غزة مجددًا
الثلاثاء / 12 / شوال / 1442 هـ - 20:43 - الثلاثاء 25 مايو 2021 20:43
----..---------01
في مقالة الأسبوع الماضي المعنونة بـ«الموت والمحو» جئت على ذكر برتقال غسان كنفاني الحزين، من خلال قصته الشهيرة، أتذكر أنني عندما كنت أتمشى في تونس عام ٢٠١٨ وألمحُ شجر برتقال متطاولا على أبواب بيوتها الأمامية، أقول في سري إن لهذا رابطا بمحبة التونسيين الكبيرة للفلسطينيين، مع إدراكي لوجود فلسطيني كبير ساهم في التعليم وبقية المهن في تونس، أكلتُ في تونس أشهى برتقالة على الإطلاق، وهذه ليست مبالغة.
بينما كنتُ أقرأ مطلع هذا الأسبوع كتاب معين بسيسو المنشور عام ١٩٧١ وعنوانه «في المعركة: يوميات غزة» جاء على ذكر بيارات البرتقال، وكان الاحتلال قد فرض حرب تجويع وتشريد للعرب الذين ظلوا في الداخل المحتل، فوجد العرب أنفسهم مضطرين للعمل في بياراتهم المسروقة، منذ العناية بالأشجار وموسم القطاف وحتى تعبئة صناديق البرتقال، ووضع الملصق الذي يقول إن هذا البرتقال قادم من إسرائيل، عبر ميناء تل أبيب.
يروي بسيسو عن فلاح فلسطيني، وفي غفلة من الحرس الإسرائيليين وضع رسالة مكتوبة بالعربية داخل أحد الصناديق يكتب فيها أنه لا يعرف في يد من ستقع هذه الرسالة، لكن البرتقال ليس لإسرائيل بل هي أراضي الفلسطينيين المسروقة في وضح النهار.
تمكن اللاجئون وأهل غزة من زراعتها، على الرغم من الجو المحمل بملح البحر، والنظرية السائدة عن غزة منذ زمن بعيد في أنها أرض قفر، لا تصلح لا للمقاومة ولا للعيش، زرع «الغزيون» برتقالهم بجانب البحر.
بحثت عن سيرة البرتقال في فلسطين، ومع أنني لم أوفق لواحدة مهتمة بهذا الموضوع حصرًا، إلا أن الدراسات والبحوث التي تتناول فلسطين قبل نكبتها لا يمكن أن تُغفل الحديث عن البرتقال.
حسب يزبك محمود في دراسته «يافا ما قبل النكبة: مدينة تنبض بالحياة» والتي نشرت عام ٢٠١٣ في مجلة الدراسات الفلسطينية العدد ٩٣ فإن بيارات البرتقال في يافا كانت أهم الاستثمارات لتجارها، وكان هذا الاستثمار مربحًا لولا أنه استنزف أهل يافا قبل الحصول على المردود الأول فلكي تعطي البيارة إنتاجًا كان على التاجر اكتراء أرض كبيرة وإنشاء نظام ري مكلف جدًا، شمل هذا حفر قنوات لنقل المياه إلى الأشجار، بعد هذا كله وجدت حمضيات يافا طريقها إلى مصر، وبعد رحيل الحكم المصري عن فلسطين عام ١٨٤٠ أصبح برتقال يافا المنتج الأساسي الذي وصل إلى إسطنبول والأناضول.
تذكرتُ على الفور قصة فارسية للكاتب صمد بهرنجي عنوانها قشر النارنج، وكان في القصة رجل يعمل في المقهى برفقة ابنه الصغير الذي يرتاد المدرسة، وقد كان معلم المدرسة جالسًا في المقهى كعادته، عندما طلب منه عامل المقهى أن يحضر في رحلته القادمة من المدينة، نارنج، لأن زوجته مصابة بمرض وعلاجها أن تغلي قشر نارنج في الماء.
كان هذا المعلم نفسه يحب وضع قشر البرتقال والنارنج بين صفحات كتبه لتترك رائحة زكية عليها، وقد قرر أن يجلب النارنجة للرجل الذي طلبها، ولكن بعد عودته مع النارنجة من المدينة بعد ثلاثة أيام كانت الزوجة قد فارقت الحياة، مما سب غمًا هائلًا لطفلها الصغير، الذي كره معلمه للغاية، شعر المعلم بأنه يحمل صخرة ثقيلة بحمله لتلك النارنجة.
