مرفأ قراءة .. هنا عاش هيمنجواي!

إيهاب الملاح

-1-
من أشهى ألوان القراءة وأكثرها متعة وإمتاعا تلك الكتب التي تتتبع سير المبدعين الأفذاذ، في كل العصور والحقب القديمة منها والحديثة، في مسارات حيواتهم المتنوعة، تحاول أن تتقصى وتحفر في الطبقات المتراكمة حول هذا الكاتب أو ذاك.
بعض الكتاب ممن تركوا آثارا صارت من كلاسيكيات التراث الإنساني، وعيون الأدب العالمي تتسم حياتهم بغرابة وفرادة وتحولات ربما تبدو للوهلة الأولى غريبة الأطوار، لكن إذا ما استقصينا الأثر العميق لهذه التحولات واقتنصنا العلاقات التحتية الغائبة بينها وبين ما أنتجه هذا الأديب أو الكاتب من أعمالٍ عظيمة فإننا نعثر على كنز وافر من التفاصيل المدهشة والأفكار الملهمة بل أيضا ربما نركن إلى بعض التفسيرات المنطقية المعقولة لمناطق ظلت مجهولة أو غائبة أو غير مفسرة بشكل منطقي في حيواتهم وسيرهم.. وبالتأكيد فإن بعض محققي هذه السير والباحثين عن أسرار و«ما وراء الظاهر» يسيرون خلف شغفهم وحده وفضولهم المعرفي ورغبة عارمة في البحث عن المجهول أو إعادة تحقيق وتوثيق وتفسير المعلوم!

-2-
وهذا الكتاب الصادر أخيرا عن دار آفاق للنشر والتوزيع (أحد أختام الجودة الذهبية الآن في سوق النشر المصري والعربي) في قطع أنيق وغلاف رائع كعادة تصميمات الصديق الفنان عمرو الكفراوي، يضم واحدة من أجمل وأمتع مغامرات واكتشافات الكاتبة والمترجمة المصرية المقيمة بالكويت، هايدي عبداللطيف.
وإذا نحينا جانبًا اعتبارات تقدير الأصدقاء لبعضهم بعضًا، وانحيازاتهم الشخصية الطبيعية، فإن الكتاب بذاته وبروحه وبتمثيله المدهش لصفات وسمات كاتبته، واحد من أمتع الكتب التي قرأتها أخيرًا، هذه السمات بما فيها من فضول معرفي لا يحد، وحب للحياة والمغامرة والبحث، والسعي الدؤوب وراء الاكتشاف، اكتشاف البشر بالدرجة ذاتها التي تنصت فيها للحجر، تجوب الشوارع والميادين كأنها راقصة باليه تكاد تطير من على الأرض كي تلامس حدود السماء!
لطالما ألححت أنا وأصدقاء كُثر على هايدي لتسجيل خبراتها في جوب الآفاق في كتابٍ لم نشك لحظة أنه سيكون محل قبول وإقبال قارئه، كانت تكتب بعضًا من هذه الخبرات عن سفرات مدهشة لأوروبا في السنوات الأربع أو الخمس السابقة، على صفحتها الشخصية، بروحها المنطلقة، وحيويتها المذهلة وحدقتيها المتسعتين دومًا للإنصات، وأذنيها المرهفتين للشوف..
ونجحت الصديقة والمثقفة الرفيعة سوسن بشير مستشار النشر بآفاق بمنطقيتها التي لا تُبارى وحماسها الذي لا تملك معه إلا الاستجابة الفورية لأي مقترح تقترحه عليك، بل تشرع فورا في تنفيذه وإنجازه، نجحت في إقناع هايدي في تسجيل رحلتها هذه المثيرة لتنقل لنا وعبر امتصاص حواسها كلها لكل دقيقة جمالية عاشتها في رحاب أكبر جزر الكاريبي لكتابة مقاطع من سيرةٍ موازية لأكبر كاتب عرفته أمريكا في القرن العشرين.
كثيرون يحبون السفر والتجوال والاكتشاف والمغامرة، لكن قليلين الذين يخوضون هذه الأسفار بروح مكتشف حقيقي ونزق طفل لا يعبأ بالحدود والتعليمات يتتبع شغفه، ويسير وراء فضوله فقط، وهايدي من الشخصيات التي حباها الله القدرة على أن تكون الثقافة بالنسبة لها معايشة وامتصاصًا قبل أن تكون قراءة ومعرفة نظرية، الصورة والصوت والرائحة واللون هي مدخلها للتعرف على ثقافة بلد وثقافة كاتب، هي لم تأتِ إلى كوبا وهي لا تعرفها، أبدا، إنما زارتها كي تدمغ ما رسخ من حكايات وأساطير وغناء وموسيقى وألوان زاهية بداخلها بختم المشاهدة والسماع والرؤية المباشرة.

