بين سرديتين .. رحلة عامي آيالون في عالم السياسة

رجا شحادة
ترجمة: أحمد شافعي

يقع كتاب “نيران صديقة” Friendly Fire لمؤلفه عامي آيالون في موقع قلق بين سرديتين. في إحداهما، يكرر آيالون الرئيس السابق لجهاز الأمن الإسرائيلي شين بيت القصة التي تحكيها إسرائيل للعالم: وهي أن الفشل في تحقيق السلام في المنطقة يرجع إلى الإرهاب الفلسطيني ورفض القبول بوجود إسرائيل. وفي الثانية، يعرض سردا شخصيا لكيفية تغير فهمه هذا للقصة – وللفلسطينيين أنفسهم – تغيرا حادا بمرور الزمن.
في حكيه للقصة الأولى، يعطي آيالون الانطباع بأن كل شيء كان ليصبح على خير ما يرام لو لم يرفض الفلسطينيون أن يتقبلوا الدولة اليهودية. لكن ما يجعل “نيران صديقة” إسهاما فريدا في فهم ما يجري في إسرائيل المعاصرة، وما يلزم القيام به من أجل تحقيق السلام، هو جرأة كاتبه واستعداده لمواجهة قصر نظر هذه السردية، وتأمله في أوجه نقصها.
من يكون عامي آيالون؟ كان لوقت طويل عضوا في الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، وهو شخص بات لديه حماس شديد لمناقشة الافتراضات التي تأسست عليها الدولة وكتب التاريخ. خدم آيالون لعشرين سنة في فلوتيلا 13 – وهو النسخة الإسرائيلية من فرقة العمليات الخاصة في البحرية الأمريكية Navy SEALs – ويصف نفسه في هذه الفترة بأنه شخص كان “المقاتلون الفلسطينيون [بالنسبة له] مجرد أهداف يقضي عليها دون أن يجفل”. ثم عمل قائدا للبحرية الإسرائيلية قبل تعيينه رئيسا للشاباك، المعروف أيضا بجهاز شين بيت.
ولد آيالون في طبرية سنة 1945، ويعيش حاليا في مستوطنة كيريم مهارال. ويحكي لنا أن المستوطنة كانت من قبل قرية إجزم الثرية، وإنه يعيش فعليا في بيت كان ملكا لفلسطيني. لكن على الرغم مما في الجليل من عدد ضخم من السكان الفلسطينيين، فإنه يعترف بأنه نادرا ما يرى أي فلسطينيين في حياته اليومية.
بالنسبة لآيالون، ليست إقامة مستوطنته على أطلال قرية فلسطينية إلا حلقة في تاريخ طويل من الإزاحة. ويكتب أنه “ليس بوسع المرء [في المنطقة] أن يحفر حفرة دون أن يصادف أثرا لإحدى ثمانية أحقاب من الزمن. فالكنعانيون والإسرائيليون من عهدي الهيكل الأول والثاني، والفرس، والإغريق، والبيزنطيون، والعرب والعثمانيون، أسسوا جميعا مستوطنات في منطقتنا”. وهو يحكي لنا هذا لكي لا نقلق أكثر مما ينبغي على هذه الإزاحة، لولا أن الفارق الكبير هو أن فلسطينيي قرية إجزم قد عاشوا هناك قبل اثنين وسبعين عاما فقط، لا قبل آلاف السنين. ومن ثم فليست إزاحتهم خبرا تاريخيا، ولكنها جزء من واقع قائم. فهم – وأمتهم كلها – محرومون لا من بيوتهم وحدها بل ومن المستقبل.
يُحسب لآيالون، أن جزءا من قصة “نيران صديقة” يتمثل في تقبله أخيرا لهذه الحقيقة. بنهاية الكتاب، يعترف أن خلاص إسرائيل لن يتحقق إلا حينما تواجه ماضيها. لكنه قبل أن يفعل هذا، يعطينا تاريخا لسبب استمرار قصر النظر لكل الوقت الذي استمر فيه.
