أنساغ - «أصابع: فيلمٌ شخصيٌّ»: عن الخلفية، والهواجس، والطموح
الثلاثاء / 26 / شوال / 1442 هـ - 20:33 - الثلاثاء 8 يونيو 2021 20:33
«إن الفيلم قديم قبل أن يولد» (أندريه تاركوفسكي، «النحت في الزمن: تأملات في السينما»).
(١)
فلأبدأنَّ بالقول انني أعتبر نفسي منتمياً بتجذُّر داخلي عميق إلى الجيل المغدور («الأفراد المغدورون» قد يكون تعبيراً أكثر دقة لأن المرء يشعر باطراد أنه لا ينتمي إلى أي جيل بسبب كل ما حدث، وبسبب كل ما لم يحدث، ولا تستطيع جملة اعتراضيَّة استيعاب ما هو أكثر من هذا).. «أنتمي»، إذاً، إلى إرث هموم الستينيات والسبعينيات من عقود القرن المنصرم، وأعني بصورة خاصة مسألة «الثورة والتغيير» (سياسيّاً) و«البوح والتعبير» (فنيّاً): هل وكيف لهما أن يتَّحدا، ينفصلا، يتقاطعا، يتنافرا، يتشاكسا، يغتربا؟. وقد أدركت مع مرور الوقت وتدرُّج ما أمكن التَّأتي عليه من نزر النضج، والمراس، والقناعات التي أصبح بعضها راسخاً بما فيه الكفاية أن ما هو «ثوري» (أيديولوجيّاً) يختلف تماماً عن «الثوري» (جماليّاً)؛ وذلك بمعنى أن الثاني ليس تابعاً، ولا خادماً للأول، وليس معنيَّاً على الإطلاق بأولوياته وبرنامجه؛ فـ«الشِّعر [وقِسْ على ذلك من آداب وفنون] لا يهتم بالواجب إلا صدفة» كما في رؤية إدغَر ألن بو. ولعلي لا أبالغ وأشطح كثيراً حين أقول إن الخلط بين ذينك الأمرين –الثورة والتغيير الاجتماعي من جهة والتعبير الجمالي الفردي من جهة أخرى- هو أحد أسباب إخفاق الدولة الوطنية العربية، وفشل اليسار العربي (أو، في الأقل، هو من المآزق الكبرى لذلك اليسار). هكذا اتضحت لي أهمية فردانيَّة التجربة الإبداعية واستقلاليتها عن كل ما سواها؛ ففي معاقرة الإبداع أو محاولته ليس المرء إلا وحده، وحده تماماً، ولن ينجده أي أحد، ومن الأفضل لكرامته ومراميه ألا يطلب أيَّة «فزعة» (وكأن المرء بحاجة إلى مزيد من الفزع أصلا). والحقيقة أن حضور الآخرين في ذلك المسعى غير مُرَحَّب به على الإطلاق، إلا من باب الاعتبارات الجماليَّة والفنيَّة باعتبار أن المبدع هو أحد كائنات العالم الذي لا يقيم كبير وزن له في الأساس. العالم (منذ ما صرنا نقرأ اليوم عن الاكتشافات السوسيولوجية والأنثروبولوجية المذهلة) كان دوماً معنياً بفكرة «المجموع» (وهذا عادل بما فيه الكفاية)، لكن «الفرد» (المبدع خاصة) ليس أكثر من مجرد سقط متاع في وجهة نظر العالم. لا أحد سيهتم بنداءآته، وتحذيراته، واستغاثاته إلا بعد مئات أو آلاف السنين (هذا فقط إذا كانت درجته من الحظ الوفير عالية جداً إذ «لم تتعلم البشرية شيئاً من الآداب والفنون على الإطلاق» كما في حسرة تاركوفسكي).
