الصهيونية لا تنتج سلاما عادلا والضغط الخارجي فقط يُنهِي «أبارتايد» إسرائيل
السبت / 16 / شوال / 1442 هـ - 19:35 - السبت 29 مايو 2021 19:35
رافائيل ميمون ترجمة : قاسم مكي -
نشأتُ في أسرة صهيونية وقضيتُ 12 عاما في حركة شبابية صهيونية وعشتُ لأربعة أعوام في إسرائيل ولدي أصدقاء وأفراد من العائلة خدموا في جيش «الدفاع» الإسرائيلي. عندما يكون هذا هو عالمك من الصعب أن ترى الأبارتايد (سياسة أو نظام الفصل أو التفرقة على أساس العرق) وهي تحدث أمامك.
ترعرعت في فرنسا في مجتمع محلي يهودي حيث كان حب إسرائيل ودعمها بلا قيد أو شرط هما القاعدة. بل لم يكن مصطلح الصهيونية، ويعني الحركة التي تشكلت لإقامة ودعم دولة يهودية في فلسطين الحالية، متداولا. ذلك لأننا كُنّا كلَّنا نعرفه. فاليهود كادوا أن يُبَادوا بالمذابح والمحرقات المتكررة. والدولة اليهودية كانت السبيل الوحيد للحفاظ على سلامتنا. ولم تكن معاداة السامية مجرد حقيقة من حقائق التاريخ. لقد عشناها كلنا في حياتنا اليومية.
الصهيونية متجذرة في الصدمة النفسية والخوف وتتعلق ببقاء وحب الشعب اليهودي. لكنها، مثلها مثل أي قومية عرقية، تؤسِّس هرمية. فهي ترتبط بتكريس الأولوية لسلامتنا وعافيتنا ولو كان ذلك على حساب الآخرين. إنها تعتمد على سردية تاريخية بديلة تبرر الإحتلال وتٌعقلِن الوضع القائم. ولا يمكنها إنتاج سلام عادل من تلقاء ذاتها.
والاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية بكل المعايير نظام أبارتايد (تفرقة عنصرية). إنه يطبق نظامين قانونيين لجماعتين عرقيتين. فإذا ارتكب يهودي وعربي الجريمة نفسها في الضفة الغربية سيواجه اليهودي محكمة مدنية والعربي محكمة عسكرية. لكن معظم اليهود لا يمكنهم تصور عدم عدالة هذا الوضع القانوني. إنهم يرفضون مصطلح «أبارتايد» لأنهم يؤمنون حقًا بأن التفرقة مشروعة وأنها مسألة دفاع عن النفس.
تمَّت تغذية مجتمعي اليهودي بسردية تاريخية منفصلة عن الواقع الحقيقي فحواها أن فلسطين كانت إلى حد كبير قطعة من صحراء غير مأهولة قبل أن نستوطن فيها. وأن الفلسطينيين خلال ما كنا ندعوه حربَ استقلال إسرائيل لم يُطرَدوا بواسطة المليشيات اليهودية ولكنهم تركوا ديارهم طوعًا ليفسحوا المجال للجيوش العربية كي «تلقي باليهود في البحر أحياء أو أمواتا». وأن القادة العرب ما كانوا مهتمين إطلاقا بالتوصل إلى تسوية ورفضوا عروض السلام من إسرائيل والولايات المتحدة واحدة تلو الأخرى. والقائمة تطول.
لقد كُشِف زيفُ هذه الادعاءات منذ فترة طويلة، مثلا بواسطة رئيس وزراء إسرائيلي سابق حكى عن دوره في طرد الفلسطينيين أثناء حرب 1948. كما أبان مؤرخون أن معظم أرض فلسطين كانت تُزرع بواسطة فلاحين عرب قبل الهجرة الصهيونية.
لكن عندما يقبل عالَمُك بأجمعه تلك السردية. وأعني بذلك أصدقاءك وعائلتك ووسائل إعلامك والمنظمات التي تنضم إليها ونظامك التعليمي، إذا نشأت في إسرائيل، سيكون ذلك واقعَك حقا. هو واقعٌ زائف ومنفصل عن الحقائق التاريخية. لكنه واقعك.
ويفاقم هذا الواقع البديل أكثر من مائة عام من الصراع الذي جرَّد الفلسطينيين من إنسانيتهم في نظر اليهود الإسرائيليين.
فعندما يقصف جيش الدفاع الإسرائيلي غزة ويقتل أعدادا كبيرة من المدنيين بمن فيهم أطفال يعتقد الإسرائيليون بأن على الفلسطينيين لومَ أنفسِهم لأنهم لم يقبلوا عروض السلام السابقة ولأنهم قبلوا الجماعات المسلحة في وسطهم ولأنهم «يعلمون أطفالهم كراهية اليهود». ونقول لأنفسنا أن إسرائيل، في النهاية، تدافع عن نفسها وأنه، ببساطة، لا يوجد بديل.