مقاتلا في حرب 1967، اعتنق آيالون ورفاقه عقيدة جابوتينسكي “الجدار الحديدي”، فكان عليهم أن يقاتلوا إلى أن ترغم قوتهم “العدو” على القبول بوجود إسرائيل كأمر واقع. واستمر هذا الإحساس بأنه على الحق لما بعد الحرب: ففي أثناء سفره في الضفة الغربية المحتلة، عجز آيالون عن رؤية الفلسطينيين وهم يعيشون هناك، تماما كما عجز عن رؤية الفلسطينيين وهم يعيشون في الجليل. وبدلا من ذلك، رأى صخرا وشجرا وأرضا خاوية للاستيطان. والحق أنه يعترف بأنه لم يحل بينه وبين أن يكون هو نفسه مستوطنا إلا خدمته العسكرية. ويشرح ذلك بقوله إن “على أحد أن يدافع عن الأرض المحررة”.
مثلت المستوطنات الجديدة، بالنسبة لآيالون، استمرارا للمثالية التي نشأ عليها. فاحتلال إسرائيل للأرض كان جزءا من مشروع استيطاني تاريخي أوسع، لا يختلف عن حركة الكيبوتز kibbutz قبل ذلك. ومن الافتراضات الشائعة التي يفندها كتابه افتراض بأن الاستيطان في الضفة الغربية هو بالدرجة الأساسية مشروع ليكودي. فصحيح – كما يحكي لنا آيالون – أن رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجن لم يدخر وسعا في الحديث عن يهودا والسامرة – وهو الاسم الإنجيلي للضفة الغربية – فإن إقامة المستوطنات في المنطقة لم تكن مشروعا لليمين الإسرائيلي بل كانت بالأحرى مشروع حكومة حزب العمل التي سبقت صعود الليكود إلى السلطة. فحزب العمل هو الذي شرع في إقامة أولى المستوطنات بعد الاحتلال سنة 1967 مباشرة. وتحت إدارة ليفي إشكول، في ظل تولي العلماني موشيه ديان وزارة الدفاع، “أوجدت [إسرائيل] بهدوء فضاء للمستوطنات في خرق مباشر للقانون الدولي الذي يحظر بوضوح على قوة الاحتلال أن تقوم بالبناء في الأراضي التي تغزوها”.
اجتذبت المستوطنات دعم اليسار ودعم اليمين على السواء. وتلقت أولى المستوطنات – مثل أوفرا – إرشادا من أعضاء كيبوتز ميروم جولان التابع لحزب العمل فهؤلاء هم الذين كانوا يعملون “كيف يوجِدون حقائق على الأرض”. أقيمت أوفرا – وهي غير بعيدة عن رام الله التي أعيش فيها – على أرض فلسطينية خاصة بالدرجة الأساسية، فلم يكن ذلك فقط خرقا للقانون الدولي بل كان خرقا أيضا لقواعد إسرائيلية كثيرة.
يعترف آيالون أنه لو كان في الحكومة في تلك الأيام، لفعل الأمر نفسه: “فكلما ازدادت المستوطنات عدا، قل احتمال أن يأتي رئيس أمريكي في المستقبل فيرغمنا على رد أرض آبائنا إلى أعدائنا مثلما سبق أن فعل أيزنهاور في عام 1956 مع شبه جزيرة سيناء”. لكنه مع ذلك يعترف بأن اشتراكه الشخصي في حركة المستوطنات ما كان لينطلق بوازع من “أيديولوجية الإنسان الجديد الاشتراكي الصهيوني ولا من شعار ’لن يتكرر’ الرائج في ما بعد الهولوكوست” بل “كان كلها ليتلخص في إثارة المغامرة والخطر، وسكرة الأدرينالين الناجمة عن القتال – والرغبة في الوصول إلى أقصى الحدود. العوم أسرع، والغوص أعمق، والجري أبعد، والتصويب بالاعتماد على الغريزة والحدس أكثر من الاعتماد على التركيز والحرص، ذلك ما صاغ معادلة النجاة والبقاء. ففي نهجنا في العمل، إذا ترددت، أوقعك هدفك”.


