ثورة اليأس
الثلاثاء / 14 / رمضان / 1442 هـ - 22:55 - الثلاثاء 27 أبريل 2021 22:55
456678
هل في القتامة شيءٌ ثوري؟ واليأس هل هو مرادف للتمرد؟ قد نظن في بعض الأحيان أن اليأس مجاني، ذلك أن أسبابه كثيرة، من بينها حسب محمود درويش» وجع الحياة» إذا اعتبرنا اليأس تنويعة على «الوفاة» التي جاءت في قصيدة درويش تلك. في كتابها «وعد السعادة» تخبرنا سارة أحمد كيف أن السعادة تأتي كنوع من القوة الجماعية التي تؤسس لحالة عامة من الرضا، لذلك فإن الإخفاق في هذا العقد الاجتماعي هو مسؤولية تقع على عاتق الفرد وحده وبهذا يكون الخروج عن السعادة هو تغريبٌ بحد ذاته قبل أن يبدأ الاغتراب بتلبس كل تمظهرات ما دون السعادة! لذلك لا يهم صديقي القارئ ما إن كنت تطارد وعد السعادة حتى تهلك المهم أن تُُظهر هذه المطاردة وإلا أصبحتَ منبوذاً. قد يفسر هذا ترددنا عند الإجابة على سؤال: هل أنت سعيد؟ ومع ذلك كله يمكن أن نستنتج إذن أن اليأس ليس مجانياً على الإطلاق وأن تكلفته كبيرة مقارنة بالموقف المضاد لليأس واعذروني على عدم تسميته، إذ إن في هذا تحديداً مشقة ومسؤولية كبيرة لا أستطيع الوقوف عندها.
نحن كعرب أعرف من غيرنا باليأس، إذ إنه وعلى حد تعبير نادر كاظم كنا وما زلنا ننتظر على الدوام مرثية مثقف عربي آخر لانهيار مشروع الوحدة القومية، يوثق مسارنا الانتكاسي وخروجنا من التاريخ، أطلق عليه نادر صفة «الإحساس السلبي المشل» والذي وإن بدأ أي مشروع فكري جديد بنقيضه ينتهي إلى الإقرار بقبول الحال على بؤسه. أو هو ما أطلق عليه محمد عابد الجابري «أدبيات السقوط» إلا أن نادر كاظم يعود للتفكير في مسألة اليأس هذه ودورها العضوي في التحولات العربية الكبيرة، كاشفاً أن «البؤس ليس سوى فاصل في سيرورة الأمل» إذ إنه وعلى مدى قرنين كان الفكر العربي مفعماً بالأمل، ولو درسنا هذه الموجات لوجدنا أنه عادة ما تخللها موجات مضادة من اليأس. ولعل الربيع العربي الذي خرج في وقت كان فيه الفضاء العربي مشحوناً باليأس، علامة على أن البدائل موجودة دائماً. وبهذا يمكن أن نبدأ في قراءة اليأس ومرحلة السقوط في كونها فترة زمنية يتم فيها اختيار المنظر القادم، إنها نوع من الحِداد اللازم للتعبير عن خيبة الأمل، بدلاً من ذلك التوهم النرجسي بالقدرة على الوصول.
وفي الشعر العربي، يمكن أن نقرأ يأس المتنبي في كونه «تبرماً من الواقع المرير» إذ إن القرن الرابع الهجري عرفُ بأنه قرن التدهور السياسي وتفسخ الإمبراطورية العربية وقرن بلغت فيه التناقضات الاجتماعية أشدها فيكتب المتنبي:
لا أقتري بلداً على غررٍ. ولا أمرُ بخلق غير مضطغن
ولا أعاشر من أملاكهم أحداً إلا أحق بضرب الرأس من وثن
وبكل ما نعرفه عن تلك المرحلة التاريخية نجد أن اليأس في هذه الحالة هو مكانة يعبر من خلالها عن الوعي بالذات، والقدرة على التواصل الحساس مع المحيط الذي عاش فيه المتنبي. إن يأس المتنبي لهو دلالة يقظة، عدا أنه يعدُ منطقاً مضاداً للتغريب، اذ يبدو الشاعر منخرطاً في المجتمع القادم منه. وعلينا أن نتذكر أن اليأس مختلف عن اللامبالاة، فالثانية سلبية ولا حركة فيها. فلنتأمل مثلاً مدخل رواية قصة مدينتين لتشارلز ديكنز بترجمة للقدير منير البعلبكي «كان أحسن الأزمان، وكان أسوأ الأزمان. كان عصر الحكمة، وكان عصر الحماقة. كان عهد الإيمان، وكان عهد الجحود. كان زمن النور، وكان زمن الظلمة. كان ربيع الأمل، وكان شتاء القنوط.» والقنوط هو اليأس، وهو مواز للأمل، إنه نصفُ الحياة المقررة علينا حتماً، إنه جدير بالذكر من بين كل ما هو شر وشقاء!
