200 سنة على ولادة بودلير

جودي الأسمر*

بحلول المئويّة الثانية على ولادة شارل بودلير (باريس 9 أبريل سنة1821)، يُمكن القول إنّنا أمام مؤشّر جديد على انتمائه إلى تيّار «الشعراء الملعونين»، بما تعني هذه العبارة من تهميشٍ وسوءِ طالِع.
لدى موته عن عُمرٍ لم يُناهز الـ 46 عاماً، لم يُستغرَب أنّ مأتم بودلير، لم يضمّ حينذاك أكثر من 60 فرداً من المُشيِّعين إلى مثواه الأخير في مَقبرة مونبارناس في باريس، بسبب عزلته وتطرُّف أهوائه ونزوعه التدميريّ ومجونه وصعوبة مِراسه.
ولأنّه من أبرز شعراء القرن التاسع عشر، وقد حطَّمَ قيود الكلاسيكيّة، وغاصَ في تمثُّلات الجمال إلى حدّ إدمانها، ولأنّه كان رائداً من روّاد الحداثة الشعريّة في أوروبا، وعلى امتداد العالَم، لم يُفهم بودلير في الصميم سوى بعد موته، وطَفقت، بالتالي، الدراساتُ النقديّة غير التقليديّة تكثر حول ظاهرته.
لكن، حين حَسَمَ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قراره في 14 يناير الماضي بالعدول عن نقل جثمانَيْ الشاعرَيْن المَلعونَيْن: بول فرلين وآرثر رامبو إلى «البانتيون»، بسبب مُعارَضة عائلة الأخير، انطلقَ في أوساط الرأي العامّ الفرنسي، والثقافي منه بشكل خاصّ، سؤالٌ يقول: «ولماذا ليس جثمان شارل بودلير؟»
لا نعلم إن كان هذا التكريم يعني بودلير حقّاً؛ وقد يعني شاعراً كان تقدَّم بترشيحه للأكاديميّة الفرنسيّة في العام1861، ثمَّ تراجعَ، مُثبَط العزيمة. وقد لا تستوفي سيرة بودلير قيَم الجمهوريّة الفرنسيّة التي يُجسّدها عظماء البانتيون، أمثال فيكتور هوغو، ومؤخّراً الثنائي فرلين ورامبو (لاعتبارات ربّما مرتبطة بمثليّتهما الجنسيّة، التي قد تُدرجها فرنسا من ضمن مبدأ الحريّة المكرَّس في الجمهوريّة). لكنّ بودلير تميَّز بثورة مفهوميّة صنيعة الذّات، عابِرة للأزمنة. فهو أقام رابطاً وثيقاً بين العبقريّة والحساسيّة، بينما تنحو التصوّرات الإنسانيّة إلى الفصل بينهما، بل اعتبار أنّ الواحدة منهما تتطفّل على مساحة الآخر أو قد تتضارب مع هذه المساحة. على النقيض من ذلك، يُثبت بودلير في تجربته، أنّ حساسيّة المرء، هي التّرجمة القصوى للعبقريّة.
وإذ اشتهر بودلير بمقولة « لا تحتقروا حساسيّة أحد، فحساسيّة كلّ منّا هي عبقريّته»؛ وفي سياق آخر أقلّ تداوُلاً، قال «العبقريّة ليست سوى طفولة أُعيد اكتشافها، إنّها الطفولة الموهوبة الآن، تُعبِّر عن نفسها، من خلال عقلٍ تحليليّ يُمكُّنها من ترتيب مجموع الموادّ التي تمّ جمعها بشكلٍ لا إراديّ»، يؤسِّس لهذه النظريّة، التي سَبَرَ باشلار أغوارها باجتهادٍ مُنفصِلٍ إذ يقول: «الفنّ إثراءٌ لخصوبة الحياة، ونَوعٌ من المُناقَشة بين أنواع الدهشة الّتي تُنبِّهُ وعيَنا وتَمنعُهُ من الخَدَر».
تضعنا هذه الأفكار أمام تجربة بودلير في النقد قبل الشعر، وتُعزِّز فرضيّة أنّ بودلير الشّاعر مدينٌ بنفسه لبودلير النّاقد الفنّيّ، في ضوء ما سيتجلّى من انصهارٍ رائع بين مَنطق العقل والحساسيّة الفنيّة داخل النصّ الواحد.
استنباطُ الشرِّ من الجَمال
كانت أوّل أعمال بودلير المنشورة، هي مُراجَعة فنيّة بعنوان «صالون 1845»، وحملت الكثير من الآراء الفنيّة الجريئة في ذلك الوقت، ومنها دفاعُه عن الرسّام الفرنسي ديلاكروا (1798 – 1863)، الذي دعمه لاحقاً في مُراجعات «صالون 1846»، حيث اكتسبَ بودلير رصيداً إضافيّاً في دفاعه عن الرومانطيقيّة. لكنّ روّاد هذه المدرسة يعتبرون أنّ الحساسيّة هي مَركز الإبداع ومُنطلقه. بودلير أَخرج الرومنطيقيّة عن هذا السياق، من خلال دلالاتٍ مُباشرة طافحة بثنائيّة الذكاء/ الحساسيّة، نقتبس منها التالي:
– في فصل «من الألوان» يَستنتج: « يلعب الفنّ دَوراً بالغ الأهميّة في نظريّة اللّون، بما يُعبِّر عنه رسّامٌ يُحاول تلوين ورق الشجر كما يراه. سيُخطِىء درجة اللّون، حيث من المُنتظَر أن نَجِدَ مساحةً من الهواء بين المُشاهِد واللّوحة، أقلّ من تلك الموجودة بين المُشاهِد والمَشهَد»!
