية كبيرة.
من جهتها، منظمة العفو الدولية، خرجت ببيان رسمي لمطالبة الدنمارك بالتراجع عن قرار ترحيل السوريين إلى بلادهم وعدم استهداف الذين اضطروا إلى مغادرة سوريا
جراء العنف، معتبرة أن قرار السلطات في الدنمارك ترحيل السوريين 'غير مقبول'.
وقاطعت عدد من الدول الاوربية والغربية مؤتمر لعودة اللاجئين السوريين عقد العام الفائت في دمشق وشدد جوزيب بوريل وزير خارجية التكتل الأوروبي حينها على
أن 'الشروط الحالية في سوريا لا تشجع على الترويج لعودة طوعية على نطاق واسع
ضمن ظروف أمنية وكرامة تتماشى مع القانون الدولي'. واستدلّ بوريل بعمليات
العودة 'المحدودة' التي سجلت خلال الفترة الماضية كدليل 'يعكس العقبات الجمة
والتهديدات أمام عودة اللاجئين والنازحين' وبينها 'التجنيد الإجباري والاعتقال العشوائي والاختفاء القسري'.
توزع اللاجئين السوريين في العالم
بحسب أرقام المفوضية السامية للأم المتحدة لشئون اللاجئين، ومنذ اندلاع الحرب في سوريا، وصلت نسبة اللاجئين السوريين إلى 8.25% من نسبة اللاجئين عالميا حتى
نهاية عام 2019، لتصنف سوريا بذلك بلد المنشأ الأول للاجئين منذ العام 2014.
وذكر تقرير المفوضية السامية، أن عدد اللاجئين السوريين وصل إلى نحو 6.7 مليون لاجئ موزعين في 130 دولة، ويتركز 83% من اللاجئين السوريين في دول المنطقة العربية والجوار السوري، ويعيش 1.8مليون منهم في المخيمات، وأكثر من 66 بالمئة منهم من الأطفال والنساء وحوالي 1.6 مليون طفل دون سن العاشرة يعيشون في المنطقة و2.4 مليون طفل خارج المدرسة و1.6 مليون طفل معرضون للتوقف عن الدراسة و9 من بين 10 لاجئين سوريين يعيشون في فقر مدقع حسب تقرير للأمم المتحدة صادر بتاريخ مارس 2021.
وذكر التقرير أن أكثر من 5.6 مليون لاجئ سوري في العالم ويتواجد في تركيا 3.6
ملايين ولبنان 914 ألف والأردن 660 ألفا والعراق 250 ألف وفي مصر 150 ألف
لاجئ.
وفي أوروبا يعيش حوالي أكثر من مليون سوري كلاجئين ففي ألمانيا 790 ألف (ويمثلون خامس أكبر نسبة لاجئين في العالم) والسويد 130 ألف وهولندا 47 ألف والنمسا 58 ألفا والدانمارك 22 ألف وهنغاريا 78 ألف وبلجيكا 28 ألف والنمسا 58 ألف وفرنسا 27 ألف واليونان 80 ألف وبلغاريا 22 ألف.
ويوجد أكثر من 100 ألف سوري في أمريكا وكندا، وهناك أرقام أخرى لعدد محدود من السوريين في بقية دول العالم.
هجرة الكوادر
هذه الاعداد الهائلة من السوريين المتوزعين في العالم بينهم خبرات مهنية وكوادر علمية وكفاءات بشهادات علمية جامعية ومادون، وبحسب دراسة لمعهد بحوث العمالة (IAB)، والمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF)، والمعهد الألماني للبحوث الاقتصادية (DIW برلين) فإن 40 في المئة من السوريين الذين تقدموا بطلبات لجوء في ألمانيا بين عامي 2013 و2016 هم من الحاصلين على شهادة الدراسة الثانوية وما فوقها، ويتصدر الأطباء السوريين لائحة الأطباء الأجانب في ألمانيا حيث يتواجد فيها 5289 طبيبة وطبيبا من سوريا بحسب إحصائية نقابة الأطباء الاتحادية في ألمانيا من اللاجئين فقط وهذا العدد لا يشمل حاملي الجنسية الألمانية.
قصص النجاح
كثيرة هي قصص النجاح التي حققها اللاجئون السوريون في دول اللجوء، وتحتاج إلى ملفات كثيرة، نتيجة اجتهادهم ومواظبتهم على العمل، ويكفي أن تتصفح المواقع الالكترونية لتسمع شهادات المصريين عن نجاح السوريين في سوق العمل والمصانع والتجارة، وأن تقرأ عن المهارات التي يتقنها العامل الحرفي السوري ونقلها معه إلى تركيا وبقية الدول، وقصص تفوق كثير من السوريات والسوريين في أوروبا، والتي يفتخر بها الأوربيون أنفسهم، فالمعاناة ولدت النجاح، ففي لندن استطاعت سورية ان تحصل على شهادة قيادة طيارة، وكذلك على أن تكون قبطان باخرة، والتفوق الدراسي ملحوظ جدا، ويعود هذا كما قالت لنا سهى محمود 28 سنة المقيمة في هولندا والتي استطاعت أن تقوم بنشاط تجاري مهم في تصنيع الأغذية والحلويات السورية بمساعدة عائلتها، كما استطاعت بتول أن تكمل دراستها الجامعية في احدى جامعات لايبزغ، ويتابع باسل تحصيله العلمي في كلية الاعلام ببرلين، حيث يقول أن الفرص المتاحة لنا كلاجئين كثيرة والشاطر من يحسن استغلالها، وأتمنى من كل لاجئ سوري أن يقدم صورة طيبة عن سلوكه ومواظبته على العلم والعمل.
اختلاف الوضع
ليس واقع اللاجئين متشابه تماما ففي كل بلد هناك حالات معينة، وما تحدثنا عن بعضه غالبيته في دول أوروبا ولكن هناك عدد كبير جدا في دول الأردن وتركيا ولبنان ومصر والعراق الذين لا يزالون يعيشون أوضاعا مختلفة وعلى المعونات المقدمة من قبل المنظمات الدولية حيث تقول الأمم المتحدة أن 'التعامل مع هذه الأعداد الهائلة من اللاجئين لا يزال يشكل تحدياً، حيث أن هناك حالياً حوالي 6.5 مليون لاجئ سوري مسجلين في المنطقة بالإضافة إلى ما يقرب من مليون طفل مولود حديثاً خلال فترة النزوح'.
ونقل البيان عن مدير إدارة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والمنسق الإقليمي للاجئين لسوريا والعراق أمين عوض قوله إن 'غالبية هؤلاء الأطفال البالغ عددهم مليون طفل ولدوا في وضع يشيع فيه الفقر والبطالة ويشهد حالات زواج مبكر وعمالة أطفال ولا يكون فيه التعليم مؤمناً لهم دائما'.
وأضاف أنه 'من الضروري أن يستمر المجتمع الدولي في الاعتراف بمحنة اللاجئين السوريين وتوفير الدعم الأساسي للمجتمعات المستضيفة والشركاء في خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين وتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات لمساعدتهم في تحمل هذا العبء الهائل إلى حين العودة الطوعية بأمان وكرامة'.