ذات يوم عندما كنتُ طفلة أدركتُ للمرة الأولى أن نقائض الأشياء تمنحها قيمتها، فما الخير دون الشر؟ بدت لي حينها معجزة تمثلت لي وحدي، وكأن لديّ بصيرةٌ نافذة، سأحتاج لبعض الوقت لأتخلص من هذه النرجسية الطفولية، ولوقت أطول لأنظر للأشياء لا في القيمة التي يشكلها تضادها، بل فيها هي ذاتها. وبمناسبة ذكر هذا التضاد فتكاد فلسفة المتصوفة المسلمين تكمن في أن حكمة الكون في النقائض والأضداد، لذلك مدحوا اليأس والألم مثلما مدحوا الرجاء ابن عطار قال « من الممكن للظلمة أن تغلبك/حيث إنه تعالى يدعك تتعرف إلى مبلغ قيمة/ ما يهبك من عطايا ومنح/ فإن الذي لا يبصر قيمة فضائله ونعمائه تعالى/عندما تكون ظاهرة، وللعيان بادية/ فإنه سوف يدرك هذه القيمة حينما يفقد هذه/ الفضائل وتغيب عنه تلك النعم.»
إن هذا ليس سعياً لرمسنة اليأس، لكنه في عالم قيم النيوليبرالية، والرغبة في الركض المستمر لتحقيق ثروة أكبر ومكانة أهم باستمرار، نوعٌ من مديح الحياة العادية، وبرهنة أن في اليأس حلمية تخصه، فلنقرأ عن الشخصية الرئيسية «فالوسكا» في رواية كآبة المقاومة للهنغاري لاسلوكراسناهوركاي هذه المقاطع المتفرقة من العمل: «ما كان قادراً على أن يتبين أي اختلاف عضوي حاسم بين حياته وحياة الآخرين، فصار يعتبر المدينة كلها بالمعنى الحرفي للكلمة من جادة ناغوفارد حتى مصنع الحليب المجفف مسكناً له» ويقول في مكان آخر: «لم يكن له أي أمل في التطور لكي يصير أكثر اهتماماً بالانتباه إلى الوقت انتباهاً حقيقياً، بل ظل أقرب إلى أن يكون نوعاً مجنوناً من أنواع التأهب، وذلك على الرغم من أن بعض الأشخاص ابتغاء التبسيط أو نتيجة عمق تطبعهم بردود الأفعال غير الحساسة - يفضلون اعتباره شخصاً مجنوناً.» إن ما أحاول قوله عن اليأس هنا، أنه يشبه ذلك الاعتقاد بأن ثمرة الشمندر ليست مفضلة لدى الجميع، لأن طعمها هو طعمُ الأرض، ومع ذلك هنالك من يحبون الشمندر كثيراً كيفما تناولوه، إن اليأس هو الآخر وفي هذه المعادلة هو طعم الأرض لا محالة. وفي قراءة رولان بارت، فإنه يفرقُ بين فئتين لليأس فيكتب: «اليأس اللطيف، أي الانصياع الفعال (أحبك كما ينبغي أن يكون الحب، في اليأس) واليأس العنيف: ذات يوم بعد حادث عارض لا أدري ما هو، أنزوي في حجرتي وأنفجر منتحباً: تجرفني موجة قوية ولكوني مخنوقاً من الألم، يتصلب جسدي كتلة واحدة، ويتكدر: أرى في ومضةٍ قاطعة باردة، الانهيار الذي أنا صائر إليه. لا صلة لهذا بالإحباط النفسي المخاتل، وباختصار، لا صلة لي بأساليب الحب المتحضر للمحب المهجور: أنا لا أنهار، لأني صلب. المسألة واضحة وضوح كارثة (أنا إمرؤ هالك)» وهذه الصورة عن اليأس الفعال ليست جديدة، فلقد بدا التقلب في عذاب الحب، تقلباً عذبا،ً أحد أهم مساعي الإنسان، وأن الوصول للحب المنشود فيه نوع من الألم الصافي، الذي يجعل الإنسان أكثر تواضعاً وانطلاقاً في العالم، كما لو أن تراجعاً يحدث لنرجسيته، عبر إدراك أن حدوده الصغيرة جداً، لا بأس بها، فهي تمنحه هذا التسامي الخاص، كما تمكنه من احتمال العيش في رقعة محدودة لا يريد فيها غير المحبوب. إن هذا اليأس هو وعد بالطهارة، لأن السعي الذي يكون في غير اليأس يمرغُ نفسه في وحل الواقع، الذي يتطلب قدراً من التنازلات والتضحيات، إنه مكان يمكن أن تستلم فيه وأنت منتصر.»