وقد حاول مرارًا أن يفهم ما سر كراهية الطفل له، قد لا يكون مسار القصة يشبه بالضرورة ما عاشه الفلسطينيون إلا أنني كلما تذكرت صمدًا كاتبها وقد وصف البرتقالة في لحظة الموت بالصخرة الثقيلة، لم تستطع مخيلتي أن تحجب صور أطفال فلسطين وهم يقذفون الحجر، برتقالهم الوحيد الآن نحو عدوهم! أو كما يقول الشاعر الفرنسي إيف بونفوا:
«ولون الثمار الناضجة، البرتقاليّ، تنَامى،
مصباح ملاكٍ قريب، نبضَ
نورٍ مُخبأ يستحوذُ على الشجرة الكونية.
يُخيّل إليّ، هذا المساء،
أننا دخلنا في الحديقة التي أغلق
الملاك أبوابها دون عودة».
وفي دراسة بعنوان «شعر المقاومة الحي في قصيدة أحمد الزعتر لمحمود درويش» لمريم جاب الله التي نشرت في مجلة مسارات عددها السابع صيف ٢٠١٦ فإن شعر المقاومة الذي كتبه درويش، وقد لا أتفق مع ما ذهبت إليه مريم في تصنيفها بعض شعر درويش بأنه مقاوم وآخر غير مقاوم، إذ أعتبر ووفقًا لتلك النظرية المعروفة أن الشخصي سياسي أيضًا وأننا في تعبيرنا عن الذات في أكثر أشيائها ضآلة نقاوم سلطة ما، تقول مريم: إن درويش كثيرًا ما اعتمد على معجم الطبيعة فاستخدم التلول والزعتر والبرتقال والتفاح، تمامًا كما استخدم ذلك المعجم المناظر له معجم الحماسة والحرب كالحصار والعدو والرصاص والزنازين.
يكتب درويش «أنا أحمد العربي/ أنا الرصاص، البرتقال، الذكريات/ وجدتُ نفسي قرب نفسي» وفي مقطع آخر يكتب درويش «كيف محوت هذا الفارق/ اللفظي بين الصخر والتفاح/ بين البندقية والغزالة».
لطالما أحببتُ لون البرتقال، حيوي لا في ذاته بل تلك القدرة الخارقة التي يمتلكها لونه في إشاعة شيء من الحماسة، البرتقال كل البرتقال أشد وهجًا من الشمس، جرب أن تضع برتقالة في غرفة واختبر نظرك، جرب أن تضع كلمة برتقال في جملة، وانظر إلى لحنها والوقع الناري الذي تمنحه الكلمة للغة.
قلّما تأتي صورة البرتقال فاسدًا عندما نقرر ابتياع أوقية منه، على عكس فاكهة أخرى، البرتقال لون يرتبط بإفريقيا وسحرها، الشاعرة الأفرو أمريكية أليس ووكر تظهرُ في إحدى صورها مرتدية ساعة برتقالية، وكتبت في نص طويل لها: «وربما في إفريقيا منذ مائتي عام فاتوا، كانت توجد أم بهذا الشكل بالضبط، ربما رسمت زينات مبهجة وجريئة بالبرتقالي والأصفر والأخضر على جدران كوخها، وربما غنَّت بعذوبة فوق مباني قريتها - بصوت يشبه صوت روبرتا فلاك، ربما نسجت الحصائر الأكثر روعة والقصص الأكثر براعة بين جميع قصاصي القرية، ربما كانت هي نفسها شاعرة - رغم أن اسم ابنتها فقط هو الموقَّع على القصائد التي نعرفها».
