«التاكسونومي» والتهيئة للسياسات الاجتماعية
السبت / 23 / شوال / 1442 هـ - 20:19 - السبت 5 يونيو 2021 20:19
مبارك بن خميس الحمداني -
لم يعد مضمار التنافس بين الدول قائم على معاينة ما تحققه السياسات العامة في مجملها من نتائج، بل أصبحت منظومة صنع السياسات العامة وتسويقها أحد أوجه التنافس الدولي الذي تسعى فيه الكثير من الدول إلى تقديم ذاتها بوصفها مرجعيات أو بيوت خبرة في هذا السياق. ولم تعد مفاهيم «المشاركة المجتمعية»، و«النهج التشاركي» وحدها عوامل تميزٍ لمنظومة صنع السياسات العامة، بقدر ما أصبحت هناك معطيات من قبيل «إدراك منظومة التحيزات»، و«الحفز السلوكي»، و«القدرة على تسويق السياسة العامة» تمثل عناصر تنافسية في حقل صنع السياسات العامة، وتتداعى فيها الدول للأخذ بأفضل الممارسات في هذا الجانب.
بحلول الأزمة الصحية - الاقتصادية المتمثلة في جائحة كوفيد 19 وما سبقها من تراجع لأسعار النفط، وما لحقها من تباطؤ في النمو الاقتصادي وتأثير ذلك على حركة الاقتصاد والتجارة ومنظومة السياسات الاقتصادية والاجتماعية في مختلف أقطار العالم، وجدت الدول أنفسها أمام اختبار عسير لتبني سياسات اقتصادية واجتماعية جديدة نحو التعافي الاقتصادي، وكان السؤال الحاسم هو سؤال التهيئة الاجتماعية لهذه السياسات، وخصوصًا تلك السياسات التي يفترض أن يحتمل المجتمع جزءا من كلفتها، سواء السياسات الضريبية، أو رفع الدعم العام عن بعض الخدمات والمنتجات، أو تقليص الأجور وسواها، والسؤال المحوري: هو كيف يمكن تهيئة المجتمعات باختلاف طبقاتها وفئاتها وتجذراتها خلال وقت قياسي على القبول الواعي والمستنير لسياسة معينة؟
في كتابه «أنت على وشك ارتكاب خطأ فادح: كيف تشوه التحيزات قراراتنا وكيف نحاربها» يتحدث أوليفيه سيبوني عن مفهوم «التاكسونومي»، مشيرًا إلى أن المجتمعات الإنسانية محفوفة بخمس فصائل من «الانحيازات» التي تؤثر على صناعة القرار، وتؤثر كذلك على قبول القرار وتبنيه في الأوساط الاجتماعية، والانحيازات بشكل مبسط هي في مجملها أحكام أو مواقف مسبقة يتبناها الفرد أو المجتمع إزاء قضية ما قد تكون (شخصية أو عامة) نتيجة مجموعة من العوامل قد تكون منطلقة من وجهة نظر خاصة أو عقيدة إيديولوجية معينة. والفصائل الخمس التي يتحدث عنها سيبوني هي «تحيزات الأنماط الذهنية وأهمها التحيز للتجربة»، و«تحيزات نحو العمل: وأهمها الثقة المفرطة»، و«التحيزات الاجتماعية: وأهمها عقلية القطيع»، و«تحيزات المصالح الشخصية: وأهمها التحيز للوقت الحاضر»، و«تحيزات نحو الجمود وأهمها: التجنب غير المنطقي للمخاطر». إن فكرة الوقوف على التحيزات هي محاولة لفهم طبيعة العوامل (غير الموضوعية) المؤثرة على صانعي السياسات العامة أثناء مرحلة صنع السياسة، وكذلك فهم تلقي المجتمع لهذه السياسة والعوامل (غير الموضوعية) التي قد تؤدي إلى قبوله أو رفضه/ انسجامه أو صراعه مع السياسة العامة الجديدة. وقد أصبح حقل دراسة التحيزات وإدماجه في البنى المؤسسية والتنظيمية لمنظومات صنع السياسات العامة وأدبياتها أحد أهم الحقول التي تؤخذ في الاعتبار وتتسابق الدول لإدماجها وخاصة في مجال السياسات الاجتماعية والاقتصادية.