يا حبُّ لا هدفٌ لنا إلا الهزيمةَ في/حروبك.. فانتصرْ أَنت انتصرْ، واسمعْ/مديحك من ضحاياكَ: انتصر سَلِمَتْ/يداك وَعدْ إلينا خاسرين... وسالما»
نحن كعرب أعرف من غيرنا باليأس، إذ إنه وعلى حد تعبير نادر كاظم كنا وما زلنا ننتظر على الدوام مرثية مثقف عربي آخر لانهيار مشروع الوحدة القومية، يوثق مسارنا الانتكاسي وخروجنا من التاريخ، أطلق عليه نادر صفة «الإحساس السلبي المشل» والذي وإن بدأ أي مشروع فكري جديد بنقيضه ينتهي إلى الإقرار بقبول الحال على بؤسه. أو هو ما أطلق عليه محمد عابد الجابري «أدبيات السقوط» إلا أن نادر كاظم يعود للتفكير في مسألة اليأس هذه ودورها العضوي في التحولات العربية الكبيرة، كاشفاً أن «البؤس ليس سوى فاصل في سيرورة الأمل» إذ إنه وعلى مدى قرنين كان الفكر العربي مفعماً بالأمل، ولو درسنا هذه الموجات لوجدنا أنه عادة ما تخللها موجات مضادة من اليأس. ولعل الربيع العربي الذي خرج في وقت كان فيه الفضاء العربي مشحوناً باليأس، علامة على أن البدائل موجودة دائماً. وبهذا يمكن أن نبدأ في قراءة اليأس ومرحلة السقوط في كونها فترة زمنية يتم فيها اختيار المنظر القادم، إنها نوع من الحِداد اللازم للتعبير عن خيبة الأمل، بدلاً من ذلك التوهم النرجسي بالقدرة على الوصول.
وفي الشعر العربي، يمكن أن نقرأ يأس المتنبي في كونه «تبرماً من الواقع المرير» إذ إن القرن الرابع الهجري عرفُ بأنه قرن التدهور السياسي وتفسخ الإمبراطورية العربية وقرن بلغت فيه التناقضات الاجتماعية أشدها فيكتب المتنبي:
لا أقتري بلداً على غررٍ. ولا أمرُ بخلق غير مضطغن
ولا أعاشر من أملاكهم أحداً إلا أحق بضرب الرأس من وثن
وبكل ما نعرفه عن تلك المرحلة التاريخية نجد أن اليأس في هذه الحالة هو مكانة يعبر من خلالها عن الوعي بالذات، والقدرة على التواصل الحساس مع المحيط الذي عاش فيه المتنبي. إن يأس المتنبي لهو دلالة يقظة، عدا أنه يعدُ منطقاً مضاداً للتغريب، اذ يبدو الشاعر منخرطاً في المجتمع القادم منه. وعلينا أن نتذكر أن اليأس مختلف عن اللامبالاة، فالثانية سلبية ولا حركة فيها. فلنتأمل مثلاً مدخل رواية قصة مدينتين لتشارلز ديكنز بترجمة للقدير منير البعلبكي «كان أحسن الأزمان، وكان أسوأ الأزمان. كان عصر الحكمة، وكان عصر الحماقة. كان عهد الإيمان، وكان عهد الجحود. كان زمن النور، وكان زمن الظلمة. كان ربيع الأمل، وكان شتاء القنوط.» والقنوط هو اليأس، وهو مواز للأمل، إنه نصفُ الحياة المقررة علينا حتماً، إنه جدير بالذكر من بين كل ما هو شر وشقاء!
