ثورة بايدن

ديفيد بْرُوكْس- نيويورك تايمز
ترجمة قاسم مكي

إدارة بايدن «تغييرية» بطريقتين. فهي أولا تغيِّر السياسة المالية للدولة. لقد حاول واضعو السياسات، طوال تاريخ الولايات المتحدة، تقييد الدِّين العام في وقت السلم خوفا من إطلاق التضخم من عقاله أو تحميل البلد تكاليف لا قِبَلَ لَهَا بإحتمالها. نحن الآن نتخلَّى عن هذه القيود إما لأنها ليست سببا وجيها للقلق اليوم أو أنها لم تكن أبدا كذلك.
التغيير أو التحول الثاني والأكثر أهمية يتعلق بدور الحكومة. فهل تنشط بقدر أكبر في توجيه الإستثمار. هل تعيد توزيع المزيد والمزيد لمن فاتهم الركب (المحرومين) وذلك من باب اللباقة والذوق العام واستعادة التماسك الإجتماعي؟ هذه هي الأسئلة الأساسية التي وضعها الديموقراطيون على الطاولة.

طوال تاريخنا (نحن الأمريكيين) اتَّسَم النموذجُ السياسي – الإقتصادي للولايات المتحدة بفرض ضرائب منخفضة نسبيا (على الأقل عند مقارنتها بضرائب أوروبا) وبضمانِ اجتماعي متدنٍّ.
أعدَّ دارسو الإقتصاد ألبيرتو أليزينا وإدوارد جليزر وبروس ساسيردوتي ورقةً مهمة في عام 2001 فصَّلوا فيها بدقَّة كيف ظل النظام الأمريكي متميزا دائما.
كتب هؤلاء الخبراء في ورقتهم أن الحكومة في أمريكا عام 1870 أنفقت 0.3% فقط من الناتج المحلي الإجمالي على برامج الفوائد الإجتماعية في حين أنفقت فرنسا 1.1% لذات الغرض.
وبحلول عام 1998، إرتفع إنفاق أمريكا على برامج الرفاه الحكومية مثل مخصصات تخفيف الفقر وفوائد التقاعد والعجز والبطالة والرعاية الصحية والعائلية إلى 11% من الناتج المحلي الإجمالي. لكن إنفاق فرنسا إرتفع إلى 21.6%. وكانت بلدان أوروبية عديدة تنفق عادةً ضعفَ مخصصات أمريكا لمساعدة كبار السن والشباب والمرضى والمحرومين. واليوم تصرف أمريكا 19% من ناتجها المحلي الإجمالي على برامج الفوائد الإجتماعية فيما تخصص فرنسا 31%.
لماذا تبنَّينا مثل هذا النظام المتميز (المختلف)؟ حَسَنا. نحن بلد جاء إلى الوجود عبر ثورة ضد السلطة المتمركزة. ولدينا شكوك عميقة تجاه الدولة. كما نحن أيضا أمة مهاجرة. وإيماننا عميق بفكرة أن العمل المُضنِي يقود إلى النجاح. وهذا قادنا إلى مزاج إجتماعي يفضل استثمار أموال كثيرة في النمو المستقبلي وأموالٍ أقل على شبكة الأمان لأولئك الذين يتخلفون عن الركب (المحرومين).
وأخيرا، نحن بلد متعدد. والناس يريدون الإنفاق الإجتماعي على الفقراء عندما يكون الفقراء أفرادا من جماعتهم العرقية أو الإثنية. لكن إحتمال قبولهم للإنفاق الإجتماعي أقل عندما يعتبرون الفقراء في معظمهم أفرادا ينتمون إلى الجماعات الأخرى.
نظامنا هذا بكل عظمته ومظالمه ظلت لديه دائما محاسن ومساوىء معينة. في الجانب الإيجابي، ينتُج عنه قدرٌ كبير من الجد والإجتهاد في العمل وتحصيل الثروة. فالأمريكيون يضعون العمل في مركز حياتهم ويعيشون في مجتمع أكثر ثراء.
بحسب صندوق النقد الدولي، في عام 2021 بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الإسمي (بالأسعار السائدة) حوالى 66 ألف دولار مقارنة بحوالى 45 ألف دولار لفرنسا. وهذا فرق كبير.
على الجانب الآخر، يوجد بالولايات المتحدة قدرٌ كبير من اللامساواة. والحياة غير آمنة بقدر أكبر لأولئك الذين يوجَدون في أدنى سلم الدخل. كما يتفشَّى فقر الأطفال.
منذ الأزمة المالية في عام 2008 توصَّل المزيد والمزيد من الأمريكيين إلى أن النظام الأمريكي يحتاج إلى إعادة ترتيب جذرية.

الإنتقال نحو اليسار

ظل الديموقراطيون يتجهون إلى اليسار منذ فترة. لكن إذا إطَّلعنا على «بيانات المسح الإجتماعي العام «سنجد أن التغيير الكبير حدث في العقد الماضي. فالرؤساء الجمهوريون والديموقراطيون من جيمي كارتر إلى باراك أوباما عملوا داخل حدود نظام الولايات المتحدة (الإقتصادي- السياسي). لكن جيلا جديدا نشأ وترعرع وسط الأزمة المالية يريد القضاء على «الإجماع الليبرالي الجديد». هذا التحول الفكري في الحزب الديموقراطي (الذي بدأ بالشباب ويشمل الآن معظم النخبة المتغلِّبة والمحافظة) هو ما يحرِّك بايدن إلى فعل مثل هذه الأعمال الكثيرة بمثل هذه السرعة. وسيستمر في ذلك طوال فترة رئاسته.
ربما لم يَسْعَ بايدن إلى التحول ولكن التحول وَجَدَه (سَعَىَ إليه). قبل عشرة أعوام كنت سأرتاع من هذا الإنتقال نحو اليسار. لكني مثل أي أحد آخر شاهدت اللامساواة وهي تتمدد والنسيح الإجتماعي وهو يتآكل وفجوة الثروة العرقية وهي تزداد. لقد اقتنع الأمريكيون، عن حق، بأن البلد مفكك. ويخشون من أنه ينهار. ومثلي مثل أناس كثيرين اتجهتُ إلى اليسار حول ما أعتقده بشأن دور الحكومة وقضايا توزيع الدخل.
نحن، بالتأكيد، في حاجة إلى إستثمار المزيد والكثير في البِنية الأساسية والأطفال.
لكنني قلق من هذه الفلسفة الإقتصادية الجديدة التي تؤكد على أنك يمكنك أن تحصل على أي شىء تريده دون مقايضات (بلا مقابل).
أشعر بالقلق من أن ثمة فقدان تاريخي كبير للذاكرة وأننا نبالغ في تعلُّم دروس الأزمة المالية وننسى دروس كل التراجعات الإقتصادية الأخرى. أشعر بالقلق من أننا، من دون قصد، نُلزِمُ أنفُسَنا بضرائب أعلى لعقود قادمة من شأنها إضعاف حيوية الولايات المتحدة.
هذا المقال خروج (زَيغ) عن السائد والمقبول. لكنني لن أتعجل الحكم على حزمة تحفيز بايدن بإنفاق ثلاثة تريليون دولار. كما أقدِّر أن هذه هي اللحظة التي يراجِع فيها الأمريكيون قِيَمَهُم الأساسية ونظامهم السياسي – الإقتصادي الذي نشأ وتفرَّع عن هذه القيم. هذا عمل ضروري وكبير.