-3-
ضمن أبرز أسماء الكتاب الأمريكان في القرن العشرين، صاحب الشهرة الوافرة العريضة والذي ترجم إلى أغلب لغات الدنيا، يسطع اسم القاص والروائي وكاتب اليوميات والرسائل إرنست هيمنجواي أحد سحرة الكتابة وكبارها في العالم القرن الماضي بلا منازع.
عاش هيمنجواي في كوبا عشرين سنة، وحين غادرها متجها إلى أمريكا لم يلبث إلا حينا ثم غادرها هي والدنيا كلها منتحرا في واحدة من أشد حالات انتحار الكتاب والمبدعين إثارة ومأساوية.
يتتبع هذا الكتاب المبهر أثر الروائي الأمريكي الشهير في دروب وطرقات العاصمة الكوبية «هافانا»، يزور كل مطعم وكل حانة تسكع فيها، وغرفته التي عاش بها سنوات بأقدم فنادقها، وبيته الذي استقر به في ضواحيها، على مدار خمسة أيام كاملة لم تترك الكاتبة والمترجمة هايدي عبداللطيف أثرًا أو إشارة أو علامة تمت بصلة لهيمنجواي إلا وتقصتها واقتفت ما خفي منها، مقدمة تجربة وصفية تاريخية وبصرية من أمتع ما يكون.
ولأنها تجيد الإنجليزية والإسبانية فقد سهل عليها (لحسن حظنا) أن تستوعب من اللحظات الأولى لرحلتها إحداثيات الأماكن، وحدودها وتقاطيعها وخطوط سيرها، باختصار حددت مسرحها مكانيا بدقة شديدة في القسم الأول من الكتاب الذي ترى فيه كوبا التي أحبتها هايدي، وتعشقت تفاصيلها، وربطت بين لون بشرة سكانها ولون بشرتنا نحن أبناء مصر، والشرق عموما، ورصدت عادات أهلها رجالًا ونساء في تقاطعاتها أيضا مع موازياتها لدينا.
وفي القسم الثاني من الكتاب، وهو أغلبه، نخوض رحلة التقصي المثيرة وراء هيمنجواي الذي «عاش هنا» وتنقل بين الأحياء والحانات وانتقل من غرفة فندق (تحولت إلى متحف باسمه) إلى بيتٍ يمتلكه ويقع على تلة ساحرة وسط حديقة غناء هي بذاتها أعجوبة طبيعية،
طعمت هايدي عبداللطيف مشاهداتها وتتبعاتها المكانية والزمانية بقراءاتٍ واسعة فيما كُتب عن صاحب «العجوز والبحر»، واستقصاءات دقيقة ومثيرة لتفاصيل حياته وسيرته الإنسانية والإبداعية وعلاقاته الإنسانية والنساء في حياته وزيجاته الأربع وتقلباته المزاجية وعاداته.. إلخ، وتبحث عن مصادر الإلهام وراء إبداعاته العظيمة «لمن تقرع الأجراس»، و«وداعا للسلاح»، و«أن تملك وألا تملك»، و«المهربون».. إلخ.
وكأنها طمحت إلى كتابة سيرة أدبية (موازية لرحلتها) لهيمنجواي تكافئ أشهر السير التي كتبت عنه في اللغة الإنجليزية أو في اللغات الأخرى.

-4-
حضور هيمنجواي في حياته وبعد انتحاره كان طاغيا، كانت صوره تظهر في الصحف، وفي رحلات الصيد التي كان يقوم بها في إفريقيا، أو من على متن قاربه في فلوريدا، أو هو يغادر مباراة ملاكمة في ماديسون سكوير، أو جالسًا إلى آلته الكاتبة، كانوا يرونه شخصًا لا يقل أهمية عن وينستون تشرشل أو جون واين أو ميكي مانتيل.
يحكي بعض نقاده ومن كتب عنه أنه «لم يكن حاضرًا في صفوف الدراسة فقط، بل في حياتنا أيضًا كأنموذجٍ لنوع معين من الرجولة. علمنا أنه حارب وأُصيب في الحرب العالمية الأولى، وشهد حروبًا أخرى وكتب عنها، وأنه كان رياضيًا، وصيادًا، وأنه أحب الملاكمة، ومن خلال زيجاته المتعددة علمنا أنه كان محبًا للنساء، حتى بعد موته كان حضوره قياديًا. حاولنا ألا نكتب مثله، مدركين أننا سنضع أنفسنا في موضع السخرية إذا فعلنا، ولكن حتى مع تنصلنا الواعي من تأثيره لا بد لنا من الاعتراف بالقوة الفريدة المعدية لأسلوبه».

ولا تترك هايدي شاردة ولا واردة عن هيمنجواي في كوبا دون أن تتتبعها وتجليها وتبحثها وتوثقها وهي تبدي رأيها بقوة واعتداد فيما تقرأه من كتب أو حوارات أو تشاهده من أفلام ووثائقيات ولا تكتفي بالتلقي السلبي لهذه المواد، إنها لا تعيد اكتشاف هيمنجواي فقط في رحلتها، بل تعيد اكتشاف ذاتها هي وقدرتها وجرأتها على خوض المغامرة والاكتشاف، وقارئ هذا الكتاب لن ينتهي منه إلا وقد رأى هيمنجواي آخر غير الذي يعرفه أو سمع به أو قرأ عنه، إنه سيراه كما رأته هايدي واقتربت منه، وأنصتت لروحه المحلقة الحائمة حولها، فهو «حي في المشهد الكوبي»، كما تؤكد.
أدركت هايدي أنك لكي تفهمه، وتسبر غوره، وتهتك أسراره، عليك أن تذهب إلى هناك.. إلى حيث «هنا عاش هيمنجواي»!