من السمات الاستثنائية في “نيران صديقة” أن آيالون، في رسمه لتحوله، يوضح نطاق مواقف كثير من الإسرائيليين تجاه جيرانهم الفلسطينيين. فعلى سبيل المثال، قبل الانتفاضة الأولى، لم يكن الكاتب – شأن كثير من الإسرائيليين – يرى في غزة إلا بشرا راضين قانعين فكان يحسب أن الاحتلال يفيدهم. فـ”نحن، خلافا للفرنسيين في الجزائر، لم نكن استعماريين، ولكننا كنا نحرر أرضا تخصنا منذ القدم. أما بالنسبة للفلسطينيين فقد كنا ’غزاة مستنيرين’. أنشأنا لهم جامعات وطرقا وعرَّفناهم الزراعة الحديثة”. ولم يدرك إلا لاحقا إلى أي مدى كان مخطئا، وكيف أن رؤيته السابقة للاحتلال كانت مثالا للتفكير التفاؤلي الاستعماري.
وهكذا بدأ موقف آيالون يتغير بمرور الزمن. في غزة خلال الانتفاضة الأولى، كان يستقل سيارة جيب عسكرية تعرضت لوابل من الحجارة عند مرورها في مخيم. في وقت لاحق من تلك الليلة، فكر في ما حدث. تذكر ولدا لا يزيد عمره عن خمسة عشر عاما إذ يحملق فيه بحقد: “أوجعني شكله الذي بدا كأنه إعلان للحرب أكثر من الشظية”. إذ ذاك رأى نفسه عبر عيني هذا الشاب. “لقد نشأت في الكيبوتز على كره الظالم واحترام كرامة الإنسان والحرية قبل كل شيء، ووفقا لتلك القيم كان عليَّ أن أتفق مع صبي المخيم: لقد كنت محتلا بغيضا وقاهرا لملايين الفلسطينيين الطامحين إلى الاستقلال السياسي”.
لاحقا، حطمت تجاربه “داخل غرفة التحقيق في الشاباك وخارجها تصوراته المسبقة التي صاحبته طول حياته عن الفلسطينيين”. فقد أرغمته فترة عمله في الشاباك على إدراك أنه لكي يتحقق السلام فعلا، فإن إسرائيل بحاجة إلى التوقف عن تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم. وكان تأمله في تلك الحقيقة شاملا لدرجة أنه أصر أمام أقرانه على أنه لا بد من رؤية المسلحين الفلسطينيين – الذين وصفهم ذات يوم بأنهم “مجرد أهداف” – باعتبارهم بشرا، حتى إن ظل يضع إنسانيتهم تلك في سياق كفاح إسرائيل “من أجل إنهاء الإرهاب”. ومثلما يقول آيالون، إذا أرادت إسرائيل إن تنهي الإرهاب “فليس بوسعنا أن نستمر في اعتبارهم أعداء أبديين، ولا بد أن نتوقف عن تجريدهم من إنسانيتهم ومعاملتهم كحيوانات هائمة. فهم بشر يرغبون في مثل الحقوق الوطنية التي نحظى بها، ويستحقونها”.
وقعت حوادث معينة في فترة عمله في الشاباك فعمقت رؤيته. فحينما كان يزور آيالون المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية ويتحدث مع زعمائها، كان يصيبه ما يسمعه بالقلق. “فالقراءة عن المستوطنين وذهنيتهم أمر” مثلما يكتشف وهو يجلس إلى مائدة قبالة أمثال نعوم ليفنات “الذي كان يؤمن إيمانا صادقا بأن الرب أعطاه سلطة على العرب” وذلك أمر مختلف تماما [عن القراءة عنهم]. يكتب أنها كانت المرة الأولى التي يسمع فيها من يدافع عما لا يمكن وصفه إلا بالأبارتيد: نظامان من القوانين، والقواعد، والمعايير، وبنيتان أساسيتان منفصلتان. يتذكر قول ليفنات “إذا ما أحسن العرب التصرف وأذعنوا لسيطرتنا، سنسمح لهم بالحصول على الماء ونزر من الكهرباء… إن عدم طردنا لهم إلى ما وراء الحدود الأردنية علامة – في ظنه – على كرمنا”.
