أوروبا.. الشعبوية اليمينية باقية

هنري أولسن – واشنطن بوست –
ترجمة قاسم مكي –

قد يكون من المغري، نظرا إلى هزيمة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، افتراض أن الحركات الشعبوية ذات الميول اليمينية حول العالم تتراجع وتنحسر. لكن النظرة المدققة تظهر أن ذلك ليس صحيحا.
ففي الانتخابات الأخيرة بألمانيا وهولندا وبالرغم من فوز من كانوا في سدَّة الحكم في كلا البلدين لم يكن أداء الأحزاب الشعبوية اليمينية ضعيفا. في ألمانيا حيث صوتت ولايات راينلاند – بافالس وبادن- فوتيمبيرغ يوم الأحد 14 مارس، كان حزب الناخبين الأحرار المحافظ والمعادي للمؤسسة السياسية الحاكمة قد حصل على 3% من الأصوات منذ 5 أعوام، مما يعوض التراجع في الحصة التي نالها الحزب الشعبوي القومي الأكبر «البديل من أجل ألمانيا». وفي الانتخابات الهولندية يوم الأربعاء 17 مارس حصلت ثلاثة أحزاب شعبوية يمينية هي حزب الحرية ومنبر (منتدى) الديموقراطية وجيه أيه 21 (الإجابة الصحيحة 2021) على 29 مقعدا مجتمعة، وهو عدد قياسي، من جملة 150 مقعدا في تويد كامار (مجلس النواب الهولندي).

