الرهانات الوطنية تتجدد على النجد الزراعي في محافظة ظفار

د. عبدالله باحجاج –

نؤمن دائما، وكل ما نمر به من أحداث وأزمات تعزز هذا الإيمان، وهو أن لدى بلادنا من الإمكانيات والقدرات الطبيعية والبشرية ما يجعلها آمنة في سربها، وقوية في محيطها، ومستقلة ومستفردة في مفهوم أمنها الشامل، بل أكبر من ذلك، وهو تعدي خيراتها على الجار والشقيق والصديق، لكن، كل هذا يظل مرهونا بوجود الطاقة التي تنتج الأفعال وتفجر الدوافع في السيكولوجيات، وتطلق الآمال، فإيماننا يدفع بنا إلى القول بكل اطمئنان وثقة، أننا في مرحلة ورغم تحدياتها الكبرى، وآلامها الاجتماعية، إلا أننا بإمكاننا إعادة بناء ذاتنا من رحم التحديات، ومن المؤكد أننا سنصنع الفارق التاريخي .

النموذج الذي نقدمه هنا، للاستدلال على ما نقول، التوسع المتعاظم في زراعة محصول القمح في منطقة النجد بمحافظة ظفار، فبعد محاولات متواضعة جدا من قبل مزارعين خلال العامين الماضيين، مثلا، العام الماضي 2020 ، بلغ محصول القمح « 60» فدانا، قفز مؤخرا الإنتاج إلى « 6010» أفدنة، يبلغ إنتاجها ما بين « 720-730» طنا.
وهذا الإنجاز الكبير يحسب للمزارعين الذين جاهدوا منذ الثمانينيات في زراعة الصحراء، وتحملوا تبعات كلفة وقسوة الزراعة في الصحراء القاحلة ، المتحركة الرمال ، وقد يحار علماء النفس والاجتماع في دراسة سيكولوجية صمود هؤلاء المزارعين رغم أن كل شيء كان ضدهم، لكنهم يحق لهم اليوم الافتخار بهذا الصمود بعد نجاح « 15» مزارعا منهم في التوسع الكبير في إنتاج محصول القمح.
لو تساءلنا، كيف حدث هذا التحول الآن؟ ولماذا لم يحدث سابقا؟ فسنجد أن الطاقة التي ولدت هذا الإنتاج الاستثنائي – الغائبة سابقا، والمتوفرة حاليا – تكمن في خطوة وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد التي اعتبرت محصول القمح من ضمن النطاقات الاستهدافية لمنطقة النجد في محافظة ظفار، وسهلت للمزارعين الحاصدات للازمة لكي يكون إنتاج النجد في توقيته المناسب والمتزامن، وأبرمت مع شركة المطاحن العمانية اتفاقية ، تقوم الشركة بموجبها باستقبال كل إنتاج محصول القمح من النجد، من هنا، تفجرت طاقات شبابنا، واستنطقت صحراء الربع الخالي بمحصول القمح العماني، والمستقبل واعد إذا ما صاحبته خطوات دعم حكومية أخرى.
وهذا الإنتاج الاستثنائي، يعني الشيء الكثير لكل مطلع على فاتورة استيرادنا الضخمة من القمح مقارنة بضعف إنتاجنا المحلي ، حيث تستورد بلادنا سنويا «ثمانمائة» ألف طن سنويا، فيما بلغ إنتاجنا المحلي منه العام الماضي 2020 ، حوالي ألفي طن سنويا فقط، وإذا ما قارنا إنتاج النجد الجديد البالغ ما بين «720- 730» طنا، بالإنتاج المحلي الإجمالي أكثر من ألفين، فإنا لا نبالغ إذا ما اعتبرنا إنتاج النجد استثنائيا بحق.
ولنا تصور البعد السيكولوجي الوطني من القفزة الإنتاجية لمحصول القمح في النجد بمحافظة ظفار في ضوء ما ذكرناه سابقا من أرقام، ولا يمكن تصور هذا البعد إلا إذا ما علمنا، كيف أصبح القمح مسيسا عالميا الآن، وارتفاع أسعاره مؤخرا ، ما هو إلا نتيجة هذا التسييس، أي ليس له علاقة بالعوامل الطبيعية التي ترفع الأسعار عادة ، مثل قلة الأمطار أو زيادة الطلب وقلة المعروض.