وقد استمر في سرد قصائد تتغنى بالبرتقال، أو تأتي على ذكره لكنني لا أشك أبدًا في أننا في النهاية سنتوقف طويلًا للحديث عن غزة القفر، التي لا تستطيع حتى خوض حروب كتلك التي في مناطق جبلية أو بتضاريس أكثر تنوعًا، عدا أنها محاصرة اليوم، ومع ذلك في هذه الأرض وعلى بحرها المالح تعلمنا كل شيء ومن بين كل تلك الأشياء فهمنا أن البرتقال سينمو في أرض الفلسطينيين أينما حلوا كي لا ينسوا بياراتهم كي لا ينسوا نارهم، وثورتهم، نحن كلنا بتتابع كما قال درويش: «الرصاص والبرتقال والذكريات».
بينما كنتُ أقرأ مطلع هذا الأسبوع كتاب معين بسيسو المنشور عام ١٩٧١ وعنوانه «في المعركة: يوميات غزة» جاء على ذكر بيارات البرتقال، وكان الاحتلال قد فرض حرب تجويع وتشريد للعرب الذين ظلوا في الداخل المحتل، فوجد العرب أنفسهم مضطرين للعمل في بياراتهم المسروقة، منذ العناية بالأشجار وموسم القطاف وحتى تعبئة صناديق البرتقال، ووضع الملصق الذي يقول إن هذا البرتقال قادم من إسرائيل، عبر ميناء تل أبيب.
يروي بسيسو عن فلاح فلسطيني، وفي غفلة من الحرس الإسرائيليين وضع رسالة مكتوبة بالعربية داخل أحد الصناديق يكتب فيها أنه لا يعرف في يد من ستقع هذه الرسالة، لكن البرتقال ليس لإسرائيل بل هي أراضي الفلسطينيين المسروقة في وضح النهار.
تمكن اللاجئون وأهل غزة من زراعتها، على الرغم من الجو المحمل بملح البحر، والنظرية السائدة عن غزة منذ زمن بعيد في أنها أرض قفر، لا تصلح لا للمقاومة ولا للعيش، زرع «الغزيون» برتقالهم بجانب البحر.
بحثت عن سيرة البرتقال في فلسطين، ومع أنني لم أوفق لواحدة مهتمة بهذا الموضوع حصرًا، إلا أن الدراسات والبحوث التي تتناول فلسطين قبل نكبتها لا يمكن أن تُغفل الحديث عن البرتقال.
حسب يزبك محمود في دراسته «يافا ما قبل النكبة: مدينة تنبض بالحياة» والتي نشرت عام ٢٠١٣ في مجلة الدراسات الفلسطينية العدد ٩٣ فإن بيارات البرتقال في يافا كانت أهم الاستثمارات لتجارها، وكان هذا الاستثمار مربحًا لولا أنه استنزف أهل يافا قبل الحصول على المردود الأول فلكي تعطي البيارة إنتاجًا كان على التاجر اكتراء أرض كبيرة وإنشاء نظام ري مكلف جدًا، شمل هذا حفر قنوات لنقل المياه إلى الأشجار، بعد هذا كله وجدت حمضيات يافا طريقها إلى مصر، وبعد رحيل الحكم المصري عن فلسطين عام ١٨٤٠ أصبح برتقال يافا المنتج الأساسي الذي وصل إلى إسطنبول والأناضول.
تذكرتُ على الفور قصة فارسية للكاتب صمد بهرنجي عنوانها قشر النارنج، وكان في القصة رجل يعمل في المقهى برفقة ابنه الصغير الذي يرتاد المدرسة، وقد كان معلم المدرسة جالسًا في المقهى كعادته، عندما طلب منه عامل المقهى أن يحضر في رحلته القادمة من المدينة، نارنج، لأن زوجته مصابة بمرض وعلاجها أن تغلي قشر نارنج في الماء.
كان هذا المعلم نفسه يحب وضع قشر البرتقال والنارنج بين صفحات كتبه لتترك رائحة زكية عليها، وقد قرر أن يجلب النارنجة للرجل الذي طلبها، ولكن بعد عودته مع النارنجة من المدينة بعد ثلاثة أيام كانت الزوجة قد فارقت الحياة، مما سب غمًا هائلًا لطفلها الصغير، الذي كره معلمه للغاية، شعر المعلم بأنه يحمل صخرة ثقيلة بحمله لتلك النارنجة.
