هوامش …ومتون – صناعة الدهشة !

عبدالرزّاق الربيعي –

في عام ١٩٩٣ دُعيت لحضور تصوير المشهد الأخير لفيلم« الملك غازي»، وهو مشهد تشييع جثمان الملك غازي الذي رحل في ٤ أبريل ١٩٣٩ عندما كان في عزّ شبابه بحادث سير قيل أنه مدبّر، وجرى التصوير في منطقة الأعظمية في الشارع المؤدّي للمقبرة الملكية ببغداد، وكان الموكب في طريقه للمقبرة، وهو من أهمّ مشاهد الفيلم؛ لذا استعان المخرج محمد شكري جميل بمئات من الكومبارس ليؤدّوا دور المشيّعين من رجالات الدولة، والجيش، والشرطة، وطلاب المدارس، والنساء اللواتي كنّ يبكين على الملك الراحل، كما اعتدن في العزاءات العراقيّة، بشكل رفع درجة حزن المشهد عاليا، وامتلأ الشارع بعازفي الموسيقى العسكرية الجنائزية، وكنا نراقب، نحن الإعلاميين الذين جاؤوا لتغطية الحدث، بقلوب تسلّل إليها الحزن، وأذكر إنني شاهدت امرأة مسنّة، كان تتابع معنا المشهد، وتولول، بالطريقة نفسها التي تبكي بها النساء (الكومبارس) أمام الكاميرات، وقد استعان المخرج في تصويره للمشهد، بثلاث كاميرات، كانت مثبّتة فوق رافعة، فهدّأتها، وقلت لها: هوّني على نفسك هذا تمثيل، وليس حقيقة، فتوقّفت عن البكاء، ونظرت لي نظرة عبّرت بها عن انزعاجها من ملاحظتي، وقالت لي بغضب: أعرف أنه تمثيل، لكنني أبكي على الملك غازي، فلقد كنت بقصر الزهور في عمر المراهقة، عندما جاء خبر مصرعه، اليوم عدت إلى ما قبل أكثر من خمسين سنة! تذكّرت ذلك اليوم، وأنا أتابع بعيون مملوءة بالدهشة، الاحتفال الملكي الذي نظمته مصر، فأبهر العالم، ذلك الاحتفال المتمثّل بنقل المومياوات الملكية إلى متحف الحضارات، وسار في موكب مهيب، على إيقاعات موسيقى كلاسيكية، جاءت متناغمة مع مهابة، وجلال الموكب الملكي في عرض ساحر نقلته الفضائيات إلى ملايين المتابعين في العالم.
تلك المهابة هي القاسم المشترك بين المشهدين؛ مشهد تشييع جثمان الملك غازي، خلال تصوير الفيلم، ومشهد نقل المومياوات، وفي كلا المشهدين كانت لغة الفن هي الطاغية، ولمساته الساحرة، حاضرة، خصوصا عندما وقفت خلفه فكرة عميقة، ورؤى، استفزتّ المخيّلة، وناغت الوجدان، وأضفت المتعة على المتابعين، يقول نيتشه «المتعة في الفن هي أساس كل عمل؛ لأنها ترفع من وتيرة استثارة المتفرج نحو الرؤية الجمالية، ومن دون ذلك لا يمكن إنجاز أي فن»، وما أعظم الفن، الذي يصنع الدهشة، ويعيد صياغة الواقع، وتشكيله، بهيئة تجعلنا نشعر بما يحيط بنا، بإحساس مضاعف ! فكم من مشهد لعجوز يتوسّد الرصيف، أشحنا وجوهنا عنه، أو غيّرنا مسارنا تجنّبا لمرأى هكذا مشهد مؤلم، لكننا ننظر له بعيون متّسعة، متأملين جماليّات التعبير، لو شاهدنا ذلك العجوز في لوحة فنية، تُظهر معاناة ذلك الإنسان!
وهذا هو الفنّ يحيل التراب ذهبا، والعادي إلى نفيس، ويثير بداخلنا الأسئلة، والحيرة، والانتشاء، تقول الكاتبة آيريس مردوخ « الفن هو ملاعبة قريبة وخطيرة مع قوى اللاوعي الكامنة فينا، ونحن نستمتع بالفن، حتى بأكثر أشكاله بساطة؛ لأنه يزعزع كوامن روحنا بطرق عميقة وغير مفهومة لنا في الغالب».
وأنا أشاهد ذلك الموكب الملكي، وأسمع المعزوفات، تساءلت مع نفسي: ماذا لو تعاطت مصر مع نقل المومياوات كحدث عادي، فالحيّ أولى من الميّت، خاصّة أنّ المواطن العربي اليوم مثقل بالكثير من الأزمات الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة؟ لكنّها تعاطت معه بروح المسؤولية الواعية، لقيمة تلك الرموز، والأيقونات، لتعلي من شأن التاريخ، الذي يظل في حكم الحيّ، و«التاريخ هو الحاضر» كما يقول روبن جورج.
لقد حمل الاحتفال عدّة رسائل أبرزها أنّ الأمم تُقاس بثقلها الحضاري، وإرثها الذي يشكّل لها رصيدا، لا يبلى، وسيبقى حيّا مع تعاقب الأجيال، وجاء ليعزّز ثقتنا بحضارتنا، وأنفسنا، ويرسّخ فينا الشعور بقيمة هذا الإرث، وعظمة المكان، والجذور العميقة لإنسان هذه المنطقة التي هي متحف حضارات، في مشهد مهيب، سيظلّ راسخا في الذاكرة، مثل مشهد تشييع الملك غازي في الفيلم الذي جعل حدثا جرى قبل خمسين سنة، يطفو على سطح ذاكرة تلك المرأة المسنّة، بجهود الفنّانين المشتغلين على صناعة الدهشة!