تخصصي الأكاديمي في دراسة الفلسفة تزامن مع تغير صوتي في المحاولات الأدبيَّة (في الشعر، والقصة القصيرة، وما يسمونه «النص المفتوح»، بل والكتابة عموماً بما في ذلك المقالة)، وأظن أن ذلك قد حدث من باب المصادفة فقط، إذ لا أشعر بتأثير مباشر لدراسة الفلسفة على محاولاتي الإبداعية الصغيرة. وعلى الرغم من أنه لن يكون سوى ضرباً من محاولة الاصطياد في الماء العكر اتهامي بالمقارنة التشبيحيَّة فإن تشومسكي يثيرني كثيراً في إصراره على أن تخصصه الراسخ وإنجازاته الباهرة في مجال فلسفة اللسانيَّات ليس لديها كبير علاقة بانخراطاته ومؤلفاته السياسية (هذا غريب حقَّاً). لكن، فلأعد إلى الشأن الأصل.
لقد صرت قريباً من «الذاتي»، بعيداً عن صخب الشعارات الخارجية (ووجاهتها ومشروعيتها أيضاً) حين تطغى تلك المقولات على الصوت الداخلي للمبدع، من دون أن يعني ذلك عدم اعتناق قضية سياسية (للأمانة فإني أميل إلى تسمية اعتناقاتي ومواقفي السياسية «قضايا أخلاقيَّة وإنسانيَّة جوهريَّة» وذلك في أقصى نأي ممكن بالروح عن الأيديولوجيا «التي غَلَبَتْها الحقائق» كما يرى غرامشي) أو مبدأ يتعلق بالمجموع ويرتبط بمصيره، والإخلاص والتضحية لما يفرضه الالتزام الأخلاقي والإنساني خارج ركام ونزف المعاناة الشخصية الخاصة التي لا تشبه الآخرين، ولا يعنيها ذلك في المقام الأول إذ «للفرد قدس الأقداس الذي لا يُمس» حسب سورين كِركغارد. وفي الوقت نفسه ازداد شغفي بالسينما التي وجدت فيها عزائي من حيث انها تتيح آفاقاً رحبة للحرية التعبيرية، وقد صادف ان «اكتشافي» للسينما قد اقترن بزلزلة معينة في حياتي الشخصية/ الموضوعيَّة، فقد كنت على وشك مغادرة العالم حين «اكتشفتُ» واحداً من أعلى التجليات الروحيَّة للسينما (تاركوفسكي تحديداً). ولهذا كانت السينما مجال دراستي العليا.
لقد أوردت الخلفية أعلاه بصورة مختصرة لأنها تمثل حصيلة أكثر من أربعين عاماً من التجربة، وإعادة انتاجها، ونقدها الذاتي. تلك الخلفية هي التي انجبت «أصابع: فيلم شخصي». لكن الحديث عن الفيلم نفسه يصعب عليَّ لأن من الأفضل أن يقدم العمل نفسه بنفسه ليُقَيِّمه النقاد والمُحَكِّمون، خاصة وأنه لا يتضمن «قصة» بالمعنى المألوف (مع انني أزعم انه فيلم روائي)، لكن لعلي أستطيع قول التالي:
يزعم «أصابع: فيلمٌ شخصيٌّ» انه «فيلم تجريبي» (بعض المهرجانات السينمائية التي قُبل فيها الفيلم في فئة «اختيار رسمي» صنَّفته «تجريبياً» وفقاً لمقاييسها واعتباراتها، والحقيقة هي أن إحدى المعضلات هي أنه ليس هناك من تعريف جامع مانع ودقيق لمفهوم «الفيلم التجريبي» [experimental film]، والأمر نفسه ينطبق على «الفيلم الطليعي» [avant-garde film]، و«سينما الحد الأدنى» [minimalist cinema]، فالوازع دوماً هو ما يقوله روبير بريسون: «إن من يستطيع العمل بتوافر الحد الأدنى يستطيع العمل بتوافر الحد الأقصى، أما من لا يستطيع العمل إلا بتوافر الحد الأقصى فإنه حتماً لن يستطيع العمل بتوافر الحد الأدنى»، و«فيلم الـ underground» الذي قبلت فيلمي أحد مهرجاناته في البرازيل مؤخراً). سأختصر المزاعم بقول قناعتي: على كل عمل أدبي/ فني محاولة أن يكون «تجريبياً»، و«طليعيَّا»، و«قادماً من تحت الأرض» (دوستويفسكي سيسعفنا هنا)، وفيه الـ«multum in parvo»/ الكثير في الحيِّز الضئيل؛ فالتثاؤب من مهمات الأموات فحسب.