وقد حاول مرارًا أن يفهم ما سر كراهية الطفل له، قد لا يكون مسار القصة يشبه بالضرورة ما عاشه الفلسطينيون إلا أنني كلما تذكرت صمدًا كاتبها وقد وصف البرتقالة في لحظة الموت بالصخرة الثقيلة، لم تستطع مخيلتي أن تحجب صور أطفال فلسطين وهم يقذفون الحجر، برتقالهم الوحيد الآن نحو عدوهم! أو كما يقول الشاعر الفرنسي إيف بونفوا:
«ولون الثمار الناضجة، البرتقاليّ، تنَامى،
مصباح ملاكٍ قريب، نبضَ
نورٍ مُخبأ يستحوذُ على الشجرة الكونية.
يُخيّل إليّ، هذا المساء،
أننا دخلنا في الحديقة التي أغلق
الملاك أبوابها دون عودة».
وفي دراسة بعنوان «شعر المقاومة الحي في قصيدة أحمد الزعتر لمحمود درويش» لمريم جاب الله التي نشرت في مجلة مسارات عددها السابع صيف ٢٠١٦ فإن شعر المقاومة الذي كتبه درويش، وقد لا أتفق مع ما ذهبت إليه مريم في تصنيفها بعض شعر درويش بأنه مقاوم وآخر غير مقاوم، إذ أعتبر ووفقًا لتلك النظرية المعروفة أن الشخصي سياسي أيضًا وأننا في تعبيرنا عن الذات في أكثر أشيائها ضآلة نقاوم سلطة ما، تقول مريم: إن درويش كثيرًا ما اعتمد على معجم الطبيعة فاستخدم التلول والزعتر والبرتقال والتفاح، تمامًا كما استخدم ذلك المعجم المناظر له معجم الحماسة والحرب كالحصار والعدو والرصاص والزنازين.
يكتب درويش «أنا أحمد العربي/ أنا الرصاص، البرتقال، الذكريات/ وجدتُ نفسي قرب نفسي» وفي مقطع آخر يكتب درويش «كيف محوت هذا الفارق/ اللفظي بين الصخر والتفاح/ بين البندقية والغزالة».
لطالما أحببتُ لون البرتقال، حيوي لا في ذاته بل تلك القدرة الخارقة التي يمتلكها لونه في إشاعة شيء من الحماسة، البرتقال كل البرتقال أشد وهجًا من الشمس، جرب أن تضع برتقالة في غرفة واختبر نظرك، جرب أن تضع كلمة برتقال في جملة، وانظر إلى لحنها والوقع الناري الذي تمنحه الكلمة للغة.
قلّما تأتي صورة البرتقال فاسدًا عندما نقرر ابتياع أوقية منه، على عكس فاكهة أخرى، البرتقال لون يرتبط بإفريقيا وسحرها، الشاعرة الأفرو أمريكية أليس ووكر تظهرُ في إحدى صورها مرتدية ساعة برتقالية، وكتبت في نص طويل لها: «وربما في إفريقيا منذ مائتي عام فاتوا، كانت توجد أم بهذا الشكل بالضبط، ربما رسمت زينات مبهجة وجريئة بالبرتقالي والأصفر والأخضر على جدران كوخها، وربما غنَّت بعذوبة فوق مباني قريتها - بصوت يشبه صوت روبرتا فلاك، ربما نسجت الحصائر الأكثر روعة والقصص الأكثر براعة بين جميع قصاصي القرية، ربما كانت هي نفسها شاعرة - رغم أن اسم ابنتها فقط هو الموقَّع على القصائد التي نعرفها».
وقد استمر في سرد قصائد تتغنى بالبرتقال، أو تأتي على ذكره لكنني لا أشك أبدًا في أننا في النهاية سنتوقف طويلًا للحديث عن غزة القفر، التي لا تستطيع حتى خوض حروب كتلك التي في مناطق جبلية أو بتضاريس أكثر تنوعًا، عدا أنها محاصرة اليوم، ومع ذلك في هذه الأرض وعلى بحرها المالح تعلمنا كل شيء ومن بين كل تلك الأشياء فهمنا أن البرتقال سينمو في أرض الفلسطينيين أينما حلوا كي لا ينسوا بياراتهم كي لا ينسوا نارهم، وثورتهم، نحن كلنا بتتابع كما قال درويش: «الرصاص والبرتقال والذكريات».