فإذا ما أخذنا أحد أشهر التحيزات السلوكية شيوعًا وهو تحيز (الارتكاز) ويعرف بوصفه «الميل إلى الاعتماد بشكل كبير جدا، أو «الارتكاز» على بعض من المعلومات عند اتخاذ القرار، في العادة تكون أول جزء متوفر من المعلومات عن موضوع ما» فقد يكاد يكون هذا التحيز من أبرز التحيزات الحاضرة في منظومة صنع السياسات الاجتماعية لدينا، حيث إن غالبية السياسات تقوم على بيانات أولية إدارية (عامة) تضعها المؤشرات والإحصائيات الوطنية التي قد تكون مستندة إلى مسوحات واستقصاءات واستطلاعات رأي لعينات من المجتمع، إن هذه المعلومات في ظاهرها تشكل أدلة فاعلة لصنع السياسة، ولكن ماذا عما وراء هذه البيانات، وماذا عما هو خارج العينة، وماذا عن مسألة التوقيت واللحظة والمنهج الذي أخذت فيه هذه البيانات، وهل تم مراعاة كافة أنماط وأشكال التحيزات العامة في استجابة المبحوثين لها، وفي استناد صناع القرار إليها في بناء السياسات العامة.
تم تطبيق تجربة عابرة للأقطار في مجال التبرع بالأعضاء في عدة دول أوروبية (السويد، هولندا، بولونيا، ألمانيا، بريطانيا، البرتغال، فرنسا) وقسمت البلدان إلى مجموعتين، في المجموعة الأولى تم إعطاء المشاركين ما يعرف بـ«الاختيار المعياري» أي أن الوضع الطبيعي هو موافقة الفرد تلقائيًا على التبرع بالأعضاء بعد وفاته - ما لم يطلب عكس ذلك - وفي دول المجموعة الثانية كان «الاختيار الذاتي» والذي يقتضي التسجيل في برنامج للتبرع بالأعضاء والإقرار بالموافقة على ذلك. وجدت النتائج لاحقًا أن الميل إلى التبرع في دول المجموعة الأولى وصل إلى نسبة تقارب 90% من المشاركين، أما في دول المجموعة الثانية فكانت في حدود 4.7% في بعض الدول فقط. إن هذه التجربة ترتبط بشكل مباشر بطبيعة الانحيازات البشرية، فهي تتقاطع من انحياز «التأثير الافتراضي» الذي يدعم فكرة أن الأفراد دائمًا ما يميلون لتفضيل الخيار الافتراضي من بين عدة خيارات أخرى متاحة تتطلب جهدًا معرفيًا أو موقفًا فكريًا، وكذلك «الانحياز الآلي» والذي يكون مدفوعًا بالميل نحو قبول الأنظمة بآليتها وتلقائيتها وما قد تفرضه من خيارات وقرارات دون مراجعة أو تدقيق. ولكن ما يعنينا أن هذه التجربة من خلال القبض على انحيازات بشرية معينة، استطاعت إيجاد مدخل سلوكي لقبولها وبالتالي تحقيق أهدافها المرجوة.
تحدد منشورات التواصل الحكومي بوزارة الإعلام أهداف التهيئة للقرارات الحكومية في «جعل الرأي العام في أفضل الحالات الممكنة من الوعي والتقبل للقرارات والسياسات التي تتخذها الحكومة، والحد من التأويلات غير الصحيحة أو الفهم الخاطئ أو العاطفة السلبية». وإن كان مشهد الأشهر الماضية يتلخص في جدل قبول السياسات العامة، فإن الفرصة في تقديرنا لا زالت قائمة على صياغة منظومة تهيئة أكثر تقدمًا لهذه السياسات تضع في الاعتبار عنصر «فهم المجتمع» في مقدمة أولوياتها، والفهم ليس في معطاه الكمي فحسب، وإنما في فهم الانحيازات، وتأثير تراكمات اللحظة، والحالة الوجدانية والشعورية، ومداخل القبول المستنير، وقوى التأثير والتأثر، ومحركات حفز السلوك. كل ذلك في سبيل سياسة أكثر نجاعة، وقبول مجتمعي أكثر وعيًا.
