أفكار وآراء

مقاييس الدولة في تأسيسها

عبدالله العليان
 
عبدالله العليان
في مسألة تحديد المفاهيم المتداولة، في قيام الدول وانعقادها، تأتي عبارة التداول بما يفهم منها التغير أو عدم الثبات على وتيرة واحدة ، أو أن الأمم تتداول فيها بما لا تبقى جامدة، وهذه من سنن الله عز وجل، في أن الحياة متغيرة، أو كما جاء في القرآن الكريم:(وتلك الأيام نداولها بين الناس)، وربما التفسير كما جاء في هذه الآية، أن الأمم والحضارات قد يحصل لها تغير بعدما قامت، ثم تتراجع أو تسقط أو تتلاشى ، من الخرائط السياسية سمة الحياة الصعود والهبوط، ومنها الدول، وقد شبه أحد الفلاسفة عمر الدول مثل عمر الإنسان الذي يكون طفلاً، ثم شاباً ، ثم كهلاً، ثم يموت ، وهذا يحصل في تاريخ الحضارات الإنسانية، لكن الدول قد تستمر، لكن قد عن مكانتها أيضاً بما لا تكون مثل كانت عليها قبل هذا التراجع، وهذا ما ينطبق على الحضارة العربية الإسلامية في بدء صعودها قبل قرون مضت ثم تراجعت.

لكن قيام الدولة المعاصرة، تختلف عن قيام الدول السابقة التي لم يتحدد لها أركان وشروط، لغياب المضامين كما هي الآن، لكنها كانت دول كبيرة بمقاييس ذلك العصر، التي كانت تتبعها مدن متعددة ومساحات واسعة، وأصبحت بعد ذلك هذه المدن دول قائمة، وتتوافر فيها الشروط المحددة في الدول الحديثة، من حيث توفر العديد من الاشتراطات، التي لا بد من أن تتوفر فيها من حيث المقومات الأساسية اللازمة لوجودها أيما كان المسمى الذي يتم الاعتراف بها كدولة في عصرنا ، وهذا ما قائم في عصر الراهن، حيث لا بد من توفر الأركان الأساسية لقيام الدولة المعاصرة مثل الأمة والشعب والمكان الجغرافي الذي تقيم فيه ،وتعترف بها الدول. أما فكرة الدولة القومية التي تأسست في الغرب منذ عدة قرون، بعد بروز الاكتشافات الحديثة وبدايات النهضة العلمية والفلسفية ، ولذلك تبلورت الفكرة كما يقول د/ صبحي محمصاني ، كأساس للدولة القومية و:'هي فكرة حديثة في تاريخ نشوء الأمم والدول. ففي المجتمعات الفطرية القديمة ، كانت القبيلة الجماعة الاجتماعية الوحيدة ، وكانت تقوم مقام الدولة، أو بالأحرى كانت شبه دولة مبنية على العصبية القبلية الضيقة . ثم انتقلت من البداوة إلى الحضارة ، وتوسعت في بعض العصور.

والدولة ، بمعنى الكيان السياسي المستقل ، ضرورة اجتماعية لا بد منها . فهي الوازع الذي يؤمن النظام وإحقاق الحق في المجتمع .

وهي ، بتعريفها الحديث ، مجموعة سياسية من الأفراد ، لها إقليم محدود ، وتربط أفرادها سلطة سياسية ، ذات سيادة داخلية وخارجية '.

ويرى العلامة ابن خلدون له رؤية أخرى كما عاشها في فترة عصيبة عصره ، من الصراعات الداخلية في المغرب العربي ، وأدت إلى ما أدت إليه، كما أشار في تحليله للواقع الذي عاشه كما طرح في نظريته في كتابه ' المقدمة'. والتي فسّر فيها أسباب تراجع المكانة العربية والإسلامية، في مناحي كثيرة، ومنها التخلف والتراجع في مجالات كثيرة، عما كان عليه الحال في عهود ازدهار الحضارة العربية الإسلامية ، من حيث التقدم ونهضة العلوم المختلفة ، ويرى ابن خلدون أن الدولة: يستكمل بناؤها من خلال النمو التدريجي في خضم الصراع بين القبائل من أجل البقاء ، ثم تكون هناك حاجة لقيام الدولة من أجل الاستقرار، ويتم ذلك من خلال العصبية وإنهاء تناقضاتها السلبية .وفي رأي ابن خلدون أن :'الدعوة الدينية ولا أن هذه تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية ، التي كانت لها من عددها'.

كما أن هذه 'الاستنتاجات الأخيرة ـ كما يقول الباحث حسين هنداوي ـ في كتابه (التاريخ والدولة ما بين ابن خلدون وهيغل) مهمة جداً ، عندما نريد الانتقال إلى مقارنتها بما يناظرها في المفهوم الهيغلي ـ نسبة إلى الفيلسوف الأماني هيغل ـ حول مصدر ضرورة الدولة . إذ نجده يقول ، هو أيضاً ، بأن الدين أصل للدولة .

