كتابات عُمانية مُبكرة “17” .. قصائد ومقالات وخواطر الصحفي بدر بن سالم العبري في ذكرى وفاته العاشرة

قبل خمسة عشر عاماً، وفي صيفٍ قائض، حظيتُ بلقاءٍ تاريخي نادر بالشيخ الأديب الكاتب بدر بن سالم بن هلال العبري، رحمه الله، بمنزله بولاية الحمراء.. لقاءٌ بقي في ذاكرتي طيلة هذه السنين لما كان فيه من حفاوة وكرم منقطع النظير.. بقي تاريخ هذا الحوار في ذهني منقوشا لم أكد أنساه فتاريخه يوم الجمعة الثامن والعشرون من شهر يوليو من عام 2005م وهو اليوم الذي زردت فيه ولاية الحمراء العريقة لأول مرة.. لم أنس هيئته وتدفقه وحلو حديثه وهو يحدثني عن التاريخ العُماني وأعلام الشعر ويجوبُ بذاكرته أرجاء عُمان شرقها وغربها ليشرح لي ما عرفه من آبائه وأجداده من أخبار وقصص وحوادث يقصّها عليَّ بتدفق وبلا تكلف وأكاد من فرط حلو حديثه أطير في الآفاق، كان الرجل في قمة الارتياح رغم ما لمَّ به من متاعب مرضية، فحديثه حديث العارف الخبير المطلع القارئ للمتون والمتقن للأصول.. كيف لا وهو سليلُ بيئةٍ علميةٍ تقليدية عريقة عُرفت بالعلم والفقه والوجاهة الاجتماعية، وهو بجانب ذلك صحفي وشاعر قدر له أن يواكب مرحلتين فارقتين من مراحل الحياة العمانية، وأن يشهد تعاقب الدول ونشوء المؤسسات وما صحبها من الأحداث واضطرام نيرانها آناً وانطفاءها آناً آخر، فقد عاش قريبا من موقع الحدث السياسي والعسكري أعني بذلك ما دار في الجبل الأخضر من أحداث.
والشيخ بدر بن سالم العبري – كما تترجمه أدبياته – من مواليد حمراء العبريين سنة 1350 / 1920م، تلّقى تعليمه التقليدي في ولايته على المشايخ: إبراهيم بن سعيد العبري ومحمد بن أحمد بن سعيد العبري ومحمد بن سيف بن حمد العبري. عمل في تدريس النحو في الحمراء، ثم سافر إلى دولة الكويت عام 1964م،وعمل موظفاً بمكتب إمامة عُمان بالكويت لمدة ست سنوات. ولما عاد سنة 1970 عُين في وزارة الإعلام محرراً، ثم رئيسا لتحرير صحيفة عُمان، ثم تنقل بين وزارات عدة من بينها وزارة التراث القومي والثقافة، والبلاط السلطاني، كما عين عضوا بالمجلس الاستشاري. سافر للزيارة في حقبة الستينيات إلى القاهرة والهند وبغداد، وأغلب إنتاجه منشور في صحيفة “عُمان” و”مجلة الغدير” التي نشر في عددها التاسع والعشرين الصادر في أبريل 1980 خاطرة أدبية عنوانها “وأشرقت الشمس من جديد”، وقد أبان فيها عن مشاعره الوطنية المتأججة بحسٍّ وجداني شفيف قال فيه: “راعية، أيقظها من سباتها، فسرحت ناظريها في تلك السفوح المترامية التي دمجتها حمرة الضوء بصبغة أرجوانية، وهي كأنها تبتسم وتصافح نور الصباح… وها هي تستعيد أمجادها وماضيها العتيد تحت قيادة قائدها المنقذ، ورائد نهضتها البطل الشجاع السلطان قابوس المعظم”.
وأغلب شعره ضائعٌ مفقود، وما حصلنا منه يدور في المديح السياسي وأغراض العلاقات الإنسانية وخاصة غرضي المديح السياسي والشعر الوجداني.
توفي الشيخ بدر بن سالم العبري ـ حمه الله ـ صباح يوم الجمعة 19 من ربيع الآخر لعام 1432 هـ الموافق 25 من مارس 2011م، وقد أقام له مؤخراً الشاعر الأديب أحمد بن هلال العبري ندوة إلكترونية قرأ فيها باحثون ملامح من فكره، وبعض مؤلفات وخاصة كتابه “البيان في بعض أفلاج عُمان” الذي يعدُّ من الدراسات المبكرة في حقله.
وبجانب هذا المؤلف للشيخ بدر العبري دراسات منشورة ومخطوطة منها “إرشاد الإخوان في معرفة الزراعة بعُمان” وكتاب في “السدود” وهذه كتب بل دراسات فريدة في حقلها وأصيلة في منبتها ومستوفية لأهم شروطها؛ لأنها ناتجة من شخصية عارفة محيطة بالحياة الاجتماعية العٌمانية وأدواتها وتتطرق إلى أدق تفاصيلها.
كما أن له مقالات منشورة وافتتاحيات في صحيفة “عُمان” أحصينا منها النماذج التالية:

1- مقالٌ سياسيٌّ عنوانه “إلى إخوانٍ لنا في ظفار”، نُشِر في العدد الثاني من صحيفة “عُمان” الصادر بتاريخ 18 فبراير 1972م، وفيه استعراض للأحداث السياسية التي سيطرت على تلك الفترة ودعوات للوحدة الوطنية، ومما جاء فيه: “نعود فنقول لإخوانٍ لنا في ظفار لا تغرنكم أضاليل حُكام عدن وادعاءاتهم الباطلة، وارجعوا إلى وطنكم الذي أصبح آمناً مطمئناً تحت راية قائده ومنقذه السلطان قابوس المفدّى.. فشاركونا في هذا العهد الجديد ومعطياته وساهموا في إنجازاته”.
2- مقالٌ تاريخي بعنوان “مدخل إلى عالم الآثار في عُمان: حصنا جبرين والحزم وقلعة نزوى”،وقد تناول فيه بإسهاب الجوانب التاريخية لهذه الحصون والقلاع وتاريخ بنائهما ودورهما في صناعة التاريخ، وتعاقب الأحداث، وقد نشرته عُمان في عددها الأول الصادر بتاريخ 18 نوفمبر 1972 في الصفحة الخامسة مبرزة إياه بما راه الكاتب أن “هذه الآثار العُمانية تتشابه في هندستها أهرام فراعنة مصر”.
3- مقالٌ تاريخي بعنوان “مدخل إلى عالم الآثار في عُمان: قلعتا الجلالي والميراني، وقد نشر في العدد الثالث من صحيفة عُمان الصادر بتاريخ 2/12/1972م، وقد تناول فيه الجوانب التاريخية لهاتين القلعتين من حيث تاريخ بنائهما، وأنهما شكلتا أنموذجاً للهيبة وعبقرية البناء.
4- مقالٌ وصفي بعنوان “بلادنا الجميلة: الجبل الأخضر وهو مقالٌ نشر في العدد الرابع من صحيفة عُمان “الصادر بتاريخ 9/12/1972، وقد تناول فيه جغرافية الجبل الأخضر وتضاريسه ومناخه وطبيعة الحياة فيه، وتطرق إلى الأبيات الشعرية المنظومة فيه، وانتهى إلى ضرورة استثماره ليكون مقصداً للساحة، ومرتعاً للراغبين في التنزه فبمثله يكون مثله.
5 – مقالٌ بعنوان “بلادنا الجميلة: الجبل الأخضر وهو مقالٌ نشر في العدد الخامس من صحيفة “عُمان” الصادر بتاريخ 16/12/1972م، وخصّصه لوصف خيرات الجبل الأخضر ومنتوجاته كالرمان والليمون والعنب واللوز وغيرها، وقد أطنب الكاتب في وصفه ودلل على ذلك بما قيل في أنحائه من أشعار وخاصة قصيدة الشيخ عبدالله بن ماجد الحضرمي في قرية المسفاة الواقعة على سفحه:

إن كنتَ تنظرُ بهجةَ الجنات عرّج هُدِيتَ لبلدةِ المسفاةِ
بلدٌ يعزُّ لها النظير فلم تزلْ محفوفة بمجامع الخيراتِ
فالأرضُ فرشٌ والنبات أسرةٌ والزهرُ تيجانٌ على القاماتِ
والماءُ يحكي في الجداول جريه لأساودٍ تنساب أرحيات
وكأنما أصواتَه وخريره خلخالُ خودٍ متبع الرَنّاتِ
وبها قصورٌ حُمرُتلمعُ في الدُّجَى فكأنما المُصباحِ في المشكاةِ