لم يعد مضمار التنافس بين الدول قائم على معاينة ما تحققه السياسات العامة في مجملها من نتائج، بل أصبحت منظومة صنع السياسات العامة وتسويقها أحد أوجه التنافس الدولي الذي تسعى فيه الكثير من الدول إلى تقديم ذاتها بوصفها مرجعيات أو بيوت خبرة في هذا السياق. ولم تعد مفاهيم «المشاركة المجتمعية»، و«النهج التشاركي» وحدها عوامل تميزٍ لمنظومة صنع السياسات العامة، بقدر ما أصبحت هناك معطيات من قبيل «إدراك منظومة التحيزات»، و«الحفز السلوكي»، و«القدرة على تسويق السياسة العامة» تمثل عناصر تنافسية في حقل صنع السياسات العامة، وتتداعى فيها الدول للأخذ بأفضل الممارسات في هذا الجانب.
بحلول الأزمة الصحية - الاقتصادية المتمثلة في جائحة كوفيد 19 وما سبقها من تراجع لأسعار النفط، وما لحقها من تباطؤ في النمو الاقتصادي وتأثير ذلك على حركة الاقتصاد والتجارة ومنظومة السياسات الاقتصادية والاجتماعية في مختلف أقطار العالم، وجدت الدول أنفسها أمام اختبار عسير لتبني سياسات اقتصادية واجتماعية جديدة نحو التعافي الاقتصادي، وكان السؤال الحاسم هو سؤال التهيئة الاجتماعية لهذه السياسات، وخصوصًا تلك السياسات التي يفترض أن يحتمل المجتمع جزءا من كلفتها، سواء السياسات الضريبية، أو رفع الدعم العام عن بعض الخدمات والمنتجات، أو تقليص الأجور وسواها، والسؤال المحوري: هو كيف يمكن تهيئة المجتمعات باختلاف طبقاتها وفئاتها وتجذراتها خلال وقت قياسي على القبول الواعي والمستنير لسياسة معينة؟
في كتابه «أنت على وشك ارتكاب خطأ فادح: كيف تشوه التحيزات قراراتنا وكيف نحاربها» يتحدث أوليفيه سيبوني عن مفهوم «التاكسونومي»، مشيرًا إلى أن المجتمعات الإنسانية محفوفة بخمس فصائل من «الانحيازات» التي تؤثر على صناعة القرار، وتؤثر كذلك على قبول القرار وتبنيه في الأوساط الاجتماعية، والانحيازات بشكل مبسط هي في مجملها أحكام أو مواقف مسبقة يتبناها الفرد أو المجتمع إزاء قضية ما قد تكون (شخصية أو عامة) نتيجة مجموعة من العوامل قد تكون منطلقة من وجهة نظر خاصة أو عقيدة إيديولوجية معينة. والفصائل الخمس التي يتحدث عنها سيبوني هي «تحيزات الأنماط الذهنية وأهمها التحيز للتجربة»، و«تحيزات نحو العمل: وأهمها الثقة المفرطة»، و«التحيزات الاجتماعية: وأهمها عقلية القطيع»، و«تحيزات المصالح الشخصية: وأهمها التحيز للوقت الحاضر»، و«تحيزات نحو الجمود وأهمها: التجنب غير المنطقي للمخاطر». إن فكرة الوقوف على التحيزات هي محاولة لفهم طبيعة العوامل (غير الموضوعية) المؤثرة على صانعي السياسات العامة أثناء مرحلة صنع السياسة، وكذلك فهم تلقي المجتمع لهذه السياسة والعوامل (غير الموضوعية) التي قد تؤدي إلى قبوله أو رفضه/ انسجامه أو صراعه مع السياسة العامة الجديدة. وقد أصبح حقل دراسة التحيزات وإدماجه في البنى المؤسسية والتنظيمية لمنظومات صنع السياسات العامة وأدبياتها أحد أهم الحقول التي تؤخذ في الاعتبار وتتسابق الدول لإدماجها وخاصة في مجال السياسات الاجتماعية والاقتصادية.