وبالفعل ، بالنسبة إليه ، إن دولة ما ، لا يمكن أن تظهر ، إلا استناداً إلى دين محدد ، هو ذلك الذي تولد فيه . ولذا ، فهي ترتبط به ، بشكل دائم وعميق ، على صعيد قيم حياتها الداخلية والخارجية ، فتزدهر بازدهاره ، وتندحر باندحاره أيضاً '.

وإذا جئنا إلى الدولة في العصر الإسلامي الأول ، فقد تحققت للدولة في الإسلام ، الأركان الثلاثة بمقاييس هذا العصر ، منذ هجرة الرسول إلى المدينة وتأسيس الدولة واستكمال مستلزماتها القانونية من: الشعب ـ الإقليم والسلطة ـ والسيادة الوطنية القانونية ـ فالدعوة الإسلامية انتهت إلى تأسيس دولة ، وهذه الدعوة نمت بنمو دعوة هذا الدين وانتشاره وتوسعه في الآفاق ، وتعتبر هذه الظاهرة المميزة ـ كما يقول د. محمد سليم العوا في ذلك العصر تعتبر:'أقدم صورة معروفة إلى اليوم في تاريخ الإنسانية باعتبارها صورة تاريخية ، من صور المجتمع السياسي. وذلك بفضل تميزها عن غيرها من المجتمعات السياسية التي سبقتها في الوجود ، أو التي كانت معاصرة لها بتقرير مبدأ الشرعية ، أي مبدأ خضوع الدولة للقانون ، ذلك أن الدولة باعتبارها صورة من صور المجتمع السياسي ، كما يشترط لقيامها توافر العناصر المادية الثلاثة ( الشعب ـ الأرض ـ السلطة ) فإنه يشترط لكي يعد مجتمع ما ' دولة ' ، أن يتوافر كذلك عنصر معنوي هو أن تكون السيادة في هذا المجتمع للقانون . بمعنى أنه كما يخضع الأفراد للقوانين التي تصدرها السلطة المختصة في الدولة، فإن مؤسسات الحكم والإدارة تخضع كذلك للقوانين ، وتتحمل تبعة الإخلال بها كما يتحملها الأفراد سواء بسواء'.

وبغض النظر عن بعض الأقوال التي تقول أن الإسلام لم يقم دولة، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام ، لم يسع لقيامها، لكن هذا القول يخالف واقع ما تم في المدينة بعد الهجرة، وتأسيس صحيفة أو وثيقة المدينة ، كما أقام الرسول دولة بمقاييس ذلك العصر، وهذا ما اعترف به أحد المستشرقين المعروفين في رؤيته المنحازة والمتطرفة ، وهو المستشرق المعاصر ـ 'برنارد لويس' ـ فيقول:' الإسلام ليس مجرد نظام للعقيدة والعبادة أي مجرد جزء من الحياة منفصل عن الأجزاء الأخرى التي تبقى من اختصاص السلطات غير الدينية والتي تعتمد القوانين غير الشرعية ـ مضيفا في فقرة أخرى ـ أن الخليفة أو الإمبراطور وهو رأس الدولة المسلمة ، يجمع السلطة السياسية والدينية ، ولذلك فليس هناك صراع ، كما لا يوجد تعاون ، ولا فصل ، كما لا يوجد ترابط ، لأن المؤسسة الحاكمة في الإسلام كانت تجمع الوظيفتين'.

كما يقول لويس أيضا في كتابه (لغة السياسة في الإسلام) منكرا تشبيه الرئاسة في الإسلام بما هو معروف في الفكر الغربي الكنسي بالحكم الإلهي فيقول :'إن السلطة العليا للدولة الإسلامية والمجتمع نيابة أو وصاية لمن كان وصياً في الحقيقة للرسول أو لله .ونظرة الفقهاء التي تعبر عنها مثل هذه الحكاية ومعظمها في صيغة نقاش مباشر أن السلطة خلافة للرسول وليست خلافة لله.

وأحس الفقهاء والآخرون بوضوح أن الحاجة ملحة لمناقشة هذه النقطة بشكل متكرر ، فهم يخوضون فيها ربما لإبلاغ من يستخدمها ومن لا يستخدمها ، لا لكي يدحضوا أي رأي مخالف'. ولا شك أن هذه المسألة أصبحت مدار نقاشات كثيرة وما تزال، خاصة بعد دخول الاستعمار الغربي البلاد العربية، والذي حاول أن يجعل رؤيته الفكرية هي التي تمتد إلى كل مجالات الحياة كما يراها، يريد أن يكون ليس مستعمراً عسكرياً فقط، بل يريد أن يكون فكرياً وثقافياً.