افتتاح فعاليات المؤتمر الدولي الثالث لقسم الإعلام بجامعة السلطان قابوس

متضمنا أوراق عمل تضع «التربية الإعلامية» محورا أساسيا فيها –
تغطية – شذى البلوشية –

انطلقت صباح اليوم بجامعة السلطان قابوس فعاليات المؤتمر الدولي الثالث لقسم الإعلام، برعاية صاحب السمو السيد الدكتور فهد بن الجلندى آل سعيد رئيس جامعة السلطان قابوس، حيث حلق الحضور عبر فضاءات العالم الافتراضي لمتابعة جلسات المؤتمر، وألقى معالي الدكتور عبدالله بن ناصر الحراصي وزير الإعلام كلمة الافتتاح التي قال فيها:
«إن وسائل التعبير المفتوحة التي وفّرتها التقنية الحديثة قد أثرَت تعدد الأصوات في المجتمعات، ومن بينها مجتمعاتنا، ووفّرت آلياتٍ أسرع لتبادل الآراء والتحاورِ حولها، غير أن هذا لا يعني تضعضع قوّة الأدوات الإعلامية الكلاسيكيّة وتأثيرها، وهذا ما شهدناه هنا في سلطنة عُمان، فقد أكدت الدراسات والاستقصاءات الإحصائية، ومنها دراسات أجريت وبمناهج موضوعية في جامعة السلطان قابوس والمركز الوطني للإحصاء والمعلومات، على قوة التلفزيون في سلطنة عمان وقدرته الهائلة على التأثير على المجتمع، بل أنه يأتي على رأس الأدوات الإعلامية من ناحية الموثوقية والتأثير، وهو ما يعني أن كثرة المنصّات وتعددها وما يشوب ما يُطرح في بعضها من أخبارٍ غير موثّقة وإشاعاتٍ زائفةٍ قد قادت إلى تشبّثٍ أكبرَ بموثوقيّة التلفزيون، بل أن الدعوات إلى تطوير الأدوات الإعلاميّة التقليدية هي تعبيرٌ آخر على ثقةِ المجتمعات بها وبأهميّتها المعاصرة.
وأضاف: «وانطلاقًا من الخبرة نقول كذلك بأننا أحوج، ونحن في معرض الحديث عن التربية والإعلام، إلى أن تقوم التربية بشتّى أدواتها، التي لا تقتصر على دور العلم كالمدارس والجامعات، بل تشمل كلَّ المؤسسات الاجتماعيّة كالأسرة ومؤسسات المجتمع الأهلي والمدني، بغرسِ القيمِ والمفاهيمِ التي تشكّل مجتمعةً أرضيةً لازمةً لاستقرار المجتمعات وتقدّمها، ومشاركتها بقية المجتمعات في العالم في التقدم البشري، ويأتي على رأس هذه القيم والمفاهيم الولاء للوطن والشعور بالمسؤوليةِ تجاهه وبذل الجهد والغالي والنفيسِ لأجله والعملُ لما ينفعه لا ما يضره، والتعلّم والمثابرة والصدق والإخلاص في أداءِ العمل، والمساهمة بعصارةِ العقولِ والتقنيّة لما يخفّف آلام البشرية، خصوصًا من الأوبئة كما علمتنا تجربة جائحة كورونا التي وحدت البشرية في أيامنا هذه».
وبيّن: «أن الإنسان مرّ بتطوراتٍ عديدةٍ طوال تاريخه، كما أن طبيعةَ التقدّمِ العلمي في علومٍ مثل التقنيةِ والهندسةِ الوراثيةِ قد طرقت أبوابًا جديدةً لم تُطرق من قبل، وأثارت أسئلةً أخلاقية وفلسفيّة لم تشغلَ عقلَ الإنسانِ قبل اليوم، وفتحت آفاقًا واحتمالاتٍ لا يحدُّها حدٌّ حول مستقبل الإنسان، لكن الإنسان يظلّ مع هذا وذاك هو الإنسان: الإنسان الذي يحب وطنه. الإنسان الذي يرغب في تأمين قوت أسرته وتنشئة أبنائه خير تنشئة. الإنسان الذي يسأل ويسعى ويسبر المجهولَ فكرًا وتجربةً، بحثًا عن الإجابات وسعيًا وراء الاستكشافات والاختراعات.