6- مقالٌ بعنوان “بلادنا الجميلة:”الجبل الأخضر وهو مقالٌ نشر في العدد السادس من صحيفة “عُمان” الصادر بتاريخ 23/12/1972، واستكمل فيه وصف بلدان الجبل الأخضر وسفوحه ونجوعه وقراه ومرتفعاته، وتطرق إلى سكانها الذين قال عنهم: ” مّا سكان هذه القرى فهم بنو ريام ويسكنون في ثلاث قرى: آل عويمر، والجواميد، والشريقيين، بالإضافة إلى أقليات من بعض القرى، ويعتمدون في اقتصادهم على زراعة الرمان بالدرجة الأولى، كذلك عصير الورد وغير ذلك من أشكال الفاكهة كالخوخ والمشمش والجوز والزعفران والحمضيات، ويوجد في مناطقهم شجر الآس ..”.
7- مقالٌ افتتاحي بعنوان “رحلة المعجزة والعام الجديد” وهو مقال سياسي نشرته عُمان في عددها السابع الصادر بتاريخ 30 ديسمبر 1972م، وتبدو على المقال السمة العسكرية لأنه يحمل رأي الصحيفة ويحمل عبق الحدث العسكري الذي طغى على كافة الخطابات، فالدولة تعيش مرحلة حرب الجنوب، وقد واكب فيه الكاتب نهايات العام بما حمله من ألق النهضة والتحول الجديد.
8- مقالٌ بعنوان “المناجم القديمة” مقال اقتصادي تاريخي نشرته عُمان في عددها الثاني عشر الصادر بتاريخ 2 فيراير 1973م يقرأ تاريخ المكتشفات من هذه المناجم وجدودة اقتصادياتها وطرق استخداماتها ويستعرض آفاق فائدتها للاقتصاد العُماني الناشئ.
9- مقالٌ تاريخي طويلة نشر في صحيفة عُمان بتاريخ 17 مارس 1973م ضمن سلسلة “الآثار الخالدة” مخصصة لـ” حصن جبرين، واستعرض فيه الكاتب الجذور التاريخية لهذا الحصن ومآثره الخالدة التي بقيت قي ذاكرة التاريخ، والكاتب يحيط به من كل الجوانب غير متناس الأشعار التي قيلت في وصفه متخذا إياها دليلا على عراقته ومنها قول الشاعر:

كفى عِظَةً للعارفين وعبرةً بما فعلتْ أيدي الليالي بيبرين

10 – مقالٌ تاريخيٌّ استكمالي نُشِر في صحيفة” عُمان “بتاريخ 24 مارس 1973م ضمن سلسلة “الآثار الخالدة” مخصصة لـ”حصن جبرين”، وتناول فيه الشكل الهندسي لهذا الحصن، وما يزهو به من روعة المعمار من الداخل، فيصف بدائع نقوشه وروائع جدرانه ومميزات حجراته، ويقيس دهاليزه وممراته، وذلك في التفاتة تصويرية دقيقة يعيش فيها القارئ لحظات وكأنه يتجول في ربوع ذلك الحصن الكبير من الداخل.

11- مقال تاريخي استكمالي نشر في صجيفة عُمان بتاريخ 31 مارس 1973م ضمن سلسلة ” الآثار الخالدة ” مخصصة لـ”حصن جبرين”،وفيه يقرأ الكاتب تفصيل هذا الحصن مشيرا إلى تحصيناته وبروجه وقلاعه وموقعه الاستراتيجي، ويسرد القصص التاريخية التي دارت فيه في سالف العهود معتمداً في ذلك على الرواية الشفهية التي سمعها عنه، أو قرأها في المدونات المخطوطة والكتب المنشورة، وتعدُّ إحاطة الكاتب بتاريخ هذا الحصن وتفاصيله إحاطة ثقافية واعية مستوعبة لحركة التاريخ، ولم يغب الشعر عن تلك القراءة ففيها تحضر أبيات الشاعر سالم بن محمد المحروقي البهلوي في باني هذا الحصن السلطان بلعرب بن سلطان بن سيف اليعربي، وما كتب في قبره بداخل هذا الحصن:

طلبتُ من الدنيا الفضولَ غباوةً وجهلاً وداني القوت قد كان يكفيني
وقد بلغ الحرص المدى في وبلغة من الزاد يكفيني إلى يوم تكفيني
كفى عظةً للعارفين وعبرةً بما فعلتْ أيدي الليالي بيبرين
بهل ملك كان الزمان يريشني بسيب نداه بعدما كان يبريني
وقد طال ما هاب الملوك لقاءه وتعنو له طوعاً وجوه السلاطين
فأصبح بعد الأمر والنهي ثاوياً ببطن الثرى تحتَ الحجارة الطين

