السرطان هذا المرض القديم الحديث

د. طه بن محسن اللواتي

السرطان مرض وجد مع الإنسان منذ قديم الزمن، حيث يذكر التاريخ أن أول توثيق للسرطان كان في ورقة بردي للفراعنة المصريين قبل اكثر من 4000 عام، حيث عرف بالمرض الذي لا يقهر، كما رُبط بالكثير من الخرافات والأساطير. فقد ربطه الأطباء اليونانيون القدماء بالداء الأسود، ففي عام 460 قبل الميلاد وصف أبوقراط الأنسجة الطبيعية بالمادة البيضاء، والدم بالمادة الحمراء، والسرطان بالمادة السوداء، واعتبرها مثل اللعنة التي لا علاج لها.
أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا البَلْخيّ من البُخاريّ (980-1037) أعاد الدعوة للجراحة للسرطان في كتابه القانون في الطب وقال فيه: “عندما ينتشر المرض بعدما كان يقطع الأطباء القدماء الثدي المصاب بمرض السرطان كان بسبب انتشار أولي من الأصل”، وقال ابن سينا “أن الثدي الآخر قد يصاب بالسرطان أو قد لا يصاب، ويعتمد ذلك إذا كان الثدي الثاني في طريق التسرطن من البداية أم لا.” مشيرا إلى أن هذه ليست قاعدة لجميع حالات سرطان .
أما الجراح أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي من الأندلس (400-1013) استدعى الجراحة في كتابه “التصريف لمن عجز عن التأليف” فقال في الجراحة كعلاج لسرطان في مراحله الابتدائية “عندما يكون السرطان في موقع حيث القضاء التام ممكن، مثل الثدي أو الفخذ، وعندما يكون صغيرا وفي مرحلة مبكرة، فأرى أن الجراحة ممكنة وأنصح بها، أما إن كان مستفحلا فأنا لم أستطع قبلا ولم أر أحدا قبلي يستطيع علاج ذلك، وأنصحكم تركه لحاله وذلك لصعوبة علاجه”.
بينما استمر العالم الغربي في الإيمان بالنظرية القائمة علي أساس المادة السوداء على الرغم من مناجاة الأطباء والعلماء ممن تتلمذوا علي ايدي عربية ومسلمة على أساس البحث العلمي المتقدم لعلاج مشاكل الطب. حتى عام 1769 ،عندما شوي الطبيب الفرنسي جان اوستريك قطعة من نسيج سرطاني جنبا إلى جنب مع شريحة من لحم البقر ثم مضغ كليهما، وطلب من كل من كان حاضرا من العلماء معه أن يذوقوا ليفرقوا بينهما بالطعم، فلم يجدوا أي فارق، وخلصوا أن نسيج الورم لا يحتوي على كميات غير عادية من اللعنة السوداء كما ذكر في النظريات اليونانية القديمة، وإنما هي نسيج من الجسم مريض، وأصبح تطبيق العلوم التجريبية من ابن سيناء وأبو القاسم مرجع يستند عليهم. وانتهت نظريات اللعنات والخزعبلات طبيا في علاج مرضى السرطان، وإن كان بعض التداول لها على مستوى بعض المجتمعات لايزال قائما.
اليوم عندما نتكلم عن مرض سرطاني، هو نمو غير طبيعي وغير منتظم لمجموعة خلايا انتهزت ثغرة بالنظام المناعي لتكون ورم سرطاني مستهلك للطاقات، وهو ينقسم حسب درجته إلى 4 مراحل، وكلما كان التشخيص في مرحلة أولية كلما كان العلاج أبسط.
أما العلاج فأصبح يقاس على حجم المريض والمرض من جراحة وعلاج كيميائي ومناعي وهرموني وإشعاعي، كل حسب نوع المرض ودرجته، والأطباء المختصين هم من يستطيعون رسم الخطط العلاجية لكل حالة على حدة.