ذات يوم عندما كنتُ طفلة أدركتُ للمرة الأولى أن نقائض الأشياء تمنحها قيمتها، فما الخير دون الشر؟ بدت لي حينها معجزة تمثلت لي وحدي، وكأن لديّ بصيرةٌ نافذة، سأحتاج لبعض الوقت لأتخلص من هذه النرجسية الطفولية، ولوقت أطول لأنظر للأشياء لا في القيمة التي يشكلها تضادها، بل فيها هي ذاتها. وبمناسبة ذكر هذا التضاد فتكاد فلسفة المتصوفة المسلمين تكمن في أن حكمة الكون في النقائض والأضداد، لذلك مدحوا اليأس والألم مثلما مدحوا الرجاء ابن عطار قال « من الممكن للظلمة أن تغلبك/حيث إنه تعالى يدعك تتعرف إلى مبلغ قيمة/ ما يهبك من عطايا ومنح/ فإن الذي لا يبصر قيمة فضائله ونعمائه تعالى/عندما تكون ظاهرة، وللعيان بادية/ فإنه سوف يدرك هذه القيمة حينما يفقد هذه/ الفضائل وتغيب عنه تلك النعم.»
إن هذا ليس سعياً لرمسنة اليأس، لكنه في عالم قيم النيوليبرالية، والرغبة في الركض المستمر لتحقيق ثروة أكبر ومكانة أهم باستمرار، نوعٌ من مديح الحياة العادية، وبرهنة أن في اليأس حلمية تخصه، فلنقرأ عن الشخصية الرئيسية «فالوسكا» في رواية كآبة المقاومة للهنغاري لاسلوكراسناهوركاي هذه المقاطع المتفرقة من العمل: «ما كان قادراً على أن يتبين أي اختلاف عضوي حاسم بين حياته وحياة الآخرين، فصار يعتبر المدينة كلها بالمعنى الحرفي للكلمة من جادة ناغوفارد حتى مصنع الحليب المجفف مسكناً له» ويقول في مكان آخر: «لم يكن له أي أمل في التطور لكي يصير أكثر اهتماماً بالانتباه إلى الوقت انتباهاً حقيقياً، بل ظل أقرب إلى أن يكون نوعاً مجنوناً من أنواع التأهب، وذلك على الرغم من أن بعض الأشخاص ابتغاء التبسيط أو نتيجة عمق تطبعهم بردود الأفعال غير الحساسة - يفضلون اعتباره شخصاً مجنوناً.» إن ما أحاول قوله عن اليأس هنا، أنه يشبه ذلك الاعتقاد بأن ثمرة الشمندر ليست مفضلة لدى الجميع، لأن طعمها هو طعمُ الأرض، ومع ذلك هنالك من يحبون الشمندر كثيراً كيفما تناولوه، إن اليأس هو الآخر وفي هذه المعادلة هو طعم الأرض لا محالة. وفي قراءة رولان بارت، فإنه يفرقُ بين فئتين لليأس فيكتب: «اليأس اللطيف، أي الانصياع الفعال (أحبك كما ينبغي أن يكون الحب، في اليأس) واليأس العنيف: ذات يوم بعد حادث عارض لا أدري ما هو، أنزوي في حجرتي وأنفجر منتحباً: تجرفني موجة قوية ولكوني مخنوقاً من الألم، يتصلب جسدي كتلة واحدة، ويتكدر: أرى في ومضةٍ قاطعة باردة، الانهيار الذي أنا صائر إليه. لا صلة لهذا بالإحباط النفسي المخاتل، وباختصار، لا صلة لي بأساليب الحب المتحضر للمحب المهجور: أنا لا أنهار، لأني صلب. المسألة واضحة وضوح كارثة (أنا إمرؤ هالك)» وهذه الصورة عن اليأس الفعال ليست جديدة، فلقد بدا التقلب في عذاب الحب، تقلباً عذبا،ً أحد أهم مساعي الإنسان، وأن الوصول للحب المنشود فيه نوع من الألم الصافي، الذي يجعل الإنسان أكثر تواضعاً وانطلاقاً في العالم، كما لو أن تراجعاً يحدث لنرجسيته، عبر إدراك أن حدوده الصغيرة جداً، لا بأس بها، فهي تمنحه هذا التسامي الخاص، كما تمكنه من احتمال العيش في رقعة محدودة لا يريد فيها غير المحبوب. إن هذا اليأس هو وعد بالطهارة، لأن السعي الذي يكون في غير اليأس يمرغُ نفسه في وحل الواقع، الذي يتطلب قدراً من التنازلات والتضحيات، إنه مكان يمكن أن تستلم فيه وأنت منتصر.»يا حبُّ لا هدفٌ لنا إلا الهزيمةَ في/حروبك.. فانتصرْ أَنت انتصرْ، واسمعْ/مديحك من ضحاياكَ: انتصر سَلِمَتْ/يداك وَعدْ إلينا خاسرين... وسالما»