لذلك وعلى الرغم من نتيجة الانتخابات الإجمالية في هذه البلدان تستمر الأفكار الشعبوية في حشد الناخبين.
بل الأدلة على استمرار النفوذ الشعبوي أقوى في بلدان أخرى بأوروبا. فالحزبان الشعبويان اليمينيان في إيطاليا ليقا نورد (رابطة الشمال) المعادي للمهاجرين وإخوان إيطاليا المحافظ اجتماعيا حصلا معا على 41% من الأصوات في متوسطات استطلاعات الرأي الأخيرة. هذا فيما تقلص نصيب حزب رئيس الوزراء السابق سيلفيو بيرلسكوني «إيطاليا إلى الأمام»، والذي كان الحزب المهيمن يوما ما، إلى 7% فقط. ففي إيطاليا يمين الوسط شعبوي، حصريا، تقريبا.
في الأثناء وفي فنلندا يتعادل حزب الفنلنديين في استطلاعات الرأي مع حزب الديموقراطيين الاجتماعيين حيث حصل كل منهما على نسبة 21%.
وفي أسبانيا زادت شعبية حزب فوكس القومي المتطرف من أقل من 0.25% من الأصوات في عام 2016 إلى 18% في أحدث متوسط لاستطلاعات الرأي.
وفي بلجيكا يأتي حزب المصلحة الفلمينجية المعادي للمهاجرين والذي يؤيد استقلال الفلمينجيين في المقدمة، بحسب استطلاعات الرأي أيضا في ذلك البلد.
كما تحقق الأحزاب القومية المعارضة للهجرة نتائج طيبة في الاستطلاعات بالسويد والبرتغال والنمسا. لذلك الشعبويون اليمينيون سواء كانوا في صعود أو يحافظون فقط على حجم تأييدهم ليسوا في طريقهم إلى الرحيل. فاهتماماتهم تؤثر على السياسات العامة، حتى في البلدان التي تهيمن فيها أحزاب التيار السياسي العريض.
كان حزب الشعب النمساوي الحاكم في النمسا متخلفا في الاستطلاعات السابقة للانتخابات البرلمانية في عام 2017 فأبعد زعيمه وعين سيباستيان كورتز ( 30 عاما) الذي اشتهر بتصريحاته المعادية للمهاجرين، قائدا جديدا له. وبين ليلة وضحاها تقريبا تحول الحزب إلى المقدمة، حاصدا الأصوات التي كانت تذهب في السابق إلى حزب الحرية الشعبوي المتشدد. وفاز كورتز وحزبه بتلك الانتخابات وبانتخابات أخرى في عام 2019. وهو اليوم يتصدر استطلاعات الرأي بارتياح.
ولجأ الديموقراطيون الاجتماعيون في الدنمارك إلى نفس التكتيك في عام 2019 بتأييد سياسات الهجرة التي يتبناها حزب الشعب الدنماركي الشعبوي. وذلك في مسعى منه لاستعادة دعم الطبقة العاملة. نجحت الفكرة حيث تراجعت نسبة أصوات الشعبويين من 21% في 2015 إلى 9% فقط في عام 2019. وواصل الديموقراطيون الاجتماعيون إتباع سياسات الهجرة الشعبوية في الحكم حيث اقترحوا مؤخرا تحديد حصة المهاجرين «غير الغربيين» إلى ما يقرب من 30%. وهذه سياسة يسميها بيتر فرانكلين، الكاتب بالمجلة الرقمية أنهيرد «تمييزا عنصريا معكوسا».
ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، ممتهن السياسة الشعبوية الأشهر، مكَّنه تأييده القوي لسياسة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وضوابط الهجرة الحازمة من الحصول على أغلبية (مدهشة) في انتخابات المملكة المتحدة عام 2019.
حصل جونسون، مثله مثل ترامب، على عدد ضخم من الأصوات المضمونة سابقا لحزب العمال في دوائر الطبقة العاملة والتي يسميها خبراء السياسة الإنجليز «الجدار الأحمر» (في بريطانيا حزب العمال أحمر وحزب المحافظين أزرق). فالمحافظون الذين كانوا يعتمدون تقليديا على دعم الطبقة العليا صاروا الآن يحصلون على التأييد من ناخبي الطبقة العاملة الويلزية. وهذا عكسٌ للمُنحنَى الذي «نَمّط» السياسةَ البريطانية لأكثر من قرن. هذه النتائج كلها دليل على استمرار جاذبية القيم الشعبوية عند قسم كبير من الناس في كل أوروبا تقريبا. فالناخبون المواطنون بالميلاد وغير الحاصلين على شهادات جامعية أو مؤهلات مماثلة يريدون سياسات قومية تُقيِّد الهجرة وتضمن اقتسام النمو الاقتصادي بين الجماعات والمناطق المختلفة.
والناخبون المتديِّنون والمحافظون اجتماعيا يشعرون بوجوب الحفاظ على قيمهم التي كانت في يوم ما تهيمن في كل مكان في الغرب بطريقة أو أخرى قبل أن تكنسها اللبرالية وترمي بها بعيدا.
هذه المجموعات السكانية (الشعبوية) لا تشكل أغلبية في أي بلد أوروبي مهم. لكنها لا تزال قائمة وكبيرة بما يكفي بحيث لا يمكن تجاهلها.
تقدم هذه الحقائق دروسا للحزبين الرئيسيين في أمريكا. فهي للجمهوريين تعني أن أي حزب أغلبية ناجح يجب عليه تضمين هذه القضايا (الشعبوية) في برامجه على نحو ما يفعل حزبا كورتز وجونسون.
وللديموقراطيين تعني أنهم يمكنهم الحفاظ على أغلبيتهم فقط إذا منحوا وجهات النظر هذه اهتماما كافيا حتى لا يتم تصورهم كنخبويين فقدوا صلتهم بالناس. ليس عليهم أن يذهبوا بعيدا كما فعلت ميته فريديريكسن، رئيسة وزراء الدنمارك الديموقراطية الاجتماعية. لكن تأييد سياسات هجرة ضعيفة تتسبب في أزمة على الحدود الجنوبية فكرة خاسرة بالتأكيد.
نحن لا نزال نعيش في حقبة شعبوية على الرغم من الجائحة. الساسة الذين يدركون ذلك ويتكيفون معه سيتمكنون من البقاء والازدهار. والذين لا يفعلون لن يكونوا كذلك وستذهَب ريحُهم.

الكاتب زميل أول بمركز الأخلاق والسياسة العامة في واشنطن