كتابات عُمانية مُبَكرة (18): حوارات تاريخية مع الشاعرين هلال بن بدر البوسعيدي وعبدالله بن محمد الطائي

إعداد – الدكتور محسن بن حمود الكندي –

يمثلُ الحوارُ الصحفي إحدى دعائم الخطاب الثقافي ومرتكزًا من مرتكزاته، لأنه مُفعم بالاقتراب من الشخصيات المهمة كونها تملكُ فعلًا ثقافيًّا ورصيدًا لامعًا يُغري القُرَّاء ويفتح شهيتهم المعرفية، وهو من أهم أركان الصّحف ودعامة من دعائمها، وعلى رأي الكاتب إيهاب الملاح المنشور في مجلة «الشروق» الإلكترونية بتاريخ الجمعة 29 مايو 2020م «أن تضفرَ بحوار مع مثقف أو كاتب مبدع أو صاحب رؤية في العموم، فأنت على موعد مع فيض من المعلومات والتداعيات الذاتية الاستثنائية، ولذلك لا بدَّ أن تكون مطلعًا ومستوعبًا على أركان هذه الرؤية ومعالمها، وأن تكون مُلمًّا ومحيطًا بإنتاج هذا المفكر أو المثقف، قراءة ودرسًا وفهمًا واستيعابًا حتى تستطيع أن تلج بدقة إلى عالمه بدقة، وأن تستعد بتحضير أسئلة لتُضِيء بها مناطق معتمة من مجمل مشروعه الفكري أو الإبداعي، أو تحدد زاوية للنظر والعرض تجدد التعريف وتثير الشغف للتعرف على أعماله وقراءتها بعين جديدة، وليست مكررة، وهذا ما دلَّتني عليه قراءة التراث المعتبر الذي تركه أساتذتنا الكبار من النقاد والمحررين الثقافيين والشعراء وأعلام الفكر والأدب في أعمال ذات قيمة وفائدة وجدوى» تستفيد منها الصحيفة ويبقى أثرًا خالدًا لها مدى الدهر، تتباهى به وتضعه في منازل متقدمة من تاريخها الحضاري كونها أدارت حوارًا، أو عقدت مقابلة مع كاتب مشهور، أو حتى واعد بدا يخطو خطواته في سماء الثقافة، فارتفع نجمه وعلا صيته، وأصبح علمًا يُشار إليه بالبنان.
ويكتسبُ الحوارُ في بواكير الصحافةِ العربية عامة والصحافة العُمانية المهاجرة قيمة اعتبارية مضافة مستنبطة من قيمة المُحَاور ومكانته في الساحة الثقافية والأدبية، ولذلك وجدنا الصحف والمجلات الصادرة آنذاك تنتقي شخصياتها الأدبية وتعقد معها حوارات -ولو قصيرة تستظهر به عوالمهم المخفية لتكون دالة معينة على تفسير إنتاجهم الإبداعي والإبداعي أيضا.
يستوي ذلك مع الشعراء المعروفين الذين كان حظّهم من الحضور ساطعًا لما لتجاربهم وآرائهم من فوائد تثري العمل الصحفي وترفع من قيمة خطاب المنبر الذي حضروا فيه، وعلى أثرها تقوى الصحيفة في أوساط القراء والمتابعين، كيف لا وهي وحدها آنذاك وسيلة الإعلام الحاضرة في المجتمع والمؤثرة في مساراته باعتبارها صاحبة الجلالة.
ولقد كان من هؤلاء الشعراءِ والأدباء العُمانيين الذين ظفرت الصحفُ الخمسينية بعقد حوارات معهم الأستاذ عبد الله الطائي (1924-1973)، والسيد هلال بن بدر (1896-1965)، والشيخ سليمان بن حمير النبهاني الذي أجرت معه مجلة «الرائد» الكويتية حوارًا ونشرته في العدد الرابع الصادر في نوفمبر من عام 1953 في الصفحة 403، وقد تناولناه في الحلقة السادسة عشرة من حلقاتنا هذه.
أمَّا الحواران الآخران، فإننا نقدّمهما نصًّا على النحو الآتي:

أولًا: حوارُ «المسقطي» مع الشاعر السيد هلال بن بدر البوسعيدي. سنة 1944م.
طالعتنا صحيفة «الفلق» الغرَّاء في عددها رقم (916) للسنة السادسة عشرة الصادر بتاريخ الثالث من ذي القعدة من عام 1363هـ الموافق 21 أكتوبر من عام 1944م بما نحسبه أول حوار صحفي ذي صيغة أدبية أجري مع شاعرٍ عُماني معاصر، حوارٌ مُوَقّع باسم «المسقطي» وهو في الاعتبار مراسل الصحيفة في مسقط، وقد أجراه في مسقط مع الشاعر الكبير السيد هلال بن بدر البوسعيدي الذي يعدُّ في ذلك الوقت أبرز شاعر البلاط بقصائده المدحية ذات الوهج السياسي، وبوظيفته الحكومية، ومكانته المعتبرة، وقربه من سدّة الحكم والسُلطة.
والسيد هلال بن بدر بن سيف البوسعيدي من مواليد مدينة مسقط عام 1314 / 1896م، تلّقى تعليمه في مدرسة بوذينة بمسقط، ثم على يد الشيخ راشد بن عزيز الخصيبي والشيخ عيسى بن صالح الطيواني، وقد عّمِل نائبًا لرئيس المحكمة العدلية بمسقط فمديرًا لبلديتها، ثم سكرتيرًا خاصَّا للسلطان سعيد بن تيمور، ثم رئيسًا لأول مجلس بلدي في العاصمة مسقط.
كما عُيّن مندوبًا للسلطان سعيد للمهام الخاصة، توفي في مسقط فجر ليلة الخميس السادس من رمضان 1358 / 1965م.
يعدّ هذا الشاعر الإحيائي من مشاهير الشعراء العُمانيين في العصر الحديث، وقد عدّه الدكتور محمد جابر الأنصاري في كتابه «لمحات من الخليج العربي، ص 195 من دعاة الإصلاح والتجديد في عُمان».
ومعروف أنه لم يجمع ديوانه في حياته، بل تركه متناثرًا، وكثير من قصائده مزقها، وما بقي منها وجد في مجموع احتفظ به السيد حمد بن حمود البوسعيدي، وسعت وزارة التراث القومي والثقافة (سابقًا) إلى طبعه بعد وفاته في ديوان صدر سنة 1989م بتحقيق الأستاذ محمد الصليبي، ويتكون من ثلاث وثلاثين وثلاثمائة صفحة، ويتضمّن ثماني وأربعين قصيدة ومقطوعة، كما يتضمّن شرحًا وتعليقًا قدمّهم المؤرخ الشيخ سالم بن حمود السيابي.
وللسيد هلال بن بدر بعض المؤلفات التاريخية واللغوية من مثل كتابي: «الإملاء»، و«تاريخ عُمان» وهما مخطوطان.
أمّا تجربته الشعرية فهي كلاسيكية النزعة يغلبُ عليها غرض المدح السياسي الذي به اشتهر حتى عُدّ شاعرًا للبلاط مع أن بعض قصائده لا تخلو من الاستنهاض والدعوة إلى الإصلاح السياسي ونبذ التخلف والسعي إلى كشف الزيف وأكثر من ذلك التنوير الثقافي والإرشاد والعلم وتعليم المرأة وما تلك إلا سنن التنويرين الأوائل والمصلحين الذين حملوا في ذواتهم شعلة التطوير والتنمية والتحضر واتخذها سبيلًا لرقي الأوطان.
وبجانب قصائده ترك السيد هلال بن بدر حوارًا نراه تاريخيًّا فريدًا طريفًا يؤكد حضوره الثقافي نكشف عنه لأول مرة، ويُعَدُّ هذا الحوار في نظرنا من أوائل الحوارات التي أجريت مع أحد أدباء عُمان في الثلث الأول من القرن العشرين، وقد تناقلته الصحافة المهاجرة، ونشرته «الفلق» على صفحتها الأولى بعنوان: «من صحافتنا الأدبية حوار بين أديب وشاعر عظيم» مُقدمةً إياه بالتوطئة التالية:
«سيدي القارئ الكريم تحت هذه المقدمة قطعة شعرية جادت بها قريحة شاعرنا الكبير السيد هلال بن بدر.. ولقد جرت محادثة رائعة بين شاعرنا والكاتب المسقطي» إليكم أيُّها القرّاء الكرام نصّها:

  • أيُّها السيد الكريم، والشاعر الكبير، هل تجودُ لي بمطالعة ديوان شعرك؟
    لماذا هذه المغالطة منك؟ ألم تعلم كما يعلم غيرك من أدباء مسقط: أنني مزقتُ ديوان شعري، ولقد تحمّلت للتقريع المُر من إخواني وأصدقائي.

