من الملف النووي إلى حرب اليمن.. تقدير دولي للسلطنة

عوض بن سعيد باقوير –

شهدت عاصمة الوطن تحركات ديبلوماسية إقليمية ودولية حول إيجاد حل سياسي للحرب الكارثية في اليمن المشتعلة منذ أكثر من ست سنوات، وحولت اليمن الشقيق وشعبها إلى حالة من الفقر والمشكلات الاجتماعية وتدمير البنية الأساسية ونزوح عشرات الآلاف داخل اليمن وخارجها.

ومن هنا فإن هذه الحرب وصلت إلى مرحلة خطيرة وعلى ضوء تلك التطورات كان من الضروري الاتجاه إلى عاصمة السلام والمهارة السياسية حيث تواجد مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة مارتن جريفيث وأيضا المبعوث الأمريكي لليمن والفرقاء اليمنيين وأيضا الأشقاء من السعودية. وحدث حوار مطول حول ضرورة وقف الحرب من خلال المبادرة السعودية التي يمكن البناء عليها من خلال منظور سياسي واقعي.
تقدير دولي للسلطنة
وقد جاءت التوجيهات السامية لجلالة السلطان هيثم بن طارق ، حفظه الله ورعاه ، بضرورة متابعة السلطنة ودعمها للمبعوث الأممي وكذلك للمبعوث الأمريكي وكل الأطراف حتى الوصول الى حل توفيقي يخرج اليمن من المأزق الخطير، وأيضا التفرغ لتنمية اليمن.
ومن هنا جاء التقدير الدولي من الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة ومن القوى الإقليمية وخاصة السعودية حيث أبدى الجميع تقديره للجهد الديبلوماسي العماني الذي يتواصل، رغم ما تمثله الحرب اليمنية من تعقيد أساسه تبعات الحرب والفرقاء اليمنيين في الجانب الشمالي والجانب الجنوبي. ومع ذلك فإن السلطنة سوف تواصل جهودها ومساعيها لإنهاء تلك الحرب كما نجحت في وقف حرب كارثية في منطقة الخليج كادت أن تندلع لولا الجهود الجبارة التي تسجل في التاريخ الحديث للأزمات العالمية للسلطان الراحل قابوس بن سعيد ، رحمه الله ، والدور الاستراتيجي الذي بذله منذ ٢٠٠٨ وفي عهد الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد واستمر ذلك الجهد في عهد الرئيس الحالي روحاني، كما بذل السلطان قابوس بن سعيد ، رحمه الله ، جهودا مضنية من خلال اتصالاته بالقيادة الأمريكية والقيادات الغربية مما نتج عنه توقيع الاتفاق النووي الإيراني، والذي يتم التحاور بشأنه من جديد بين طهران والقوى الدولية. وهناك مؤشرات إيجابية بعودة واشنطن للاتفاق ولكن الأمر سوف يستغرق بعض الوقت كما إن الدبلوماسية العمانية ليست بعيدة عن هذا الملف نظرا لخبرتها التراكمية لعدة سنوات.
إن التقدير الاقليمي والدولي لدور السلطنة في قضايا الأزمات الاقليمية لم يأت من فراغ ولكن من قيادتنا الرشيدة التي يقودها سلطان المرحلة ومجدد النهضة السلطان هيثم بن طارق ، حفظه الله ، حيث يتواصل النهج السياسي العماني وفق ثوابت راسخة وقيم أصيلة تسعى إلى إنهاء الحروب والصراعات في المنطقة وأن تعيش شعوب هذه المنطقة في سلام وتنمية وازدهار بعيدا عن إهدار المقدرات.
الملف اليمني معقد