ثمَّة في الفيلم مقاطع من نصوص شعرية لقيس بن الملوح، وبدر شاكر السيَّاب، وقسطنطين كافافيس، وأخرى لي تأتي في «مُجَاوَرَة» (juxtaposition) جنباً إلى جنب مع صور فوتوغرافية ومقولات في الخلفية الصوتية لكارل ماركس، ولينين، وجان—لوك غودار، وفردرِك نيتشه، وروبير بريسون (وهذا ليس جديداً في السينما على الإطلاق). وتلكم المقاطع تُجاور بدورها مقاطع من أفلام لبيير باولو بازوليني، وأندريه تاركوفسكي، وسيرغي بارادجانوف ضمن نسيج السرد غير المركزي.
وكذلك فإن بعض ما أستطيع قوله هو أن هذا الفيلم يطمح إلى محاورة «سينما المؤلِّف» الأوروبية ليصل إلى محاولة تحقيق «الفيلم الشخصي» عبر محاورة أخرى لـ «السينما الثالثة» ذات المنشأ الأمريكي اللاتيني وذلك بالتوكيد على نسخة خاصة من «الجمالي» من دون التضحية بـ«السياسي» (فيما يخصني: «الأخلاقي والإنساني»). ومع أن «التركيب المشهدي» (mise-en-scene) في «أصابع» ينتمي إلى «جزيل الممكن المتاح» فقد سعيت إلى أن يكون شعريَّاً بالمعنيين الحرفي والمجازي (لا يكفي ورود أشعار في فيلمٍ ما ليكون «شِعرياً»؛ فالشِّعر في السينما له «منطق» كما يرى من يوصف في بعض الأدبيَّات السينمائية بأنه «أب السينما الشعريَّة»: تاركوفسكي). وفي هذا فقد كان يقلقني دوماً ان السينما لم تهتم بالكولاج (ربما باستثناء حالات نادرة جداً لا نجدها إلا بشق الأنفس حتى في الأراشيف المتخصصة في الجامعات ومراكز البحوث)، وذلك على عكس الحضور الغامر للكولاج في الفنون التشكيلية، بل وحتى الأدب، مثلاً.
سأزعم ببعض الثقة أن «الفيلم الكولاجي» لا يزال «نقطة عمياء» حتى في الإنتاج السينمائي البديل (بل وحتى في النقاشات الأكاديمية والنظرية السينمائية الرفيعة). وبهذا فقد رأيت في الكولاج انعكاساً بصرياً لفكرة النص المفتوح/ الكتابة اللامنتمية في الأدب، فاقتنعت بمغادرة الفهم الجامد لـ «الجنس» (genre). وعموماً فإن هذا الطموح المشتهى لا يعني بأنه قد تحقق بالضرورة في الفيلم، والأرجح انه لن يتحقق بصورة مثاليَّة في أي فيلم آخر (ففي الإبداع أيضاً ليست الأعمال بالنيَّات)، لكن هذا لا يعفي من مهمة الحلم، بل يجعله ضرورياً أكثر.
يحاور «أصابع: فيلمٌ شخصيٌ» مسألة «الانعكاسيَّة الذاتيَّة» (self-reflexivity)، ففي نهاية المطاف، ومنذ العنوان الجانبي، هو «فيلمٌ شخصيٌّ». والحقيقة ان هذا يعود إلى اهتمامي بموضوع «التمثيل» (representation) استفادة من مفهوم «تأثير الاغتراب» (alienation-effect) لدى بريخت في المسرح ومفهوم «الفيلم المقالي» (film-essay) لدى غودار في سينما الموجة الجديدة الفرنسية. وبذلك فإن «أصابع» يأتي في محاولة (لها ما لها وعليها ما عليها) تقع ضمن ذلك الاهتمام كما تم التعبير عنه في فيلمي القصير الأسبق «هذا ليس غليوناً» الذي حاولت فيه مؤاخاة قصيدة لبودلير، وأخرى لإدغَر ألن بو، ولوحة تشكيليَّة لرينيه ماغريت، ومقطوعة موسيقية لمنير بشير.