إن علينا ونحن ندرس آفاق العلوم والتكنولوجيا أن لا نتجاوز هذه الحقيقة. كما أن من واجبِنا كذلك، حتى ونحن نتطرق لمختلف النظريات، بما فيها على سبيل المثال النظريات النقدية في تاريخ الأفكار وتحليل الخطابِ مثلًا، أن لا نتجاهل أن على التعليم أن يغرس القيم النبيلة البناءةَ، كتلك التي ذكرناها فيما تقدم، خصوصًا في أوطاننا التي هي أحوج ما تكون لكل قدرةٍ ولكل مهارةٍ ولكل بذرةِ إبداعٍ ولكل جهدٍ في مختلف الميادين، وبما يمكننا من أن نساهم مساهمةً فعّالةً في تقدمِ البشريةِ من خلال العلم والمعرفة والإنتاج المفيد».
موضحا أن «العناصر الحضارية للأمم والشعوبِ هي بطبيعة الحال أكثرَ من أيقوناتٍ ترويجيّة لأطعمةٍ أو أزياء أو عناصر أخرى مرتبطةٍ بأمةٍ أو شعبٍ بل هي تلك الرواسي الحضاريّة التي شكّلت تلك الأمة أو الشعب، وضمنت استقرار هويّتها طوال التاريخ ودفعتها للإنجاز التاريخي، وفي سياقنا العُماني فإن التاريخَ والإرثَ الثقافي من فنونٍ وآدابٍ ومعارف شتّى وتراثَنا الملموسَ وغيرَ الملموس هي العناصرُ التي شكّلت هويّتَنا الحضاريّةَ تاريخيًّا، وهي التي تحمي هذه الهويّة من الذوبانِ والانصهارِ. إن ما ندعو إليه هنا هو ترسيخُ الصلابةِ والالتزامِ والترقّي الحضاري، وهذا الترسيخ من خلال التربية الإعلاميّة والتربية والتعليم عمومًا كفيلٌ بحماية أجيالِنا من مداهمة الإعلام غير النافعِ ووسائلَه المتقدمةَ لهويّتِهم وصلابتِهم الحضاريةِ».
وشمل المؤتمر في جلساته الافتتاحية لليوم الأول عددا من المحاور قدمها باحثون ومتخصصون في مختلف مجالات الإعلام، حيث جاءت الجلسة الأولى بعنوان (مقاربات فلسفية للعلاقة بين التربية والإعلام) أدارها الدكتور حسني نصر، وقدم الدكتور نبهان الحراصي عميد كلية الآداب والعلوم الاجتماعية كلمة افتتاح الجلسة الأولى مشيرا إلى أنه من يرى حقيقة المؤتمر يدرك أهمية المحفل الدولي العلمي. بدأت الجلسة بورقة الدكتور سامي عبد الرؤوف طايع حيث قال: «من حق أي مواطن أن يصل إلى المعلومات التي يرغب فيها، وحق المواطنين في الحصول على المعلومات وطلبها، والمعلومات ما هي إلا إعلام، حيث إن مصدر المعلومات بطبيعة الحال هي من وسائل الإعلام، كما أن الإعلاميين لابد أن يرتبطوا بمواثيق الشرف المهنية، والتنشئة المهنية تتمثل في عمل الإعلامي في أي وسيلة من وسائل الإعلام». وأشار الدكتور سامي إلى تجربته الشخصية في التربية الإعلامية حيث قال: «على مدار الـ 30 سنة بدعم من اليونسكو قمنا بتدريب الإعلاميين، ونوضح أن هناك حقا للمواطن للحصول على المعلومة ورغم أن ثمار تلك التدريبات لم تأت بأي نتيجة، لهذا قمنا بالانتقال إلى المواطن من خلال «التربية الإعلامية» والتي تمارس من مطلع القرن العشرين بعد ظهور السينما، وقمنا بعمل توعية للأفراد من خلال توضيح الفارق بين الخيال والواقعية».
وتحدث طايع عن الثقافة الإعلامية: والفرق بين التربية الإعلامية والثقافة الإعلامية، والثقافة الإعلامية المعلوماتية، مركزا على موضوع تدريب معلمين وهم من فئة الشباب كونهم عرضة لما تقدمه وسائل الإعلام.