لابد من الاعتراف بأن الملف اليمني هو من الملفات المعقدة كما هو الحال في الملف الأفغاني وتكمن صعوبة الملف اليمن في جملة من الاعتبارات والمتغيرات أولها مضي سنوات على اندلاع الحرب ووجود المشكلات أولا بين الفرقاء في جنوب البلاد خاصة بين الحكومة اليمنية الشرعية التي يقودها الرئيس هادي وبين المجلس الانتقالي الذي يسعى الى فصل جنوب اليمن والعودة إلى الحالة اليمنية قبل الوحدة عام ١٩٩٠ أما على صعيد الوضع في الشمال فهناك جماعة أنصار الله التي تسيطر على العاصمة اليمنية صنعاء وتخوض الحرب ضد الحكومة اليمنية وقوات التحالف خاصة القوات السعودية وهناك حزب الإصلاح والقوى الأخرى وهذا ما يجعل الملف اليمني معقدا إلى حد كبير، ومع ذلك فإن الجهد السياسي العماني والجهد الأممي والأمريكي قد ينجح في اختراق ما للملف اليمني، من خلال طرح حلول واقعية على غرار المبادرة السعودية التي تلاقي دعما كبيرا ، ويمكن البناء عليها من خلال فتح المطارات والموانئ ووقف شامل لإطلاق النار.
وفي تصوري أن ذلك ممكن خاصة وأن مرور أكثر من ست سنوات على الحرب جعل الجميع متعبا من هذه الحرب الكارثية كما حدث في الحرب العراقية ـ الإيرانية التي تواصلت على مدى ثماني سنوات.
إن التقدير الدولي لدور السلطنة يأتي تتويجا منطقيا لسياسة خارجية ثابتة المعالم على مدى أكثر من نصف قرن ومن هنا فإن مسقط سوف تظل قبلة الباحثين عن السلام والحلول الواقعية بعيدا عن المكابرة وتحطيم أحلام الشعوب أيا كانت، ولعل الجهد العماني فيما يخص الملف اليمني من اعتبارات هامة منها أن اليمن الشقيق هو دولة جارة للسلطنة وأن استقرارها وأمنها يهم السلطنة وهناك صلات تاريخية واجتماعية متداخلة بين الشعبين العماني واليمني ولا شك أن بلادنا لعبت دورها الانساني المتميز تجاه الشعب اليمني ، وهذا شيء طبيعي بين الجيران كما أن امتناع السلطنة في الدخول في صراع أو حرب ضد اليمن هو خيار استراتيجي وتاريخي وإنساني واخلاقي.
ومن هنا فإن السلطنة سوف تواصل جهودها المضنية للوصول إلى حل سياسي ينهي معه الحرب التي أرهقت الشعب اليمني الشقيق.
مسيرة حافلة
ولا يقتصر الجهد الديبلوماسي العماني على ملفات محددة كالملف اليمني والملف النووي الإيراني بل هناك جهود أخرى كان آخرها المساعي الدبلوماسية لبلادنا التي نتج عنها عودة العلاقات بين الدولتين الشقيقتين قطر وموريتانيا، وهناك جهود بذلت على صعيد الأزمة الخليجية التي اندلعت عام ٢٠١٧ ، وكان الجهد الكويتي والعماني أثره في المصالحة من خلال قمة السلطان قابوس والأمير صباح في مدينة العلا السعودية في الخامس من يناير الماضي، وهناك ملفات أخرى لا تعلن عنها السلطنة من خلال شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية كما أن الذي يميز الجهد السياسي العماني هو حدوثه بعيدا عن أي ضجيج إعلامي أو دعاية مبالغ فيها وهذا يعطي للدبلوماسية العمانية مصداقية عالية واحتراما وتقديرا نراه مجسدا من خلال تصريحات دولية كما جاء مؤخرا من واشنطن ونيويورك.
ومن هنا فإن السلطنة حريصة على سلامة المنطقة وإيجاد سلام واستقرار على ضفتي الخليج ،وفي تصوري أن الحوار بين إيران ودول المنطقة خاصة السعودية هو الخيار الواقعي لمناقشة كل المشكلات وهناك مؤشرات إيجابية من الرياض وطهران إلى حد ما.
إن آلية الحوار هي الخيار الوحيد لحل الأزمات فالحروب والصراعات هي كوارث على الشعوب وعلى السياسيين والعسكريين أن يدركوا هذه الحقيقة كما أدركتها أوروبا بعد كوارث الحرب العالمية الثانية، وأيضا دول جنوب شرق آسيا بعد الحروب الطاحنة ونرى كلا الكتلتين الأوروبية والآسيوية أين وصلت في مجال التنمية والازدهار والتكنولوجيا ورفاهية الإنسان. انه درس كبير ينبغي استيعابه. تحية كبيرة لديبلوماسية بلادنا وجهود قيادتنا المباركة ومسعاها النبيل لإخراج اليمن الشقيق وشعبه من المحنة الكبرى التي يعيشها.

**صحفي ومحلل سياسي