تعمدتُ «النغمة الوتيريَّة» (monotone) في الفيلم على عدة مستويات منها الحوار بين الشخصيتين (رجل وامرأة) الحاضرتين صوتيّاً/ الغائبتين بصريّاً في السرد، وفي هذا أجريت الكثير من التدريبات الصوتية للمؤدِّين (ولا أقول «الممثلين») للوصول إلى درجة «اللاطبيعيَّة» المطلوبة لمناخ ومزاج الفيلم (حتى ردة الفعل على نكتة بذيئة في السرد تكون باردة وميكانيكيَّة، بل إن فيها ضجر واضح، وذلك بدلا من أن تثير قهقهة مجلجلة)، هذا بينما يكتسي صوت «السارد المُعَلِّق» (commentating narrator) (وهو امرأة أخرى) نبرة عاطفية في إلقاء الاقتباسات الشعريَّة والنثريَّة. وبالتباين، فقد سعيت في الوقت نفسه إلى انتهاك «السرد الخطّي» (linear narrative) لصالح «السرد المُشَظَّى» (fragmented narrative) لأسباب تتعلق باعتقادي أن سرد الحياة اليوميَّة ليس سرداً خطيَّاً كما تحاول أن توهمنا لغة السينما التجاريَّة السائدة (والتَّشظِّي أصلاً من طبيعة المعرفة في الفلسفة). وفي هذا ارتأيت ان «سوناتا ضوء القمر» لبيتهوفن هي الأصلح للتعبير الموسيقي المواكب إذ إن ليس فيها «صعود» أو «هبوط» ملحوظ، بحيث حاولت أن أدغمها مباشرة لتصبح عنصراً «ثيماتيّاً» وليس «موتيفيّاً» فحسب.
تسعى السينما الاستهلاكية لتكريس «المونتاج الأفقي»(horizontal editing)، غير انني في «أصابع: فيلم شخصي» أسعى أكثر نحو «المونتاج العمودي» (vertical editing)، وذلك لكسر التوقع الاعتيادي كما يحدث عند سماع صوت إطلاق نار من خارج الشاشة (off screen) مصحوباً بصوت رفرفة ليتولد انطباع بأن الأمر يتعلق بقنص طائر، ولكن يتضح غير ذلك تماماً من خلال الحوار بين الشخصيتين الحاضرتين صوتيّاً/ الغائبتين بصريّاً، حيث ينجلي الأمر عن ان صوت الرصاصات إنما يتعلق بتنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص بصديق الراوي.
في ثقافتنا العربية يراق الكثير من الحبر حول موضوعات من قبيل «الهوية»، و«الأصالة»، و«المعاصرة»، و«التقليد»، و«الحداثة»، و«العولمة». وفي هذا يحاول «أصابع: فيلم شخصي» أن يترجم، ولو بصورة متواضعة، قناعاتي الشخصية حول ذلك بأن ما هو «محلي» لا يستطيع الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك إلا إذا كانت آفاقه «إنسانية» في بعدها الكوني، وأن ما هو «عالمي» لا يمكن فرضه على هذا الأساس إلا إذا كان منسجماً مع هو «محلي» في الوشائج الجماليَّة والأخلاقيَّة. وربما كان التعبير عن ذلك واضحاً عند نهاية «أصابع: فيلم شخصي» حيث يحدث تَجاورٌ آخر لعناصر تبدو غير منسجمة مع بعضها البعض للوهلة الأولى: مقطع من أغنية لفيروز («شايف البحر شو كبير»، وكان قد ورد في بداية الفيلم)، ومقطع من قصيدة نبطيَّة لراشد الخضر، و«سوناتا ضوء القمر» لبيتهوفن، وصوت قلب يخفق بنفس الطريقة التي يخفق بها قلبي، وقلبك، وقلوب كل البشر.