يقول إيهودا إتصهيون – وهو مستوطن آخر – لآيالون أنه يريد تدمير قبة الصخرة، ثالث المواقع المقدسة في الإسلام، ويحل محلها الهيكل الثالث. لكن خطة الحاخام إسحق شابيرا الثيوقراطية لتغيير القوانين هي التي تركت الانطباع الأقوى. أعرب شابيرا عن تمنيه “تحويل العربي المقيم في أرض إسرائيل إلى جير ger، أو غريب مقيم” وهي خطة يخشى آيالون من أن تقوض نظام إسرائيل القانوني. بعد استماعه إلى أولئك المستوطنين، لم يكن بوسعه إلا الانتهاء إلى أن “أولئك هم الناس الذين يجب فعلا أن نخشاهم”.
وعلى ما في أقوالهم تلك من صدمة، كانت اتفاقيات أوسلو وما أعقبها هي التي غيرت موقف آيالون في النهاية. بات يتفق مع رئيس أركان قوات الدفاع الإسرائيلية السابق دان شومرون إذ قال للساسة الإسرائيليين في بداية الانتفاضة الأولى إن “الإرهاب الفلسطيني لا يمثل ظاهرة عسكرية ومن ثم فليس بوسع الجيش الانتصار عليه. وكل ما يسع الجيش القيام به هو مقاومة ألسنة اللهب ليتيح للساسة مجالا يبدأون فيه عملية سياسية”.
بعد أوسلو، كرر آيالون رسالة شومرون كلما طولب بإبداء الرأي: “فالقضاء على الإرهاب في نهاية المطاف يعتمد على السياسة”. وفي رأيه أن الاتفاقات جعلت فتح – العدو القديم – شريكا. وباتت الجماعات الإسلامية – وبالأساس حماس – عدوا لإسرائيل. وحتى هنا، برغم بأس إسرائيل العسكري، اتضح أن السياسة وليس القوة هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يفضي إلى حل سلمي للصراع. وآمن آيالون في النهاية أن قيادة ياسر عرفات وحدها هي القادرة على إلحاق الهزيمة بحماس. فضلا عن أنه إذا عملت السلطة الفلسطينية مع إسرائيل لمحاربة حماس، فسيكون لزاما على إسرائيل أن تلتزم بشروط اتفاقات أوسلو وتنسحب من تسعين في المائة من المناطق المحتلة. وفي حين بقي الشاباك أسير الماضي، كانت بقية إسرائيل مستعدة لحقبة جديدة تقودها السياسة – بل وربما السلام.
في مسار الصحوة، بدأ آيالون يتساءل عن السبب الذي جعل الأمر يستغرق ذلك الزمن الطويل. فيكتب: “لماذا لم يوزعوا علينا نحن الضباط ترجمات لإعلان الاستقلال الفلسطيني سنة 1988؟” وماذا لو أن إسرائيل “اعترفت بتحول عرفات الاستراتيجي قبل عشر سنين؟” يحتمل أن البلد “ما كان ليواجه قنابل الانتحاريين التابعين لحماس”؟
ثمة إجابة دالة. في معرض كتابته عن سنوات القلق في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، يناقش آيالون كيف أن وزير الدفاع آنذاك إسحق رابين – من خلال الحكم العسكري في المناطق المحتلة – كان يدعم حماس في السر على أمل أن تنجح الجماعة الدينية في النيل من القوميين في منظمة التحرير الفلسطينية. فالمؤسسة الإسرائيلية لم تكن مستعدة لسياسات السلام، دون استثناء لأعضائها الذين زعموا لاحقا أنهم يلبسون عباءة السلام.


ما كاد آيالون يترك الشاباك، حتى بات يجهر بحديثه عن فشل المؤسسة الإسرائيلية في فهم الصراع وعجزها عن توفير الأمن للإسرائيليين. وصار يفقد شعبيته، وبخاصة في الحوارات التي أجريت معه خلال الانتفاضة الثانية، حينما كان يقول للرأي العام الإسرائيلي ما لم يكن يروق له أن يسمعه.
في حوار مع مذيعة الأخبار التليفزيونية شيلي يحيموفيتش، أصر آيالون على أن “لجوءنا الغريزي إلى القوة غير المتكافئة … أدى إلى عكس ما نريد تحقيقه. نحن، باسم الأمن، نخاطر بأمننا كلما أسقط جنودنا رماة الحجارة الفلسطينيين، فأفعالنا تغذي الرغبة في الانتقام” وأضاف قائلا “حينما شعر الفلسطينيون بأن منع الإرهاب سوف يؤدي إلى إنهاء احتلالنا وإقامة دولة لهم، تعاونوا معنا. فما كان يسعى إليه الفلسطينيون – قبل أي شيء – لم يكن دماءنا، كل ما أرادوه هو الثقة في أن الحكومة الإسرائيلية سوف تنهي الاحتلال وتتركهم أحرارا. ونحن لم نقدم لهم أسبابا كافية للثقة فينا”.