12- مقال تأبيني في رثاء الشيخ ناصر الحارثي، نشر في عُمان بتاريخ 8 فبراير 1975م، ومما جاء فيه التعريف بالفقيد المرثى ناصر بن سليمان الحارثي وبيان أدواره الحياتية وقيمه الإنسانية وحياته الاجتماعية، ويعد هذا المقال من أهم المقالات التوثيقية المبكرة التي كتبت في هذا الفقيد، ومما قاله فيه: ونحن في هذه الأيام فقدنا رجلاً من خيرة رجالنا وعلما بارزاً في صرح المعارف الإنسانية هو الشيخ ناصر بن سليمان الحارثي الذي انتقل ملبياً نداء ربه في السادس من شهر ذي الحجة من عام 1394هـ، لقد كان أكبر سنداً في حياته لخدمة أمته، عاش في مسقط رأسه نيابة “سمد الشأن” من المنطقة الشرقية، وخدم في سلك دولة الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، ثم انتقل بحكم ظروف طارئة إلى ساحل عُمان واستقر بين دبي والشارقة، ولم يألُ جهدا هناك في خدمة أمته، وعاش ردحاً من حياته غير منطوق لشؤون السياسة، وإنما مجاهد في سبيل المعيشة وخدمة مجتمعه، ثم انتقل إلى الكويت إبان مدانتها، واستقر هناك حيث كانت له صلة بحاكمها الشيخ عبدالله السالم.. وكان الشيخ ناصر بن سليمان ملجأ للعمانيين يمهد لهم مطالبهم، ويسهل مصاعبهم، وكان بيته لا يخلو من الضيف، وكانت له مآثر أخرى فقد طبَع عدداً من الكتب العمانية على نفقته الخاصة، وجعلها توزع مجانا في مناطق السلطنة، ومما قام به حفر الموارد في الطرق، وبناء المساجد ومآثره معروفة عند الخاصة والعامة..”.

13-مقالٌ موسّع نُشِر في “عُمان” على حلقتين الأولى يوم السبت 29 مارس 1975م بعنوان “المرحوم الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري: وتناول فيه بالتفصيل مسارات حياته، وصفاته وخصاله وآقاره وبيئته الاجتماعية، وتطرق إلى العلماء الذين تتلمذ عليهم ومقطفات من شعره، كما جاء فيه تأبين اتسم بالحزن الشديد، ومما جاء فيه :”فجعت عُمان في هذه الأيام والعالم الإسلامي بأسره بمصاب جلل وخطب فادح بموت العالم العلّامة، حامل لواء العلم بهذا القطر مفتي الأمة، ومصباح الظلمة، الخطيب المصقع، فحل العلماء، ونبراس الأدباء… وقد بلغ من العمر احدى وثمانين عاما..”.
أمّا الحلقة الثانية من التأبين فجاءت في عدد عُمان الصادر بتاريخ الخامس من أبريل 1975م، وتناول فيه مكانته الاجتماعية، ومنزلته العلمية، وعلاقته بالإمام الخليلي، وختمه بمرثية بلغت أبياتها 38 بيتاً مطلعها:

الخطبُ أفدحُ والمصيبةُ أعظمُ فالأرضُ تبكي والسَّما تترحمُ
والشمسُ ترسلُ في السّماءِ أشعةً صفراءَ يكسوها غبارٌ أقتمُ
أبكي ويبكيني حياة عشتها معه ومن إحسانه أتنعمُ
فلئن بكيتُ فلستُ أبكي شخصه بل ما حواه فسَلْ به من يعلمُ