(٢)
«في المخاطرة جزء من النجاة» (ابن عربي، «الفتوحات المكيَّة»).
(١)
فلأبدأنَّ بالقول انني أعتبر نفسي منتمياً بتجذُّر داخلي عميق إلى الجيل المغدور («الأفراد المغدورون» قد يكون تعبيراً أكثر دقة لأن المرء يشعر باطراد أنه لا ينتمي إلى أي جيل بسبب كل ما حدث، وبسبب كل ما لم يحدث، ولا تستطيع جملة اعتراضيَّة استيعاب ما هو أكثر من هذا).. «أنتمي»، إذاً، إلى إرث هموم الستينيات والسبعينيات من عقود القرن المنصرم، وأعني بصورة خاصة مسألة «الثورة والتغيير» (سياسيّاً) و«البوح والتعبير» (فنيّاً): هل وكيف لهما أن يتَّحدا، ينفصلا، يتقاطعا، يتنافرا، يتشاكسا، يغتربا؟. وقد أدركت مع مرور الوقت وتدرُّج ما أمكن التَّأتي عليه من نزر النضج، والمراس، والقناعات التي أصبح بعضها راسخاً بما فيه الكفاية أن ما هو «ثوري» (أيديولوجيّاً) يختلف تماماً عن «الثوري» (جماليّاً)؛ وذلك بمعنى أن الثاني ليس تابعاً، ولا خادماً للأول، وليس معنيَّاً على الإطلاق بأولوياته وبرنامجه؛ فـ«الشِّعر [وقِسْ على ذلك من آداب وفنون] لا يهتم بالواجب إلا صدفة» كما في رؤية إدغَر ألن بو. ولعلي لا أبالغ وأشطح كثيراً حين أقول إن الخلط بين ذينك الأمرين –الثورة والتغيير الاجتماعي من جهة والتعبير الجمالي الفردي من جهة أخرى- هو أحد أسباب إخفاق الدولة الوطنية العربية، وفشل اليسار العربي (أو، في الأقل، هو من المآزق الكبرى لذلك اليسار). هكذا اتضحت لي أهمية فردانيَّة التجربة الإبداعية واستقلاليتها عن كل ما سواها؛ ففي معاقرة الإبداع أو محاولته ليس المرء إلا وحده، وحده تماماً، ولن ينجده أي أحد، ومن الأفضل لكرامته ومراميه ألا يطلب أيَّة «فزعة» (وكأن المرء بحاجة إلى مزيد من الفزع أصلا). والحقيقة أن حضور الآخرين في ذلك المسعى غير مُرَحَّب به على الإطلاق، إلا من باب الاعتبارات الجماليَّة والفنيَّة باعتبار أن المبدع هو أحد كائنات العالم الذي لا يقيم كبير وزن له في الأساس. العالم (منذ ما صرنا نقرأ اليوم عن الاكتشافات السوسيولوجية والأنثروبولوجية المذهلة) كان دوماً معنياً بفكرة «المجموع» (وهذا عادل بما فيه الكفاية)، لكن «الفرد» (المبدع خاصة) ليس أكثر من مجرد سقط متاع في وجهة نظر العالم. لا أحد سيهتم بنداءآته، وتحذيراته، واستغاثاته إلا بعد مئات أو آلاف السنين (هذا فقط إذا كانت درجته من الحظ الوفير عالية جداً إذ «لم تتعلم البشرية شيئاً من الآداب والفنون على الإطلاق» كما في حسرة تاركوفسكي).
تخصصي الأكاديمي في دراسة الفلسفة تزامن مع تغير صوتي في المحاولات الأدبيَّة (في الشعر، والقصة القصيرة، وما يسمونه «النص المفتوح»، بل والكتابة عموماً بما في ذلك المقالة)، وأظن أن ذلك قد حدث من باب المصادفة فقط، إذ لا أشعر بتأثير مباشر لدراسة الفلسفة على محاولاتي الإبداعية الصغيرة. وعلى الرغم من أنه لن يكون سوى ضرباً من محاولة الاصطياد في الماء العكر اتهامي بالمقارنة التشبيحيَّة فإن تشومسكي يثيرني كثيراً في إصراره على أن تخصصه الراسخ وإنجازاته الباهرة في مجال فلسفة اللسانيَّات ليس لديها كبير علاقة بانخراطاته ومؤلفاته السياسية (هذا غريب حقَّاً). لكن، فلأعد إلى الشأن الأصل.