*ولماذا كلُّ هذا أيّها الشاعر الكبير، ألا ترى أنك بعملك هذا أسأت إلى نفسك ووطنك، وتراث بلادك الأدبي.
هل هو خوفا منك، ومن أضرابك الأدباء، وأن أخوف ما أخاف نتبع اطلاع الجمهور لقصائدي الطويلة، لأنها تعطي قارئها صورة عامة لقائلها، تعرضه بوضوح تام لدى الجمهور.

  • قلتُ إذن، وما رأيك اتحافي بالقصائد القليلة الأبيات.
    قال: إن كان ولا بدّ فلا مانع من إعطائك إياها لنشرها، لأن الأبيات القليلة تلهي رجال الأدب عن إرسال النظرة الطويلة العميقة نحو الشاعر خصوصًا إذا كانت في ذاتها لها طلاوة وإلا فترمى جانبًا ، لهذا تراني أتسامح قليلًا في نشر المقطوعات القصيرة من شعري.

*قلتُ هل لك الآن أن تتحفني بقصيدة غزلية رقيقة.
قال ألا تتركني وحالي.. أنني أخشى يا عزيزي أن يتمثل قراء «الفلق» فيَّ وفيك بعد قراءة القصيدة قول الشاعر:

فيا ضيعةَ الأشعار إذ يقرضُونها
وأضيعَ منها من يُرَى أنها شِعْرُ

*قلتُ إن قاء الفلق -يا سيدي- لك في قلوبهم منزلة كبيرة.
إن كان ولا بدّ، فهذه أحدث ما قلته، فناولني القصيدة، وأضاف: عساها أن تصادفَ قبولًا من أدباء زنجبار، وعساي أنجو عنهم من قول الشاعر:

ولا يزالُ المرءُ في فُسْحةٍ
من عقلهِ ما لم يقلْ شِعْرا

وإليكم القصيدة عنوانها (الصابر الكتوم)

لعلمك أني في هواكَ متيمُ
ولكنَّ ما بي في الحقيقةِ أعظمُ
غرامي إذا أخفيته متعمداً
فدعه لحالي، فهو عنه يترجمُ
كتمتُ فؤادي لو بحتُ يوماً ببعضه
لنافسني فيه العزيزُ المكرمُ
شكى الليلُ من أنَّاتٍ قلبٍ موجعُ
وعهدي بهذا الليل للسّر يكتمُ
فيا ليلُ حتى أنتَ عند عواذلي
أمامي يد يا ليل عندك تكرمُ
فإن لم تكن يا ليلُ في الحبِّ مُسْعدي
فدعني وشأني إنَّ ما بي مُحتَّمُ
كذا أنا في دهري والليالي وعاذلي
قواضبٌ لا تنبوا ولا تتحطمُ
ولكنَّ مثلي لا تلينَ قناتُه
وحسبُكَ مني الصّابر المُتَكتِّمُ

يتضحُ من هذا الحوار الرائد أن السيد هلال بن بدر مزق شعره بنفسه عنوة، وما بقي منه قليل لا يشي بحالة التدفق الشعري الذي عُرف عنه، والحقيقة أن تمزيق الشعراء لقصائدهم ظاهرة معروفة في الثقافة العربية ومنها الثقافة العُمانية، فهناك أكثر من شاعر قاموا بهذه الفعلة لدواع نفسية وسياسية ودينية، وأحيانًا أخلاقية تعود أغلبها إلى شعورهم أو توهمهم بأن ما أبدعوه في زمن ما قد يكون وبالا عليهم في بقية حيواتهم وربما لدى أسرهم وخاصة في قضايا الحساسة كالغزل الصريح وأشعار الهجاء والثورة والاستنهاض، وقد وجدناه مثل هذه الدواعي متحققة عند الشيخ عبدالله بن سعيد الخليلي الذي مزّق شعره ابنه الإمام لدواع دينية تتصل بقول أبيه للغزل الماجن والحالة نفسها تنطبق على الشيخ المر الحضرمي الذي مزّق شعره لعدم شعورهم بأنه لا يلبي شغفه الديني فكأنه تاب عن قول الشعر في توبته المعروفة وغيرهما الكثير والكثير. وعلى ذلك يبقى إفصاح السيد هلال بن بدر عن تمزيقه لشعره وثيقة حية تضيف إلى مدونته الوثائقية، فقد كان قبل هذا الحوار يقال بأنه مزّق شعره وهذا الحوار يدل على ذلك، فالوثيقة لسان الحقيقة.