لكن على الرغم من جميع جهوده، يعترف آيالون أن نصائحه “لم يكن لها أثر مؤسسي بعيدة المدى على الشاباك، ولا تأثير بالمرة على الجيش”. استمرت أعمال القتل. ساق ذلك آيالون إلى اقتحام السياسة بنفسه. وما كاد يقتنع بأن الحكومة الإسرائيلية – والشاباك بصفة خاصة – سوف تستمر كما هي، فانضم إلى الأكاديمي الفلسطيني سري نسيبة في إطلاق مبادرة جديدة: منظمتان هما حملة الشعب الفلسطيني من أجل السلام والديمقراطية ونظيرتها الإسرائيلية، صوت الشعب.
كانت استراتيجية المنظمتين هي تغيير وجهة الصراع بإخراج الدبلوماسية من الغرف الخلفية الغائمة إلى الشوارع. ضم المنتدى المبادئ التالية: سوف توجد دولتان، لشعبين، وفقا لحدود 4 يونيو 1967، مع تبادل دقيق للأراضي بما يضمن منفعة الشعبين. يعود اللاجئون الفلسطينيون إلى دولة فلسطين منزوعة السلاح، مع إخلاء المستوطنات القائمة في الأراضي الفلسطينية. تعترف إسرائيل صراحة بدورها في معاناة الشعب الفلسطيني وتسهم في تمويل دولي لتعويض اللائجين الفلسطينيين عن خسائرهم سنة 1948. فور توقيع اتفاقية سلام، ينبذ الطرفان جميع المطالب الأخرى. تكون القدس عاصمة مفتوحة للدولتين، وتخضع الأحياء العربية للسيطرة الفلسطينية والأحياء اليهودية للسيطرة الإسرائيلية.
بقراءة كتاب آيالون الكاشف، يمكن أن يرى المرء أنه قطع شوطا كبيرا. ولعل أجدر نتائجه بالثناء هو أن إسرائيل لن تحقق السلام حتى “نغير سردية الماضي ونعترف لأنفسنا بأن الفلسطينيين لهم الحق في بلد لهم بجانب إسرائيل، وعلى أرض نزعم أنها أرضنا”. ومع ذلك، في حين راجع آيالون معتقداته، يظل عازفا عن تحمل مسؤولية دوره في الصراع بين الشعبين في المقام الأول، سواء من خلال عمله في الشاباك أو إسهامه في اغتيال أبي جهاد، مؤسس فتح، سنة 1988.
في مرحلة من الكتاب، يستبعد آيالون احتمالية محاكمة محكمة العدل الدولية في لاهاي لأشخاص مثله على جريمة التعذيب – والتعذيب شائع الاستعمال في الشاباك، وإن كان آيالون يعتقد على المستوى الشخصي أن “التعذيب يأتي بمعلومات فاسدة ويجرد ممارسه من إنسانيته”. وهذا ما يجعلني أتساءل عما إذا كان رجل تحولت نظرته إلى الفلسطينيين وتاريخهم هذا التحول الهائل عازما حقا على تحمل مسئولية ماضيه في مؤسسة يصفها بـ”بالوعة المجاري”. ولكن آيالون، من ناحية أخرى – محق بالتأكيد: فمن أجل تحقيق السلام، نحن بحاجة إلى السياسة. ولكننا من أجل تحقيق السياسة بحاجة أيضا إلى ندم أولئك الذين – شأن آيالون – لم تزل جرائمهم تستولي على الشعب الفلسطيني.

عنوان الكتاب: FRIENDLY FIRE: HOW ISRAEL BECAME ITS OWN WORST ENEMY AND THE HOPE FOR ITS FUTURE
المؤلف: Ami Ayalon with Anthony David
الناشر: Steerforth
نشر المقال في مجلة ذي نيشن الأمريكية بتاريخ 23 مارس 2021