لقد صرت قريباً من «الذاتي»، بعيداً عن صخب الشعارات الخارجية (ووجاهتها ومشروعيتها أيضاً) حين تطغى تلك المقولات على الصوت الداخلي للمبدع، من دون أن يعني ذلك عدم اعتناق قضية سياسية (للأمانة فإني أميل إلى تسمية اعتناقاتي ومواقفي السياسية «قضايا أخلاقيَّة وإنسانيَّة جوهريَّة» وذلك في أقصى نأي ممكن بالروح عن الأيديولوجيا «التي غَلَبَتْها الحقائق» كما يرى غرامشي) أو مبدأ يتعلق بالمجموع ويرتبط بمصيره، والإخلاص والتضحية لما يفرضه الالتزام الأخلاقي والإنساني خارج ركام ونزف المعاناة الشخصية الخاصة التي لا تشبه الآخرين، ولا يعنيها ذلك في المقام الأول إذ «للفرد قدس الأقداس الذي لا يُمس» حسب سورين كِركغارد. وفي الوقت نفسه ازداد شغفي بالسينما التي وجدت فيها عزائي من حيث انها تتيح آفاقاً رحبة للحرية التعبيرية، وقد صادف ان «اكتشافي» للسينما قد اقترن بزلزلة معينة في حياتي الشخصية/ الموضوعيَّة، فقد كنت على وشك مغادرة العالم حين «اكتشفتُ» واحداً من أعلى التجليات الروحيَّة للسينما (تاركوفسكي تحديداً). ولهذا كانت السينما مجال دراستي العليا.
لقد أوردت الخلفية أعلاه بصورة مختصرة لأنها تمثل حصيلة أكثر من أربعين عاماً من التجربة، وإعادة انتاجها، ونقدها الذاتي. تلك الخلفية هي التي انجبت «أصابع: فيلم شخصي». لكن الحديث عن الفيلم نفسه يصعب عليَّ لأن من الأفضل أن يقدم العمل نفسه بنفسه ليُقَيِّمه النقاد والمُحَكِّمون، خاصة وأنه لا يتضمن «قصة» بالمعنى المألوف (مع انني أزعم انه فيلم روائي)، لكن لعلي أستطيع قول التالي:
يزعم «أصابع: فيلمٌ شخصيٌّ» انه «فيلم تجريبي» (بعض المهرجانات السينمائية التي قُبل فيها الفيلم في فئة «اختيار رسمي» صنَّفته «تجريبياً» وفقاً لمقاييسها واعتباراتها، والحقيقة هي أن إحدى المعضلات هي أنه ليس هناك من تعريف جامع مانع ودقيق لمفهوم «الفيلم التجريبي» [experimental film]، والأمر نفسه ينطبق على «الفيلم الطليعي» [avant-garde film]، و«سينما الحد الأدنى» [minimalist cinema]، فالوازع دوماً هو ما يقوله روبير بريسون: «إن من يستطيع العمل بتوافر الحد الأدنى يستطيع العمل بتوافر الحد الأقصى، أما من لا يستطيع العمل إلا بتوافر الحد الأقصى فإنه حتماً لن يستطيع العمل بتوافر الحد الأدنى»، و«فيلم الـ underground» الذي قبلت فيلمي أحد مهرجاناته في البرازيل مؤخراً). سأختصر المزاعم بقول قناعتي: على كل عمل أدبي/ فني محاولة أن يكون «تجريبياً»، و«طليعيَّا»، و«قادماً من تحت الأرض» (دوستويفسكي سيسعفنا هنا)، وفيه الـ«multum in parvo»/ الكثير في الحيِّز الضئيل؛ فالتثاؤب من مهمات الأموات فحسب.