طريقة التفكير نفسها هذه تبرر حصار غزَّة ونقاط التفتيش العسكرية في الضفة الغربية وجدارَ الفصل وهدم المنازل في المناطق المأهولة بالفلسطينيين. فمعاناة الفلسطينيين بهذا المنطق إما زائفة أو أنهم جلبوها لأنفسهم. فهي ليست حقيقية مثل معاناتنا.
بالطبع بعض الإسرائيليين يرفضون هذه السرديات وينشطون في تنظيم حملات من أجل تحرير الفلسطينيين. لكن هؤلاء أقلية. فالإسرائيلي من غمار الناس لا ينشغل بما يعنيه العيش طوال الحياة ويوميا في ظل الاحتلال ووجوب إذعانك لجنود أجانب عند نقاط التفتيش والحصول على إذن لكل شيء من حكومة لا تمثلك وإدراكك بأن الجنود يمكنهم اقتحام بيتك والاستيلاء على ممتلكاتك دون مساءلة.
الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحرر الفلسطينيين هو أن تفُوق تكلفةُ الاحتلال فوائدَه لإسرائيل. وذلك يتطلب، كما حدث مع أنظمة الأرباتايد والاحتلالات الأخرى، ضغوطا خارجية هائلة.
في جنوب إفريقيا قادت العقوبات الدولية وحظر مبيعات الأسلحة ومقاطعة العالم إلى انهيار النظام العرقي. والاحتلال الوحشي لتيمور الشرقية بواسطة إندونيسيا أنهته حركة تضامن عالمية وضغوط دولية. وفي الجنوب الأمريكي كانت التشريعات وقرارات المحكمة العليا هي التي فرضت الحقوق المتساوية وأنهت الفصل العنصري الذي كرَّسته قوانين جيم كرو.
في كل هذه الحالات كانت الجماعة المسيطرة متحصِّنة في سرديتها التاريخية ومنفصلة عن إنسانية «أعدائها» بحيث لا يمكن إلا لإكراه من الخارج أن يحرِّكها نحو حل عادل. وهذا ينطبق على إسرائيل أيضا.
من أجل وضع حد للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني يمكن أن يأخذ هذا «الإكراه الخارجي» شكلَ مقاطعة استهلاكية للسلع الإسرائيلية ومقاطعات من الشركات للتقنية الإسرائيلية وعقوبات من الشركاء التجاريين الرئيسيين لإسرائيل وداعميها السياسيين وهما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
لا يمكن لدولة الأبارتايد تغيير نفسها طوعًا والإجراءات الخارجية هي السبيل الوحيد الذي يمكن أن يدفع إسرائيل بشكل جاد نحو إنهاء الاحتلال.
عن واشنطن بوست
نشأتُ في أسرة صهيونية وقضيتُ 12 عاما في حركة شبابية صهيونية وعشتُ لأربعة أعوام في إسرائيل ولدي أصدقاء وأفراد من العائلة خدموا في جيش «الدفاع» الإسرائيلي. عندما يكون هذا هو عالمك من الصعب أن ترى الأبارتايد (سياسة أو نظام الفصل أو التفرقة على أساس العرق) وهي تحدث أمامك.
ترعرعت في فرنسا في مجتمع محلي يهودي حيث كان حب إسرائيل ودعمها بلا قيد أو شرط هما القاعدة. بل لم يكن مصطلح الصهيونية، ويعني الحركة التي تشكلت لإقامة ودعم دولة يهودية في فلسطين الحالية، متداولا. ذلك لأننا كُنّا كلَّنا نعرفه. فاليهود كادوا أن يُبَادوا بالمذابح والمحرقات المتكررة. والدولة اليهودية كانت السبيل الوحيد للحفاظ على سلامتنا. ولم تكن معاداة السامية مجرد حقيقة من حقائق التاريخ. لقد عشناها كلنا في حياتنا اليومية.
الصهيونية متجذرة في الصدمة النفسية والخوف وتتعلق ببقاء وحب الشعب اليهودي. لكنها، مثلها مثل أي قومية عرقية، تؤسِّس هرمية. فهي ترتبط بتكريس الأولوية لسلامتنا وعافيتنا ولو كان ذلك على حساب الآخرين. إنها تعتمد على سردية تاريخية بديلة تبرر الإحتلال وتٌعقلِن الوضع القائم. ولا يمكنها إنتاج سلام عادل من تلقاء ذاتها.
والاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية بكل المعايير نظام أبارتايد (تفرقة عنصرية). إنه يطبق نظامين قانونيين لجماعتين عرقيتين. فإذا ارتكب يهودي وعربي الجريمة نفسها في الضفة الغربية سيواجه اليهودي محكمة مدنية والعربي محكمة عسكرية. لكن معظم اليهود لا يمكنهم تصور عدم عدالة هذا الوضع القانوني. إنهم يرفضون مصطلح «أبارتايد» لأنهم يؤمنون حقًا بأن التفرقة مشروعة وأنها مسألة دفاع عن النفس.
