ثقافة

أجراس: مؤسسة عهد .. والاهتمام بالتراث والثقافة

1664546
 
1664546
حسن المطروشي -

أصدرت وزارة التنمية الاجتماعية مؤخرا قرارا بإشهار (مؤسسة عهد) لدعم المرأة وذوي الإعاقة وأصحاب الدخل المحدود. وهي تحمل اسم «عهد»، تيمنا باسْم السيدة الجليلة عهد البوسعيدية، حرم جلالة السلطان- حفظه الله ورعاه.

وقد اشتمل نظام المؤسسة على أربعة أهداف رئيسية لها، يتمثل أولها في تعزيز قيم المواطنة والهوية والتراث والثقافة والوطنية. إلى جانب ثلاثة أهداف أخرى وهي تقديم ودعم مبادرات وخدمات الرعاية الاجتماعية للأسر والأفراد، ودعم العمل المجتمعي والإنساني لخدمة المسنين والأيتام، ودعم مبادرات التمكين المجتمعي، خاصة ذات العلاقة بالمرأة والأشخاص ذوي الإعاقة والدخل المحدود، ودعم الجمعيات الأهلية المهتمة بتقديم خدمات التأهيل والرعاية الاجتماعية للأسرة.

ومما لا شك فيه أن هذه الأهداف جميعها تحظى بأهمية عليا من جميع النواحي الوطنية والاجتماعية والإنسانية المختلفة. ولكن ما يهمنا في هذه المقالة هو الهدف الأول، الذي يتعلق بالهوية والتراث والثقافة، وهو أمر لافت حقا وجدير بالاحتفاء. إذ أننا نادرا ما نجد مؤسسة ذات أهداف خيرية وإنسانية واجتماعية بحتة، تضع الهوية والتراث والثقافة ضمن أهدافها، ناهيك عن أن يكون ذلك في سلم وأولوياتها.

ويغلب على تقديرنا أن الأهداف الأربعة تمثل جانبا من الاهتمامات الشخصية للسيدة الجليلة. فإنه وفقا لما تيسر لنا الاطلاع عليه من السيرة الكريمة للسيدة ومسيرتها التعليمية واهتماماتها، يتبين لنا بأنها محبة للقراءة والاطلاع، لاسيما في مجال الثقافة والأدب والفكر والتاريخ والفنون، إلى جانب اهتمامها الأساسية بالجوانب الاجتماعية والإنسانية والأعمال الخيرية بشكل عام.

وتأسيسا على ذلك، فإن رهانات نجاح هذا الصرح الإنساني والثقافي تصبح قوية جدا، إذ أنها تقوم على قناعة عميقة واهتمام شخصي من لدن السيدة المؤسِّسة التي تولي هذه القيم العليا اهتماما خاصا، وتكرس من أجلها الكثير من الجهود المخلصة وتبذل في سبيل تمكينها الكثير من المساعي الطيبة الحميدة.

وحين نتحدث عن رهانات النجاح الواقعية ومقوماتها العملية فإننا لا بد أن نتحدث عن مؤسسة ذات إمكانيات مالية ممتازة، تتكون مواردها، وفقا لنظامها، من المبلغ المخصص من قبل المؤسسة بمقدار (1,000,000) مليون ريال عماني نقدي، يجوز استثماره في أي عمل يدر ربحا مجزيا للمؤسسة، إلى جانب ريع أموال المؤسسة العينية والنقدية. والوصايا والهبات وأية مساعدات أخرى تقدم للمؤسسة. بالإضافة إلى الإيرادات الأخرى التي يوافق عليها مجلس الإدارة. وبالتالي فنحن أمام مؤسسة تحظى، إلى جانب الدعم السخي، بنظام مالي مرن يتيح للراغبين المساهمة في إيراداته وتعزيز إمكانياته وتمكينه من أجل النهوض برسالته الإنسانية والاجتماعية والثقافية السامية.