ثمَّة في الفيلم مقاطع من نصوص شعرية لقيس بن الملوح، وبدر شاكر السيَّاب، وقسطنطين كافافيس، وأخرى لي تأتي في «مُجَاوَرَة» (juxtaposition) جنباً إلى جنب مع صور فوتوغرافية ومقولات في الخلفية الصوتية لكارل ماركس، ولينين، وجان—لوك غودار، وفردرِك نيتشه، وروبير بريسون (وهذا ليس جديداً في السينما على الإطلاق). وتلكم المقاطع تُجاور بدورها مقاطع من أفلام لبيير باولو بازوليني، وأندريه تاركوفسكي، وسيرغي بارادجانوف ضمن نسيج السرد غير المركزي.
وكذلك فإن بعض ما أستطيع قوله هو أن هذا الفيلم يطمح إلى محاورة «سينما المؤلِّف» الأوروبية ليصل إلى محاولة تحقيق «الفيلم الشخصي» عبر محاورة أخرى لـ «السينما الثالثة» ذات المنشأ الأمريكي اللاتيني وذلك بالتوكيد على نسخة خاصة من «الجمالي» من دون التضحية بـ«السياسي» (فيما يخصني: «الأخلاقي والإنساني»). ومع أن «التركيب المشهدي» (mise-en-scene) في «أصابع» ينتمي إلى «جزيل الممكن المتاح» فقد سعيت إلى أن يكون شعريَّاً بالمعنيين الحرفي والمجازي (لا يكفي ورود أشعار في فيلمٍ ما ليكون «شِعرياً»؛ فالشِّعر في السينما له «منطق» كما يرى من يوصف في بعض الأدبيَّات السينمائية بأنه «أب السينما الشعريَّة»: تاركوفسكي). وفي هذا فقد كان يقلقني دوماً ان السينما لم تهتم بالكولاج (ربما باستثناء حالات نادرة جداً لا نجدها إلا بشق الأنفس حتى في الأراشيف المتخصصة في الجامعات ومراكز البحوث)، وذلك على عكس الحضور الغامر للكولاج في الفنون التشكيلية، بل وحتى الأدب، مثلاً.
سأزعم ببعض الثقة أن «الفيلم الكولاجي» لا يزال «نقطة عمياء» حتى في الإنتاج السينمائي البديل (بل وحتى في النقاشات الأكاديمية والنظرية السينمائية الرفيعة). وبهذا فقد رأيت في الكولاج انعكاساً بصرياً لفكرة النص المفتوح/ الكتابة اللامنتمية في الأدب، فاقتنعت بمغادرة الفهم الجامد لـ «الجنس» (genre). وعموماً فإن هذا الطموح المشتهى لا يعني بأنه قد تحقق بالضرورة في الفيلم، والأرجح انه لن يتحقق بصورة مثاليَّة في أي فيلم آخر (ففي الإبداع أيضاً ليست الأعمال بالنيَّات)، لكن هذا لا يعفي من مهمة الحلم، بل يجعله ضرورياً أكثر.
يحاور «أصابع: فيلمٌ شخصيٌ» مسألة «الانعكاسيَّة الذاتيَّة» (self-reflexivity)، ففي نهاية المطاف، ومنذ العنوان الجانبي، هو «فيلمٌ شخصيٌّ». والحقيقة ان هذا يعود إلى اهتمامي بموضوع «التمثيل» (representation) استفادة من مفهوم «تأثير الاغتراب» (alienation-effect) لدى بريخت في المسرح ومفهوم «الفيلم المقالي» (film-essay) لدى غودار في سينما الموجة الجديدة الفرنسية. وبذلك فإن «أصابع» يأتي في محاولة (لها ما لها وعليها ما عليها) تقع ضمن ذلك الاهتمام كما تم التعبير عنه في فيلمي القصير الأسبق «هذا ليس غليوناً» الذي حاولت فيه مؤاخاة قصيدة لبودلير، وأخرى لإدغَر ألن بو، ولوحة تشكيليَّة لرينيه ماغريت، ومقطوعة موسيقية لمنير بشير.