تمَّت تغذية مجتمعي اليهودي بسردية تاريخية منفصلة عن الواقع الحقيقي فحواها أن فلسطين كانت إلى حد كبير قطعة من صحراء غير مأهولة قبل أن نستوطن فيها. وأن الفلسطينيين خلال ما كنا ندعوه حربَ استقلال إسرائيل لم يُطرَدوا بواسطة المليشيات اليهودية ولكنهم تركوا ديارهم طوعًا ليفسحوا المجال للجيوش العربية كي «تلقي باليهود في البحر أحياء أو أمواتا». وأن القادة العرب ما كانوا مهتمين إطلاقا بالتوصل إلى تسوية ورفضوا عروض السلام من إسرائيل والولايات المتحدة واحدة تلو الأخرى. والقائمة تطول.
لقد كُشِف زيفُ هذه الادعاءات منذ فترة طويلة، مثلا بواسطة رئيس وزراء إسرائيلي سابق حكى عن دوره في طرد الفلسطينيين أثناء حرب 1948. كما أبان مؤرخون أن معظم أرض فلسطين كانت تُزرع بواسطة فلاحين عرب قبل الهجرة الصهيونية.
لكن عندما يقبل عالَمُك بأجمعه تلك السردية. وأعني بذلك أصدقاءك وعائلتك ووسائل إعلامك والمنظمات التي تنضم إليها ونظامك التعليمي، إذا نشأت في إسرائيل، سيكون ذلك واقعَك حقا. هو واقعٌ زائف ومنفصل عن الحقائق التاريخية. لكنه واقعك.
ويفاقم هذا الواقع البديل أكثر من مائة عام من الصراع الذي جرَّد الفلسطينيين من إنسانيتهم في نظر اليهود الإسرائيليين.
فعندما يقصف جيش الدفاع الإسرائيلي غزة ويقتل أعدادا كبيرة من المدنيين بمن فيهم أطفال يعتقد الإسرائيليون بأن على الفلسطينيين لومَ أنفسِهم لأنهم لم يقبلوا عروض السلام السابقة ولأنهم قبلوا الجماعات المسلحة في وسطهم ولأنهم «يعلمون أطفالهم كراهية اليهود». ونقول لأنفسنا أن إسرائيل، في النهاية، تدافع عن نفسها وأنه، ببساطة، لا يوجد بديل.
طريقة التفكير نفسها هذه تبرر حصار غزَّة ونقاط التفتيش العسكرية في الضفة الغربية وجدارَ الفصل وهدم المنازل في المناطق المأهولة بالفلسطينيين. فمعاناة الفلسطينيين بهذا المنطق إما زائفة أو أنهم جلبوها لأنفسهم. فهي ليست حقيقية مثل معاناتنا.
بالطبع بعض الإسرائيليين يرفضون هذه السرديات وينشطون في تنظيم حملات من أجل تحرير الفلسطينيين. لكن هؤلاء أقلية. فالإسرائيلي من غمار الناس لا ينشغل بما يعنيه العيش طوال الحياة ويوميا في ظل الاحتلال ووجوب إذعانك لجنود أجانب عند نقاط التفتيش والحصول على إذن لكل شيء من حكومة لا تمثلك وإدراكك بأن الجنود يمكنهم اقتحام بيتك والاستيلاء على ممتلكاتك دون مساءلة.
الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحرر الفلسطينيين هو أن تفُوق تكلفةُ الاحتلال فوائدَه لإسرائيل. وذلك يتطلب، كما حدث مع أنظمة الأرباتايد والاحتلالات الأخرى، ضغوطا خارجية هائلة.
في جنوب إفريقيا قادت العقوبات الدولية وحظر مبيعات الأسلحة ومقاطعة العالم إلى انهيار النظام العرقي. والاحتلال الوحشي لتيمور الشرقية بواسطة إندونيسيا أنهته حركة تضامن عالمية وضغوط دولية. وفي الجنوب الأمريكي كانت التشريعات وقرارات المحكمة العليا هي التي فرضت الحقوق المتساوية وأنهت الفصل العنصري الذي كرَّسته قوانين جيم كرو.
في كل هذه الحالات كانت الجماعة المسيطرة متحصِّنة في سرديتها التاريخية ومنفصلة عن إنسانية «أعدائها» بحيث لا يمكن إلا لإكراه من الخارج أن يحرِّكها نحو حل عادل. وهذا ينطبق على إسرائيل أيضا.
من أجل وضع حد للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني يمكن أن يأخذ هذا «الإكراه الخارجي» شكلَ مقاطعة استهلاكية للسلع الإسرائيلية ومقاطعات من الشركات للتقنية الإسرائيلية وعقوبات من الشركاء التجاريين الرئيسيين لإسرائيل وداعميها السياسيين وهما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
لا يمكن لدولة الأبارتايد تغيير نفسها طوعًا والإجراءات الخارجية هي السبيل الوحيد الذي يمكن أن يدفع إسرائيل بشكل جاد نحو إنهاء الاحتلال.
عن واشنطن بوست