مقامات القصة: اللغة «بين الحكي والسرد»

محمود الرحبي –

يمكن للقصة القصيرة أن تعتمد على ما يحكى، ولكن ذلك الاعتماد لا يأخذ شكلا خطيا بالضرورة – من البداية إلى النهاية – إنما يحتمل (أنواعا وطرائق ) تتحمل اللغة فيها دورا أساسيا في تشكيل وتحويل الحكاية إلى قصة. فكل منا يمكنه أن يحكي حكاية، ولكن ليس الجميع يستطيع أن يكتب قصة، والسبب أن لغة السرد تتعالى على لغة الحكي، وهذا التعالي موكول إلى طبيعة القصة في حالة تعاملها مع الحكاية.
قل لي كيف تقص ما يُحكى، وسأقول لك إن كان ما تكتبه قصة.
حكاية نتلقفها عبر السماع، ونذهب بها بعيدا في الزمن. نرثها ونورثها. كل جيل أو راو يضيف عليها شيئا من بيئته. لدينا عشرات قصص سندريلا. بل إن في كل بلد يمكن أن تجد سندريلا خاصة به. وداخل كل بلد يمكنك أن تجد سندريلا بحرية وأخرى جبلية وثالثة صحراوية. الحكاية ابنة لسان بيئتها. ولكن حين يخضعا القاص لحقيبة عدته ومشارطه تتحول – عبر حبكة اللغة – من حكاية إلى قصة.
في قصة (ثمن زوجة) لنجيب محفوظ من مجموعته القصصية (فتوة العطوف) يسرد حكاية – بالمعنى البسيط للكلمة – تدور حول موظف يتعرض للخيانة في بيته، ثم تتحول الحكاية عبر الحبكة إلى قصة. تتلخص ولا يمكن تلخيص قصة ولكن يمكن تلخيص حكاية – في أن الموظف حين يكتشف الجريمة يتصرف بهدوء ويطلب من العشيق مبلغا مقابل صمته. ولكنه – أي الموظف – يبيت أمرا انتقاميا لزوجته، فيجمع عائلتها في عشاء، ويخرج من جيبه مبلغا، ويطلب من زوجته أن تحكي حكاية هذا المبلغ. هذه الحكاية ما هي إلا القصة (قصتها)، ولكن الزوجة تلوذ إلى الصمت النهائي. حيث تستأذن من المجلس لتقدم على الانتحار. نحن هنا إذن أمام قصة تتضمنها دعوة للحكي. في قلب القصة هناك حكاية لم تحكى، لأنها معروفة سلفا، الجديد فيها هو الانتحار؛ هو النهاية التي يتكفل السرد بها.
يوسف إدريس في قصته «بيت من لحم» وهي من عيون القصص العربية، يسرد قصة صامتة أولا يمكن أن تسرد إلا بلغة الصمت- عن فقيه أعمى. وقصص يوسف إدريس مليئة بمثل ذلك. يسرد حكاية سمعها ولكن لا ترى أثرا للحكي فيها. بل إن تفاصيلها تقدم بلغة أشبه بلغة الإشارة. إنها تشير ولا تنطق. السرد هنا يحتل مقاما أوليا بينما الحكاية المسموعة تتوارى خلف سلطته. يدخل الفقيه الشاب الأعمى إلى الغرفة التي يتآخى فيها الفقر والحرمان وفقدان الأمل. تبدأ القصة بالمقطع الإشاري التالي:(الخاتم بجوار المصباح. الصمت يحل فتعمى الآذان.في الصمت يتسلل الأصبع.يضع الخاتم. في صمت أيضا يطفأ المصباح. والظلام يعم. في الظلام، أيضا تعمى العيون. الأرملة وبناتها الثلاث. والبيت حجرة. والبداية صمت.)
لا أثر للحكاية في المقطع السابق. بل بدلا من ذلك تتكرر كلمة ( الصمت) دلالة على أن السرد من يتحدث وليس اللسان. وأن نمو الحدث سيكون في الظلام والصمت. سيكون خلسة لا يسمع عنه أحد. سرد أخرس يتتبعه القارىء ويتلمسه كما يتلمس الأعمى الطريق.
إن ما تسمعه يمكنك أن تحكيه ولكن ليس بالضرورة يكطمط أن تقصه. ما تقصه سيكون عبر اللغة. وهذه اللغة تختلف في مقام القصة عنه في مقام الحكاية. في الأولى تدعو إلى الصمت ونكران الكلام، إلى إغماض العينين وإعمال الحواس الصامتة. أما في مقام الحكي فإن العينين تظلان مفتوحتين تريان كل شيء عبر الذاكرة. الصور في الحكاية تتحدث وتعبر من البداية إلى النهاية في خط مستقيم. بينما في حالة القصة تكون كل جملة مستقلة. لا ينتقل القاص إلى جملة موالية إلا بعد أن يطمئن إلى أن جملته السابقة قد اكتمل عودها،ثم بعد ذلك يشق طريقه بصمت مغمض العينين إلى نهاية القصة.