ولعله ما زال من المبكر الآن الحديث عن برامج هذه المؤسسة وأنشطتها، خصوصا في الشق الثقافي والتراثي، ولكننا انطلاقا من إيماننا الراسخ بأهمية هذه المؤسسة الرائدة، والتزاما منا بالتفاعل مع كل ما من شأنه خدمة الثقافة في هذا الوطن المعطاء، فإننا نورد في هذه المقالة بعض ما يمكن مناقشته أو طرحه في خطة عمل المؤسسة، وذلك استنادا إلى مشاهداتنا واطلاعنا واحتكاكنا بالعمل الثقافي محليا وخارجيا، من أجل الاستفادة من هذه التجارب والبناء والإضافة عليها، خدمةً للأهداف العليا للمؤسسة، وهي الغايات الإنسانية والاجتماعية. وننطلق هنا من رؤيتنا بأننا نتوقع أن يكون العمل الثقافي والتراثي منسجما مع الرؤية العامة للمؤسسة ويتماشى مع مساعيها الأساسية الرامية إلى تحقيق عمل مجتمعي وإنساني نوعي وفق المثل والقيم السامية التي تحددها بوضوح الأهداف الرئيسية التي وضعت من أجلها.

ورغم قناعتنا وإدراكنا بعدم تمكننا هنا من طرح خططِ عملٍ وأفكارٍ مفصلةٍ، نظرا لأنه ليس هنا مكان طرحها، فإننا سنورد بعض ما يمكن النظر فيه كمقترحات أولية ربما تكون قابلة للنقاش والدراسة. ويتمثل بعض هذه المقترحات في تنظيم فعاليات مغايرة لنظام الفعاليات السائدة لدينا، التي تنظم على أساس تقليدي، وتفتقر للحضور الجماهيري. إنه بإمكاننا تنظيم مهرجانات ثقافية وفنية وموسيقية وتراثية سنوية، ذات صفة مستدامة، يكون الدخول إليها بالتذاكر المدفوعة، بحيث يعود ريع مبيعاتها إلى موازنة المؤسسة، شريطة أن تستضيف شخصيات ثقافية وفنية وأدبية بارزة وذات حضور إعلامي وجماهيري كبير. ومن أجل تحقيق ذلك يتعين تضافر عدة جهات في الدعم والمؤازرة، مثل شركات الطيران والفنادق والمؤسسات السياحية والثقافية والإعلامية الأخرى، كل في مجال اختصاصه. وهناك تجارب إقليمية رائدة في هذا المجال، وقد واطلعنا على بعضها، وهي تحقق نجاحا كبيرا، ويمكن الاستئناس بها والاستفادة منها.

وفي هذا السياق يمكن أيضا تنظيم معارض وورش تشكيلية وفوتوغرافية نوعية ذات طابع مبتكر، تخصص مبيعاتها كاملة للمؤسسة، أو بنسب محددة، يجري الاتفاق بشأنها مع المصورين والرسامين والنحاتين المشاركين.

إلى جانب ذلك، ربما يكون إطلاق جائزة سنوية باسم المؤسسة، لخدمة التراث والثقافة، من الأمور التي يمكن طرحها على مائدة النقاش. وتشتمل هذه الجائزة على عدة مجالات مثل الشعر والرواية والترجمة والدراسات. على أن تخصص للكتب المخطوطة، غير المطبوعة. وعند طباعة الأعمال الفائزة تحمل هذه الكتب على أغلفتها عبارة تنص على ما يفيد بفوزها بهذه الجائزة، مع ضرورة تحديد الدورة والعام. وهنا يمكن أن تشارك المؤسسة بركنها الخاص في معرض مسقط الدولي للكتاب من أجل تسويق إصداراتها والتعريف بأهدافها وبرامجها المختلفة، ويذهب ريع هذه الإصدارات لخدمة الأهداف الإنسانية والاجتماعية للمؤسسة.

ويتوجب علينا أن نشير هنا إلى أنه ليس من الضرورة إقامة الكثير من الفعاليات طوال العام، بقدر ما ينبغي التركيز على الأعمال النوعية ذات المردود الثقافي والإنساني والمادي الذي يعود بالنفع على أعمال الجائزة، وبالتالي على المؤسسة.

إن المقترحات كثيرة متشعبة، ولكننا لسنا هنا بصدد طرح برامج عمل وتقديم مقترحات وآراء، قد تكون خارج الحسابات أصلا، بقدر ما نسعى إلى تسجيل موقف تقدير وإعجاب بهذه المبادرة التي جمعت بين الثقافة والتراث والهوية والإنسان في مطالبه الإنسانية الأولى، ممثلة في العيش الكريم والاستقرار الأسري وتحقيق السعادة في هذه الحياة.