في التاريخ والأيديولوجيا

محمد جميل أحمد –

«لا تكتب التاريخ شعراً» محمود درويش .. ربما كان التاريخ من أخطر العلوم الإنسانية من حيث قابلية تأويلات أحداثه بروايات متعددة الوجهة والمكان من ناحية، وقابلية تلك الروايات للتوظيف اللامتناهي من ناحية ثانية. فاختبار التاريخ بحسبانه وقائع إنسانية قد لا تتعين دلالة توظيفها لحظة وقوعها في مظنة التأويلات المتعددة، لكنها حين تمضي وتحدث فرقاً في مسار المجتمعات تنعكس حينئذ الحاجة إلى توظيفها بحسب زوايا التأويل.
وبالرغم من أن الوقائع قد تروى بروايات متقاربة تبعاً للأحوال الدقيقة التي تصاحب وصفها (وإن بدت الوقائع على العموم في هذا المستوى قوية الدلالة لجهة ثبوتها مع إمكانية الاختلاف في روايات متقاربة لأحوال الوقوع) إلا أن فعل الذاكرة التأسيسي لطبيعة ذلك الوقوع في مخيال الجماعة البشرية هو الذي يتولى، بعد ذلك، إضفاء الطابع «الأسطوري» للواقعة التأسيسية.
إن ما أعنيه بــ«الأسطورة» هنا، ليس النفي المتصل باستحالة الواقعة التاريخية؛ بل معنى ينعكس من هوية ووقع الحدث التأسيسي الضخم في نفوس جماعة بشرية معينة ، بعد ذلك، من خلال عمليات التذكر الأبدي المتجدد للحدث التأسيسي مصحوباً بوعي تبجيلي «مقدس» من تلك الجماعة.
يقول عالم المصريات الألماني المعاصر «يان اسمان»: (تتخيل المجتمعات صوراً لنفسها وتواصل هويتها عبر تتابع الأجيال وتواليها … حيث إن التذكر الجمعي للماضي المشترك هو أمر جوهري لهوية أي جماعة؛ إذ هي ، فضلاً عن الالتزام بالقيم والقواعد العامة تمكّن الفرد من أن يشعر بأنه جزء من جماعة وأن يقول « نحن « عبر البناء الرابط للمعرفة المشتركة وللصورة العامة) وفي هذا الإطار؛ يفسر «يان اسمان» الأسطورة من حيث أنها هي التي « تكون الماضي المُرَكَّز في التاريخ الموثَّق «ذلك أن التاريخ الحقيقي – بحسب اسمان – يتم تحويله في الذاكرة الجمعية إلى تاريخ يتذكره الإنسان أي إلى أسطورة، وبكونه تحول إلى «أسطورة» فذلك ما يجعل تاريخ التذكر للحدث التأسيسي على أنه «أصبح واقعاً يفهم على أنه قوة معيارية بناءة لها صفة الدوام والاستمرار» وفي هذا السياق تحديداً تتخلق الأيديولوجيا أيضاً، لأن الأسطورة لا تخلو من كونها وعياً يتماس مع فعل الأيديولوجيا في الخيال التاريخي لبناء الأمم.
وربما لهذا المعنى أيضاً، تصبح الأيديولوجيا التاريخية محل إجماع (بعكس تمثيلاتها في الفكر والسياسة) وإدراكاً عمومياً يخترق وعي الأفراد جميعاً في الإحساس بالهوية الجمعية والتاريخية حول ذاكرة تأسيسية لأحداث كبرى. ذلك أن القيمة الوطنية للوعي الحضاري بالتاريخ القديم هي التي تفسر وتعيد تفسير معنى الوعي الجمعي العميق للجماعة الوطنية من حيث وعيها للأيديولوجيا التاريخية بوصفها متخيلاً مشتركاً، ولكنها، في الوقت ذاته، بوصفها عنصراً ملهماً في استلهام ذلك التاريخ من أجل تماسك الهوية في الحاضر والمستقبل.
إن الأيديولوجيا حين تتحول إلى دالة مشتركة في الوعي الجمعي بالتاريخ، تصبح إيجابيةً ومفيدة، لأنها تخترق شعور الجماعة الوطنية بإيمان مُوَحِّد وفعَّال في استلهام الأمجاد الحضارية لاستمرار صناعة هوية الحاضر.
وفي هذا الأفق من نمط الوعي الحضاري للتاريخ سنجد أن الارتباط الوجداني بالأحداث التاريخية المؤسسة للذاكرة الجمعية المشتركة لن يكون نابعاً بالضرورة من أي طبيعة محدودة لتصور عرقي أو قبائلي في أي إعادة راهنة ومستنيرة لتصور هوية الحاضر عن ذلك التاريخ؛ بل من طريقة استلهام حضاري لروح تاريخية تجعل من الوجدان الجمعي للذاكرة الوطنية محتفلاً بتلك الأحداث الكبرى للتاريخ بوصفها ذاكرة «جيوسياسية» أي ذاكرة حضارية بطولية للشعب، لأن النظر والإحساس بالإرث التاريخي يتحول إلى مخيال جمعي عابر للقبائل والجماعات العرقية الصغيرة.
ومع ذلك فإن أحداث التاريخ القديم – كما أسلفنا في بداية المقال – من حيث كونها قابلة للتمثَّلات والتمثيلات والتوظيف المتعدد الوجهة والمكان، فإنها قد تتلون بحسب أمزجة و تعبيرات البشر ومستويات وعيهم التي تتحكم فيها – رقياً وانحطاطاً – جملة من المؤثرات المتصلة بالواقع السياسي والتعليمي والمعرفي. لذا يمكننا القول؛ أن مراحل الانحطاط قد تعكس اهتماماً مزيفاً بالتاريخ، لاسيما في ظل تحكم أنظمة عسكرية شمولية متخلفة؛ كالاهتمام الزائف بالتاريخ الذي عبر عنه الخراب الأكاديمي الذي ضرب البنية التعليمية في السودان خلال الثلاثين سنة الماضية من حكم نظام الإسلام السياسي، فأسس ذلك الخراب أشكالاً مشوهة للوعي بالتاريخ ألحت عليها حاجةٌ للتنظير الفطير لهويات قبائلية مسيَّسة؛ في محاولة لوعي التاريخ القديم من منظور شعبوي وعنصري عبر «معرفة تاريخية» مأزومة نشأت فقط على هامش تسييس السلطة لنظام القبائل وتوظيفه في إدارة الشأن العام!