ثانيًا: حوار مجلة «الخميلة» البحرينية مع الأستاذ عبدالله الطائي سنة 1952م

عَنْونَتْ مجلةُ «الخميلة» البحرينية حوارها مع الأديبُ عبدالله الطائي بـ«خَمْسُ دقائق مع الأستاذ عبدالله الطائي» ونشرت ضمن سلسلة حواراتها مع أدباء وشعراء البحرين لما له من صيت ثقافي وأدبي آنذاك، فقد عرفنا أن الطائي قَدِم إلى البحرين سنة 1950 م ليعمل مدرّسًا في مدرسة الهداية «الخليفية» وليكتب في الصحافة البحرينية الزاهرة آنذاك، ويصدر صحفية «هنا البحرين» ويذيع من إذاعتها اللاسلكية، وكان حوار مجلة «الخميلة» معه في العدد الرابع الصادر يوم الاثنين 15 سبتمبر 1952، ص 3، ونحن َنعتقدُ أنه من أوائل الحوارات التي أُجريت مع أدباء عُمانيين وجدوا في الخليج آنذاك.
أمَّا مجلةُ «الخميلة» فهي مجلةٌ أدبية جامعة أصدرها الصحفي «كارنيك جورج ميناسيان» وهو مسيحي من أصول عراقية قدم للبحرين في عام 1952م التحق بالعمل في مؤسسة ابن عمّه المقاول لبضعة أشهر فقط، ثم حصل على موافقة حكومة البحرين لإصدار جريدة أسبوعية باسم «الخميلة»، وقد صدر العدد الأول منها في 29 أكتوبر 1952م وبذلك تكون أول صحيفة ثقافية تصدر في الخليج العربي، وقد ورد في (ترويستها) أن صاحبها ورئيس تحريرها «كارنيك جورج ميناسيان» وسعرها ست آنات، وكان حوار الطائي فيها مميزًا طرق فيه آراءه حول إمارة الشعر، وحول مفاهيمه النقدية المرتبطة به، وهو ينم عن ثقافة متشكلة وفق قراءات عديدة اكتسبها الطائي من خلال قراءاته المتواصلة لثمرات العقول العربية، ومن سلسلة علاقاته الثقافية بالأوساط الأدبية في تلك الفترة المفصلية من تاريخ الثقافة العربية، ولهذا جاء حواره مفعمًا بالرؤى، مكتسيا بروح المثقف الطليعي، ونحن حين نقدمه اليوم فإننا نقدّم وثيقة تاريخية في غاية الأهمية لنؤكد بها حضور شعراء عُمان المبكر في الصحافة العربية وسائر وسائل البث الثقافي، وهو على النحو الآتي:

** ما هي الذكرى التي أَثَّرت فيك؟
كنتُ في الصَّفِ المُنتهي من الدراسةِ الابتدائية حين قدَّم لي أحدٌ من أساتذتي مجلةَ «الرسالة» آمرًا بقراءتِها باستمرار، فأُعجبتُ أولًا بما حوته من شعر وقصص، وإذا بي أصبح أحد قرائها الدائمين، وأُعجبت أخيرًا بمقالات الزيَّات، وكان أستاذي يُوضِّحُ لي ما يستعصي فهمه خلال أوقات الفُرص، وما زالت ذكرى ذلك اليوم عالقة بذهني… ولا أزال أخطو خطوة في حياتي الأدبية أتمثل أستاذي الكريم رديف محمود سعد الله.

** بماذا تنصحُ الناشئة من الأدباء؟
لي إليهم بنصيحة واحدة تقومُ بجميع ما تستدرجني إليه من قول، فأنا أُوصيهم بعدم الاعتماد على الموهبةِ وحدها، وأوصيهم بالدراسة لأصول اللغةِ والأدبِ، فالدُّرةُ المكنونةُ لا تُحَلِّي الصدرَ إلا بعد تهذيب، والشجرةُ اليانعةُ لا تجلبُ الأنظارَ إلا بعد تهذيب.