وبالتالي، فإن الارتفاع الملحوظ في إنتاجنا المحلي من القمح ، يكسب لمسيرة صناعة أمننا الغذائي الثقة ، ويمنح إمكانية توفير المستوى الآمن من القمح محليا، وهذا أمل بوصلته الوطنية قد أصبحت تتجه الآن نحو النجد.
لكن ، ليس النجد قمحا فحسب، فقبل إنجاز القمح، أثبتت مجموعة من شبابنا أن الزراعة في النجد، يمكن أن تحقق الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي في العديد من المحاصيل الزراعية الأساسية ، وقد كنا شهود عيان على تحقيقهم الاكتفاء الذاتي في السوق المحلي من الكثير من المحاصيل ، حطموا من خلال الأسعار التي كانت تحتكره القوى العاملة الوافدة، كالطماطم والجح والبصل ..الخ.
وفي إحصائية غير محدثة، يبلغ عدد أشجار المنطقة من الفاكهة في (115) مزرعة فقط ، أكثر من 143 ألف شجرة، بينما بلغ إنتاج الخضار السنوي 27 ألف طن بالإضافة إلى أكثر من ألف طن من التمور، و 10 ملايين ربطة سنويا من الحشائش كأعلاف للماشية، وزراعة أشجار اللبان ذات جودة عالية. ونقترح تشكيل لجنة ذات مهام متعددة، لحل إشكاليات الزراعة في النجد ، وما يعاني منه المزارعون، وقد عبر عنها استطلاع أجرته جريدة (عمان) مؤخرا مع رئيس ونائب رئيس جمعية المزارعين في ظفار وبعض المزارعين «يراجع» وكذلك لوضع خارطة إرشادية لزراعة نوعية المحاصيل التي ينبغي أن تزرع، ويكون من شأنها تحقق الاكتفاء الذاتي للبلاد وتصدير الفائض للخليج، وكذلك مدى التوسع الجديد في مساحة زراعة محصول القمح بعد النجاح الأخير.
لم يعد لدينا من خيارات، وقبل وقت طويل كذلك، سوى الذهاب بعيدا في طموحاتنا الوطنية نحو تأمين سلة غذائنا من الأزمات ومن المضاربات والتسييسات، وتثبت منطقة النجد دائما، أنها منطقة يمكن الاعتماد عليها في تحقيق مفاصل مهمة ومتنوعة من الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي، وهي أراضٍ خصبة تمتد لأكثر من 40 ألف كيلومتر مربع، وقد زرناها مرات عديدة ، وقضينا فيها ليالي قمرية لن تنسى.
وقد وقفنا من خلال هذه الزيارات على جهود المزارعين الذاتية في استزراع الصحراء، وتحويلها إلى جنة خضراء غناء، رأينا مزارعين من أبناء النجد، ومن أبناء عموم السلطنة كذلك، يقفون على مزارعهم، ويواجهون بصمود وتحدي رمال الصحراء المتحركة، وقد فتحوا لأنفسهم ولآخرين مصادر للرزق، رأينا شاحنات يقودها شباب عمانيون تنقل محاصيلهم إلى أسواق السلطنة بما فيها سوق الموالح، رأينا محلات زراعية تقدم خدماتها اللوجستية لهم، كل هذه المبادرات الفردية، تحتاج الآن إلى دعم وتشجيع وتنظيم، من هنا نقترح تشكيل هذه اللجنة، والانفتاح على مشاكل الزراعة في النجد من منظور الواقع الجديد المعاش على الأرض، وهذا الواقع هو الذي يثبت مدى جدية المزارعين العمانيين في النجد.
ومن يتمكن من زراعة الصحراء، ويحقق لبلاده الاكتفاء في محاصيل زراعية أساسية وفي هذا التوقيت، ينبغي أن يدعم، وما إقامة شركة تسويقية لمحاصيل النجد – التي نتمنى أن ترى النور قريبا – إلا خطوة تعزز التفاؤل، لكنها ليست كافية، ونراهن كثيرا على اللجنة المقترحة كخطوة تالية وطبيعية يحتمها الآفاق الوطنية الجديدة بعد نجاح رفع إنتاجنا من محصول القمح.