نوافذ :بين «الزومبي» و«المغايبة»!
الاحد / 24 / شوال / 1442 هـ - 15:18 - الاحد 6 يونيو 2021 15:18
هدى حمد
هدى حمد -
لم تكن جدتنا الحقيقية، لكننا نناديها «أماه شيخة» تماما كما يفعل أحفادها الحقيقيون. لا أعرف على وجه الدقة كيف كان يتسع حضنها لنا جميعا، ينتابني شعور أنّها لا تقل سحرية عن مروياتها.. تتطاول يداها لتشملنا دون استثناء، وكل من ينظر في عينيها يقع أسيرا لفتنة مخيلتها الخصبة والعجائبية، فلا ينجو منها أبدا.
أتذكرها الآن بندم شديد لأنني لم أدون عنها شيئا وليس برأسي سوى نتف أقاصيص ناقصة. كنتُ أشعر بإدراكي البسيط آنذاك أنّ حكاياتها تتقاطع مع القصص العالمية التي نشاهدها في برامج الأطفال كما تتماس مع قصص «المكتبة الخضراء» التي تُرجمت من كل أنحاء الدنيا. أتذكر حتى الآن قصّة «السندريلا» العُمانية، التي طلبت منها زوجة الأب أن تذهب لتحتطب وهي تشترط عليها أن يكون الحطب: «لا من الشمس ولا من الظلة، ولا عوجة ولا مستقلة»، وأمام هذا التعجيز تعثر على أمير حولته ساحرة إلى «غول»، لتنقلب حياة بؤسها رأسا على عقب.
ظل عقلي الصغير عاجزا عن تفسير التلاقي المدهش بين ثقافات العالم، وظل السؤال يكبر بداخلي: ما الذي يجعل هذه الجغرافيا المعزولة قبل التلفاز والإذاعة تتلاقى مع سرديات شعوب أخرى؟ هل كانت القصص تطير على غرار ما قالت جدتي: «إن الأحجار والأشجار والجمادات كان بوسعها أن تتكلم في سالف الأزمان»!
أقف بفضول هائل متسائلة: كيف تغذت هذه الحكايات وكبرت وتخطت محليتها دون أن تدون؟ ولماذا رُجمت وجُلدت بقسوة عندما نُمطت تحت مسمى «الخرافة»، وفُرغت من معناها الأعمق!
أتصور تلك الجدة العُمانية -الشهرزادية- منذ مئات السنين تجلسُ لتنسج حكاية ما، تتناقلها الأجيال وتضيف إليها كما تمحو. تلك الأفكار الميتافيزيقية التي تعيد رسم حياة الإنسان ومآربه وحاجاته وفلسفته.
استمتعتُ مؤخرا بقراءة مشروع جمع التاريخ المروي الواقع في ستة أجزاء، مشروع يتتبع قصة المعتقد والآداب والفنون الشعبية في جنوب الباطنة. واحد من الأعمال المُهمة التي قدمتها وزارة التراث والثقافة -سابقا- تحت إشراف الدكتورة عائشة الدرمكية وفريقها. خرجت الأجزاء الستة نابضة بحيوية التنوع اللهجي في السلطنة، وتمّ تسليط الضوء على تصورات الناس عن العالم والحياة والظواهر الطبيعية.. الخسوف والكسوف الأحلام والميلاد والموت والأسماء والحظ. ذلك النص الحي المُدرك لقابليته للحذف والزيادة والتنقل الأبدي بين الشعوب، والذي لا يصونه إلا الحفظ الفردي أو الجماعي.
عندما نشاهد الأفلام العالمية يُلفتنا التقارب بين قصة «الزومبي» وقصص «المغايبة والمغاصيب»، تستوقفنا قصص البيوت المسكونة وتلبس الجن، وعادات «الزار» وزيارة الأضرحة. نتفاجأ لأنّ في ذاكرة كل واحد منا قصة تتشابه مع رؤيا عالمية. ولكن العالم يُعيد إنتاج مخيلته، يستثمر فيها، في الدراما والأفلام والسياحة أيضا. ولم تكن تلك العوالم التي تضج بغرائبيتها بمعزل عن الكُتاب الذين استثمروا فيها، وانتجوا واقعيتهم السحرية. ولا أريد أن أبدو مُجحفة، لكني أتصور أنّ الأدب العُماني لم يلمس هذه المخيلة إلا من السطح أو من مسافة آمنة وحذرة.
يتبع الساقي «نجمه» الذي يدله على مواعيد السقي الليلي، يقرع الأهالي الأواني ليبعدوا شبح الجراد عن حقولهم، وعندما يلدغ العقرب القمر يقولون: «نور الله ويعتاق في سماه»، ولا يسمح للحامل أن تحك بطنها وقت الخسوف والكسوف فيخرج الجنين مشوها، ولا يشرب الرضيع ماء المطر وإلا صار «لثغ» بمخارج حروف بائسة. أمّا لو سمعت قلفعة في مطبخك فلا تقلق، فأولئك هم «المغاصيب» الجوعى!
ألا تبدو هذه القصص مُغرية، ألا تستحق تلك المُخيلة والمشاعر الضاجة بالحياة التوثيق والتحليل. ليس علينا وصم تلك المرحلة بالجهل ومن ثم وأدها، وكما يقول باتريك دولابان: «إن الشعوب التي ليس لها أساطير تموت من البرد».