** أي شاعر تراه جديرًا بإمارة الشعر بعد شوقي؟.
أتريدُنا في العصر الذي تعددت جوانبُ الحياة فيه أن نخصصَ أميرًا للشعر، وقد عَجزَ أدباؤنا في الجاهليةِ عن ذلك، فحين احتاروا في التمييز عينوا بحال كل شاعر، فهذا شاعرٌ إذا وصف، وهذا إذا رهب، وهذا إذا ركب، وهذا إذا شَرِب، وكذلك فعل الأمويون والعباسيون، وكذلك نفعل نحن، فالشعرُ مكانه السَّماء لا الأرض، ولا إمارة في السَّماء.

** ما رأيك في الأدباء العراقيين؟
في العراق اليوم مدارس أدبية تتنازعُ على الثباتِ في المُعترك، ولكنها تنيرُ بخير مشرق في سماء الأدب العراقي، فمن كلاسيكين ومنطقيين، إلى قومٍ معتدلين بين هذا وذاك. أمَّا من حيث توجيههم فيَرى كثيرٌ من الأدباءِ أن الطابعَ الغالبَ هو السياسي غير أني خلال زيارتي الأخير لبغداد لاحظت أن أدبَ الغزل والوصفَ والشكوى في العراق يصمدُ جنب السياسي، ولعلك تعجب إذا علمت أن الأستاذ عبدالله النقشبندي قد نظم مائة وستة وخمسين موشحًا من نوع الموشحات الأندلسية رقة وسموًا، ولديك كثير من شعراء اليوم عبدالقادر الناصري، وكاظم جواد، وكمال عثمان، وعبدالرحمن رضا أوضح مثال لما أقول… أمَّا القصص التي تبوأت اليوم جانبًا مهمًا من حياتنا الأدبية فلها في العراق حظوة حميدة تسعى في طريقها إلى الهدف.

** ما رأيك في الخميلة؟
«الخميلةُ» ما زالت في دور التكوين ونجاحها متوقفٌ على حذقكم في معرفة اتجاه الرأي العام، وطريقتكم في أداء رسالة الصحافة، فالحكمُ عليها من ثلاثة أعداد لن ينبعث منه لمن يريد القول الحق رأيٌ صائبٌ غير أني ألاحظ منكم همَّة عالية في تبويبها مما يدلُ على فنكم الصحفي، فاجعلني من المنتظرين كما أجبت أحد قرائك في بريد القراء من العدد الثالث.

وأخير يمكن القول إن هذين الحوارين أرسيا دعائم التواصل بين القرَّاء والشعراء من جهة، وبينهما وبين الصحف من جهة أخرى، وقد انطلقت من فكرتين مهمتين قوامهما:
تثمين ريادتهما وقيمتهما التاريخية، فلم نكد نعرف من قبلهما شخصيات أدبية أجرت الصحف معهما لقاء عدا حوار أجري بعده بتسع سنوات أجرته صحيفة «الخميلة» مع الشيخ سليمان بن حمير في مجلة الرائد الكويتية سنة 1952م.
إن مبحث الحوارات الصحفية لم يكن مألوفًا كثيرًا لدى القارئ المتابع، فقد كان توجه الصحف إخباريًا أكثر منه إنشائيًا.
وعلى ذلك اكتسبا قيمة تاريخية لعلها تؤكد حضور الشعراء العُمانيين في الصحافة العربية المبكرة، وتلغي فكرة انعزال المثقفين والمبدعين العُمانيين التي سادت الوسط العربي ورانت على فكره أزمانًا طويلة.
إن مبحث الحوارات أبان عن الثقافة التي يملكها أصحابها (أقصد المحَاوَرين)، وقدرتهم على متابعة الجديد والمستجد في عالم الأدب والفكر في عصرهم، وهو عصر لا شك ملتبس ويحمل في طياته كثيرا من التحولات، وفيه عاش رموز الأدب والشعر والفن، وهم بذلك يسمحون بهذه الحوارات التواصل مع الآخر، مما يدل على إدراكهم ووعيهم المبكر بكثير من القضايا.