وللشيخ بدر العبري قصائد بعضها مخطوطة ذكرها لي في ذلك اللقاء واسمعني شيئا منها كقصيدة لامية “نظمها في مدح الإمام الخليلي تقارب أبياتها ثمانين بيتاً” وأخرى لامية في وصف وادي الخور بالحمراء تقع في حوالي ثلاثين بيتاً، وله قصائد أخرى عثرنا عليها منشورة في مصادر مختلفة.
أمَّا أروع ما قاله الشيخ بدر العبري فهي قصيدته المعروفة “قفا حدثاني” ورغم كونها تقع في غرض المديح السياسي إلا أن افتتاحيتها الغزلية تقربها من متن معلقات السلف الجاهلي، فهو يتدرع بعباءتها وفيها فيضٌ من المشاعر الغزلية ما يجعلها ذات وهج عاطفي وجداني حميم يحضر فيها امرؤ القيس الجاهلي في كثافة معانيه وصوره وأساليب بيانه، ولكن الشاعر انعطف بعد تلك المقدمة صوب المعاني المدحية لتحضر فيها عُمان بكل تألق وعنفوان، فتراه يخلق فارقا غير متوقع في بنية القصيدة وسيرورتها الفنية، ورغم كون هذه القصيدة الطويل تمثل عيون شعره إلا أن الضرورات الشعرية التي حتمتها القافية شكلت ثلمة فيها وقد تمثل سمة غير محبذة لدى شاعر نظنه يملك زمام النظم، فهو خريج مدرسة تقليدية صرفة لا تتسامح كثيراً مع هناك الوزن والقافية ناهيك عن صرامتها في النحو باعتباره أهم أدوات الشعر وكذا البلاعة التي تجعلها في أرقى عناصرها المنشودة يقول فيها:

قفا حدثاني عن خليل ومربع
وأوقات أنسٍ بين صحبٍ أعزة
نعمنا زمانا في الحياة بصفوها
ويوم تلاقينا على متن طائر
يشق عباب الجون والجو ممطر
تقلّبُه طرداً وعكساً عواصفٌ
فطوراً يناجي النجم في الجو عاليا
كأن سقوط القطر في الأرض هامياً
كأن انسياب الماء في الوحل جارياً

ألفناه في عهد الشباب المودعِّ
إذا ذكرت سالت على الخد أدمعي
فكانت كحلم النائم المتهجع
يحلق في جو رهيب ٍمروّعِ
كباخرة في متن يمّ مجعجعِ
تراه كهداب الدِّمَقْسِ المقطعِ
وطورا بنا يهوي إلى قاع بلقع
تساقط تمر النخل في بطن مزرع
أشعة شمسٍ بين غيمٍ موزعِ

وأيضاً قصيدته وجدانية جميلة عنوانها: “على هضبة المجد” تقع أبياتها في باب الفخر والاعتداد، وهو باب أكثر صلة بالنفس في تأوهاتها وصولجانها، ومشاعرها وتاريخها، وفيه يستعرض الشاعر مآثره، ويقدم صوراً مبنية على ما تجيش به الذات المثقلة بتفاصيل الحياة ، ومن أبياتها:

على هضبة العليا رفعت بنودي
ألا فليقل ما شاء فيًّ حسودي

وثبتُ أقدامي على الصخرة التي
رست في قرار لا يرام وحيد

فما زعزعتني الحارثات ولا كبا
جوادي في وثبٍ له و ورود

هذا هو الشيخ بدر بن سالم العبري شاعراً أديباً، وكاتباً صحفياّ، تميز بتجربة غنية وثراء في عالم الأدب والفكر، ويبدو أنه لم يجمع ديوانه، فقد فارق الدنيا وإنتاجه متوزع بين مصادر شتى، وكثير منه ضاع بفعل أسفاره ومعيشته خارج الوطن، ومن المعجب فيه أنه عاش عصر الحياة العربية في عصرها الذهبي عندما كان في الكويت يعمل مكتب الإمامة، فقد أتاحت له حياته هناك حضور مناشط الكويت العامرة آنذاك بشتى صنوف الحراك الثقافي والسياسي، فجمعته لقاءات بعمالقة الأدب العربي والفكر والسياسة الآمين أرض الكويت في ذلك الوقت المفصلي من حياتنا الثقافية العربية، وعندما عاد إلى وطنه وتسنم صدارة الكتابة الصحفية وصار رئيساً لتحرير صحيفة ” عُمان ” أتاحت له مهام عمله الاطلاع على معلومات وافرة ومساقات تدخل بعضها في التاريخ السياسي لمرحلة مهمة يعيشها الوطن آنذاك، فكان لها تأثيراتها الكبير في صقل موهبته الشعرية وجذوته في الكتابة الصحفية فكتب مقالات ذات صبغة اجتماعية سياسية مفيدة، ولعل بحثه عن الأفلاج يعد من أوائل الأبحاث المنجزة في حقل الدراسات الاجتماعية، المتصلة بالواقع العُماني.