نظريّة أخرى مُتطرّفة في الحساسيّة، نقرأها بعد دهشة، في قوله «في يد امرأة دافئة قليلاً، وناحلة قليلاً، وذات جِلدٍ رقيق، سنرى أنّ هناك انسجاماً تامّاً بين اللّون الأخضر للأوْرِدَةِ القويّة التي تَعبرها والتدرّجات الدمويّة التي تُميِّز المَفاصِل، تتناقض الأظافر الورديّة مع الشبكة الأولى التي تحتوي على بعض درجات الرماديّ والبنّيّ.
أمّا بالنسبة إلى راحة اليد، فإنّ شرايين الحياة، قرنفليّة وخمريّة، تنفصل عن بعضها البعض بواسطة نظام الأوردة الخضراء أو الزرقاء التي تعبرها».
على هذا المنوال، كتبَ بودلير مُراجَعاتٍ للمَعارِض الجماعيّة السنويّة، والمعرض الدولي في باريس سنة 1855، فضلاً عن النصوص الطويلة التي خصَّصها لتحليل أنماط كِبار الرسّامين.
هذا ما يُهيّىء، والحال كذلك، لولادة شاعر لا يتردّد في تشريح الجمال، في داخل قالبٍ ترميزيّ مُكثَّف ومُمتنِع مفتوح على التأويلات.
بعد كتابة القصائد النثريّة التي تأثَّرت بالـ»بالاد» الإسكتلندي والألماني، وهو النصّ المُنتهِك لجمود الكلاسيكيّة، انتقلَ بودلير إلى تسطير المجد الأهمّ في ديوان «أزهار الشرّ» الذي صدر في 25 يونيو من العام 1857، وأضاف له «لوحات باريسيّة» في العام 1861. ولم يُنشَر ديوان «سويداء باريس» في حياة بودلير، وقد حصدَ انتقاداتِ كلٍّ من سانت بوف وغوستاف لانسون، غير أنّه سيُقيم تأثيراً بالغاً في المَدارس اللّاحقة، ويُثبِّت حداثة بودلير التي صنعها من إلهام المدينة، مُتجاوِزاً سائر مُعاصريه نحو معاني «العاصمة العتيقة» التي لا تنضب رموزها.
هنا، تصبح الحساسيّة فاعلاً أساسيّاً – ربّما للمرّة الأولى في التاريخ الشعري- في الإعداد للتجربة الشعريّة وتحقيقها، من خلال «معنى الشر».
سيَكتب بودلير في مخطوط مقدّمة «أزهار الشرّ» التالي: « المهمّة أصعب، وهي استنباط الجمال من الشرّ: الوعي في الشَّر»، « لأنَّنِي أُرِيدُ البَحثَ عَن خُلاَصَةِ الشَّر»، كما يقول في قصيدة له. فـ» استنباطُ الجمالِ من الشرّ»، مجالٌ لم تكُن التجارب المُعاصرة أو السابقة قادرة على استيعابِه، وتمثُّلِه؛ الأمر الذي فَرَضَ عليه مُحاكَمةً، في غضون شهر على صدور الديوان، وحرّضت على بودلير مقالاتٌ في جريدة «لو فيغارو».
أضدادٌ مُترابِطة
وتَناسلت من خلال هذا التمرين الذكي، أضدادٌ أخرى مُترابِطة: الألمُ والحبّ (قصيدة L›Héautontimorouménos)، المحجوبُ والمكشوف (قصيدة «القطّ»)، المُقدَّسُ والمُدنَّس (قصيدة «صلاة الوثنيّ»، وسابقاً في كِتاب «الفراديس المُصطنَعة») العالَمَان العلوي والسفلي ( قصيدة «المُراسلات» و»الهوّة»)، وغيرها كثير، حيث تتكامل في الديوان معاني القصائد، كما معنى الوجود، في دوائر تتناقض لتبلغ تناغُماً مُحكماً.
طَلبت المَحكمة، قبل صدور الديوان بأسبوعَين، حذْف 10 قصائد، ستّ منها، بحجّة إهانة الأخلاق العامّة، وأربع بحجّة المساسّ بالمسيحيّة.
لا عصرُ بودلير، ولا بلدُه، قدّما له ما يستحقّ. جرحٌ غائرٌ في الطفولة بعد مَوت الأب وزواج أمّه السريع، عائلة عجزت عليه، فتخلّت عنه وحَرَمَته الميراث، عاهرات سيُهْدِرنَ ثروته، خَذَلَهُ الكثيرون وقلّةٌ قليلٌ من المُعاصرين دعموه.
من بين هؤلاء نذكر، تيوفيل غوتييه الذي لزم الصمت، علماً أنّ بودلير أهداه «أزهار الشرّ» في الصفحة الأولى من الديوان.
أمّا فيكتور هوغو، فقال لبودلير في رسالة: «أزهار الشرّ» تتألَّقُ وتُبهِرُ كالنجوم». يُهنّئه لاعتباراتٍ جلّها سياسيّة، لأنّ مَحاكِم بونابرت أدانت الديوان. ثمّ اعترف هوغو بالقيمة الفنيّة، فكَتَبَ في رسالةٍ مؤرَّخة في 6 أكتوبر من العام 1859، جملة تختصر كلّ شيء «إنّكَ تَخلق رعشةً جديدة في الشعر الفرنسي». هنا، توقّع هوغو ببصيرته النّافذة، أنّ شِعرَ بودلير سيُعيد إنتاج الدهشة، حتّى يومنا هذا، في التئامٍ غير مطروق بين الذكاء والحساسيّة، وهو ما يَجعل شِعرَه واحداً من مُخلّدات التجربة الإنسانيّة.

*كاتبة وصحفيّة من لبنان
ينشر بترتيب مع مؤسسة الفكر العربي