لم تكن جدتنا الحقيقية، لكننا نناديها «أماه شيخة» تماما كما يفعل أحفادها الحقيقيون. لا أعرف على وجه الدقة كيف كان يتسع حضنها لنا جميعا، ينتابني شعور أنّها لا تقل سحرية عن مروياتها.. تتطاول يداها لتشملنا دون استثناء، وكل من ينظر في عينيها يقع أسيرا لفتنة مخيلتها الخصبة والعجائبية، فلا ينجو منها أبدا.
أتذكرها الآن بندم شديد لأنني لم أدون عنها شيئا وليس برأسي سوى نتف أقاصيص ناقصة. كنتُ أشعر بإدراكي البسيط آنذاك أنّ حكاياتها تتقاطع مع القصص العالمية التي نشاهدها في برامج الأطفال كما تتماس مع قصص «المكتبة الخضراء» التي تُرجمت من كل أنحاء الدنيا. أتذكر حتى الآن قصّة «السندريلا» العُمانية، التي طلبت منها زوجة الأب أن تذهب لتحتطب وهي تشترط عليها أن يكون الحطب: «لا من الشمس ولا من الظلة، ولا عوجة ولا مستقلة»، وأمام هذا التعجيز تعثر على أمير حولته ساحرة إلى «غول»، لتنقلب حياة بؤسها رأسا على عقب.
ظل عقلي الصغير عاجزا عن تفسير التلاقي المدهش بين ثقافات العالم، وظل السؤال يكبر بداخلي: ما الذي يجعل هذه الجغرافيا المعزولة قبل التلفاز والإذاعة تتلاقى مع سرديات شعوب أخرى؟ هل كانت القصص تطير على غرار ما قالت جدتي: «إن الأحجار والأشجار والجمادات كان بوسعها أن تتكلم في سالف الأزمان»!
أقف بفضول هائل متسائلة: كيف تغذت هذه الحكايات وكبرت وتخطت محليتها دون أن تدون؟ ولماذا رُجمت وجُلدت بقسوة عندما نُمطت تحت مسمى «الخرافة»، وفُرغت من معناها الأعمق!
أتصور تلك الجدة العُمانية -الشهرزادية- منذ مئات السنين تجلسُ لتنسج حكاية ما، تتناقلها الأجيال وتضيف إليها كما تمحو. تلك الأفكار الميتافيزيقية التي تعيد رسم حياة الإنسان ومآربه وحاجاته وفلسفته.
استمتعتُ مؤخرا بقراءة مشروع جمع التاريخ المروي الواقع في ستة أجزاء، مشروع يتتبع قصة المعتقد والآداب والفنون الشعبية في جنوب الباطنة. واحد من الأعمال المُهمة التي قدمتها وزارة التراث والثقافة -سابقا- تحت إشراف الدكتورة عائشة الدرمكية وفريقها. خرجت الأجزاء الستة نابضة بحيوية التنوع اللهجي في السلطنة، وتمّ تسليط الضوء على تصورات الناس عن العالم والحياة والظواهر الطبيعية.. الخسوف والكسوف الأحلام والميلاد والموت والأسماء والحظ. ذلك النص الحي المُدرك لقابليته للحذف والزيادة والتنقل الأبدي بين الشعوب، والذي لا يصونه إلا الحفظ الفردي أو الجماعي.
عندما نشاهد الأفلام العالمية يُلفتنا التقارب بين قصة «الزومبي» وقصص «المغايبة والمغاصيب»، تستوقفنا قصص البيوت المسكونة وتلبس الجن، وعادات «الزار» وزيارة الأضرحة. نتفاجأ لأنّ في ذاكرة كل واحد منا قصة تتشابه مع رؤيا عالمية. ولكن العالم يُعيد إنتاج مخيلته، يستثمر فيها، في الدراما والأفلام والسياحة أيضا. ولم تكن تلك العوالم التي تضج بغرائبيتها بمعزل عن الكُتاب الذين استثمروا فيها، وانتجوا واقعيتهم السحرية. ولا أريد أن أبدو مُجحفة، لكني أتصور أنّ الأدب العُماني لم يلمس هذه المخيلة إلا من السطح أو من مسافة آمنة وحذرة.
يتبع الساقي «نجمه» الذي يدله على مواعيد السقي الليلي، يقرع الأهالي الأواني ليبعدوا شبح الجراد عن حقولهم، وعندما يلدغ العقرب القمر يقولون: «نور الله ويعتاق في سماه»، ولا يسمح للحامل أن تحك بطنها وقت الخسوف والكسوف فيخرج الجنين مشوها، ولا يشرب الرضيع ماء المطر وإلا صار «لثغ» بمخارج حروف بائسة. أمّا لو سمعت قلفعة في مطبخك فلا تقلق، فأولئك هم «المغاصيب» الجوعى!
ألا تبدو هذه القصص مُغرية، ألا تستحق تلك المُخيلة والمشاعر الضاجة بالحياة التوثيق والتحليل. ليس علينا وصم تلك المرحلة بالجهل ومن ثم وأدها، وكما يقول باتريك دولابان: «إن الشعوب التي ليس لها أساطير تموت من البرد».