فإذا ما أخذنا أحد أشهر التحيزات السلوكية شيوعًا وهو تحيز (الارتكاز) ويعرف بوصفه «الميل إلى الاعتماد بشكل كبير جدا، أو «الارتكاز» على بعض من المعلومات عند اتخاذ القرار، في العادة تكون أول جزء متوفر من المعلومات عن موضوع ما» فقد يكاد يكون هذا التحيز من أبرز التحيزات الحاضرة في منظومة صنع السياسات الاجتماعية لدينا، حيث إن غالبية السياسات تقوم على بيانات أولية إدارية (عامة) تضعها المؤشرات والإحصائيات الوطنية التي قد تكون مستندة إلى مسوحات واستقصاءات واستطلاعات رأي لعينات من المجتمع، إن هذه المعلومات في ظاهرها تشكل أدلة فاعلة لصنع السياسة، ولكن ماذا عما وراء هذه البيانات، وماذا عما هو خارج العينة، وماذا عن مسألة التوقيت واللحظة والمنهج الذي أخذت فيه هذه البيانات، وهل تم مراعاة كافة أنماط وأشكال التحيزات العامة في استجابة المبحوثين لها، وفي استناد صناع القرار إليها في بناء السياسات العامة.
تم تطبيق تجربة عابرة للأقطار في مجال التبرع بالأعضاء في عدة دول أوروبية (السويد، هولندا، بولونيا، ألمانيا، بريطانيا، البرتغال، فرنسا) وقسمت البلدان إلى مجموعتين، في المجموعة الأولى تم إعطاء المشاركين ما يعرف بـ«الاختيار المعياري» أي أن الوضع الطبيعي هو موافقة الفرد تلقائيًا على التبرع بالأعضاء بعد وفاته - ما لم يطلب عكس ذلك - وفي دول المجموعة الثانية كان «الاختيار الذاتي» والذي يقتضي التسجيل في برنامج للتبرع بالأعضاء والإقرار بالموافقة على ذلك. وجدت النتائج لاحقًا أن الميل إلى التبرع في دول المجموعة الأولى وصل إلى نسبة تقارب 90% من المشاركين، أما في دول المجموعة الثانية فكانت في حدود 4.7% في بعض الدول فقط. إن هذه التجربة ترتبط بشكل مباشر بطبيعة الانحيازات البشرية، فهي تتقاطع من انحياز «التأثير الافتراضي» الذي يدعم فكرة أن الأفراد دائمًا ما يميلون لتفضيل الخيار الافتراضي من بين عدة خيارات أخرى متاحة تتطلب جهدًا معرفيًا أو موقفًا فكريًا، وكذلك «الانحياز الآلي» والذي يكون مدفوعًا بالميل نحو قبول الأنظمة بآليتها وتلقائيتها وما قد تفرضه من خيارات وقرارات دون مراجعة أو تدقيق. ولكن ما يعنينا أن هذه التجربة من خلال القبض على انحيازات بشرية معينة، استطاعت إيجاد مدخل سلوكي لقبولها وبالتالي تحقيق أهدافها المرجوة.
تحدد منشورات التواصل الحكومي بوزارة الإعلام أهداف التهيئة للقرارات الحكومية في «جعل الرأي العام في أفضل الحالات الممكنة من الوعي والتقبل للقرارات والسياسات التي تتخذها الحكومة، والحد من التأويلات غير الصحيحة أو الفهم الخاطئ أو العاطفة السلبية». وإن كان مشهد الأشهر الماضية يتلخص في جدل قبول السياسات العامة، فإن الفرصة في تقديرنا لا زالت قائمة على صياغة منظومة تهيئة أكثر تقدمًا لهذه السياسات تضع في الاعتبار عنصر «فهم المجتمع» في مقدمة أولوياتها، والفهم ليس في معطاه الكمي فحسب، وإنما في فهم الانحيازات، وتأثير تراكمات اللحظة، والحالة الوجدانية والشعورية، ومداخل القبول المستنير، وقوى التأثير والتأثر، ومحركات حفز السلوك. كل ذلك في سبيل سياسة أكثر نجاعة، وقبول مجتمعي أكثر وعيًا.