تعمدتُ «النغمة الوتيريَّة» (monotone) في الفيلم على عدة مستويات منها الحوار بين الشخصيتين (رجل وامرأة) الحاضرتين صوتيّاً/ الغائبتين بصريّاً في السرد، وفي هذا أجريت الكثير من التدريبات الصوتية للمؤدِّين (ولا أقول «الممثلين») للوصول إلى درجة «اللاطبيعيَّة» المطلوبة لمناخ ومزاج الفيلم (حتى ردة الفعل على نكتة بذيئة في السرد تكون باردة وميكانيكيَّة، بل إن فيها ضجر واضح، وذلك بدلا من أن تثير قهقهة مجلجلة)، هذا بينما يكتسي صوت «السارد المُعَلِّق» (commentating narrator) (وهو امرأة أخرى) نبرة عاطفية في إلقاء الاقتباسات الشعريَّة والنثريَّة. وبالتباين، فقد سعيت في الوقت نفسه إلى انتهاك «السرد الخطّي» (linear narrative) لصالح «السرد المُشَظَّى» (fragmented narrative) لأسباب تتعلق باعتقادي أن سرد الحياة اليوميَّة ليس سرداً خطيَّاً كما تحاول أن توهمنا لغة السينما التجاريَّة السائدة (والتَّشظِّي أصلاً من طبيعة المعرفة في الفلسفة). وفي هذا ارتأيت ان «سوناتا ضوء القمر» لبيتهوفن هي الأصلح للتعبير الموسيقي المواكب إذ إن ليس فيها «صعود» أو «هبوط» ملحوظ، بحيث حاولت أن أدغمها مباشرة لتصبح عنصراً «ثيماتيّاً» وليس «موتيفيّاً» فحسب.
تسعى السينما الاستهلاكية لتكريس «المونتاج الأفقي»(horizontal editing)، غير انني في «أصابع: فيلم شخصي» أسعى أكثر نحو «المونتاج العمودي» (vertical editing)، وذلك لكسر التوقع الاعتيادي كما يحدث عند سماع صوت إطلاق نار من خارج الشاشة (off screen) مصحوباً بصوت رفرفة ليتولد انطباع بأن الأمر يتعلق بقنص طائر، ولكن يتضح غير ذلك تماماً من خلال الحوار بين الشخصيتين الحاضرتين صوتيّاً/ الغائبتين بصريّاً، حيث ينجلي الأمر عن ان صوت الرصاصات إنما يتعلق بتنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص بصديق الراوي.
في ثقافتنا العربية يراق الكثير من الحبر حول موضوعات من قبيل «الهوية»، و«الأصالة»، و«المعاصرة»، و«التقليد»، و«الحداثة»، و«العولمة». وفي هذا يحاول «أصابع: فيلم شخصي» أن يترجم، ولو بصورة متواضعة، قناعاتي الشخصية حول ذلك بأن ما هو «محلي» لا يستطيع الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك إلا إذا كانت آفاقه «إنسانية» في بعدها الكوني، وأن ما هو «عالمي» لا يمكن فرضه على هذا الأساس إلا إذا كان منسجماً مع هو «محلي» في الوشائج الجماليَّة والأخلاقيَّة. وربما كان التعبير عن ذلك واضحاً عند نهاية «أصابع: فيلم شخصي» حيث يحدث تَجاورٌ آخر لعناصر تبدو غير منسجمة مع بعضها البعض للوهلة الأولى: مقطع من أغنية لفيروز («شايف البحر شو كبير»، وكان قد ورد في بداية الفيلم)، ومقطع من قصيدة نبطيَّة لراشد الخضر، و«سوناتا ضوء القمر» لبيتهوفن، وصوت قلب يخفق بنفس الطريقة التي يخفق بها قلبي، وقلبك، وقلوب كل البشر.
(٢)
«في المخاطرة جزء من النجاة» (ابن عربي، «الفتوحات المكيَّة»).