وأضاف: «مع ظهور كورونا واجهت وسائل الإعلام الإلكتروني العديد من مشاكل الشائعات والأخبار المضللة، ولهذا نحتاج للعيش في العالم الرقمي لما يسمى بالتربية الإعلامية وهي كرخصة للعيش في هذا العالم المليء بالأخبار المضللة، وتشير التربية الإعلامية إلى بعض المهارات التي يجب على الأفراد أن يمتلكوها للتعامل والتواصل مع وسائل الإعلام، والثقافة الإعلامية تشمل العديد من المجالات ثقافة إخبارية وتلفزيونية وإعلانية وسينمائية وثقافة متعلقة بالألعاب وغيرها من المجالات، وأصبحنا نعيش في مجتمع افتراضي والرخصة ما هي إلا الثقافة الإعلامية والمعلوماتية وهي ضرورية للعملية التعليمية».
وقدم الدكتور عبدالكريم حيزاوي ورقته خلال الجلسة التي حملت عنوان «: التربية الإعلامية من منظور أكاديمي عربي، التجربة التونسية نموذجا»، حيث قال: ان التربية الإعلامية لها تسميات عديدة حسب البلدان، ونقول: تاريخيا ان هذا المصطلح نشأ في المجتمعات التي لها عادات واستحدثت مفهوم «التربية على وسائل الإعلام» ثم تناولت أليكسو في ندوتها الأولى وأوصت باعتماد مصطلح التربية الإعلامية، وانتجت اليونسكو منهجا للمعلمين لتدريس «التربية الإعلامية». وأضاف حيزاوي: «مكونات الإعلام: التحكم في المعلومات والتعامل مع وسائل الإعلام وفهم وسائل الإعلام، ولا يوجد تاريخ حقيقي واضح لنشأة التربية الإعلامية، ولكن نتحدث عن التربية الإعلامية الحديثة التي كانت تعتبر في بدايته مركزة على تقييم الإعلام الجماهيري ونقده، حاملة ما يسمى بالثقافة الإعلامية، وهي نوع أدنى من الثقافة الأصلية وتعتبر الثقافة الأصلية هي التي تحمل جذور المجتمع، والثقافة الإعلامية تسعى لإنتاج نفس النماذج، وهي تقضي وتحيل على التجانس وهي نمطية». وأشار الدكتور عبدالكريم إلى أن الجمهور يفعل ما يشاء بالرسائل الإعلامية التي يتلقاها، كما أن هناك صعوبة في وضع برامج تكوين للصحفيين في جميع المعاهد والجامعات، ومن التوصيات التي نأمل أن نرفعها في ختام هذا المؤتمر هو تثبيت التربية الإعلامية في التدريس وفي كل المجالات». واستفتحت الدكتور مي العبدالله ورقتها بالحديث التربية الإعلامية حيث قالت: «نحن في زمن في أوج الحاجة للتحدث عن التربية الإعلامية»، وتطرقت للحديث حول فلسفة الاتصال التي تذهب إلى قضايا أعمق، لا سيما مع وجود وسائل اتصال وتواصل عديدة، وقالت: «توجد علاقة قوية بين الفلسفة والتربية، حيث قال سقراط ان الفلسفة والتربية يشكلان مظهرين يختلفان عن بعضهما لموضوع واحد، حيث يشكل أحدهما الفلسفة الخاصة بالحياة، والآخر فيوضح أسلوب تطبيق الفلسفة ضمن شؤون وأحوال الحياة»، وأضافت: «تمثل الفلسفة المجهود المفسر للقضايا النظرية والفكرية بينما تمثل التربية البيئية العلمية التي تترجم القضايا إلى عدة مهارات وعادات واتجاهات». وركزت العبدالله في ورقتها على أهداف التربية الإعلامية، حيث قالت: «تهدف التربية إلى استخدام وسائل الإعلام والاتصال إلى المساهمة في تطوير المواطنة، وبالتالي تحرير الأفراد ورفع مستواهم من أجل جعلهم أكثر استقلالية ومسؤولية ونقدا وتوحيدا».
وأشارت إلى أن الأهداف تؤدي إلى التفكير النقدي وليس المعرفة التي يمتلكها المرء مدى الحياة، ومن الممكن صقل إمكانات المرء وممارستها في الموقف والسياق، ويمكن اتخاذ أفعال مسؤولة أو إظهار التضامن أو إظهار الاستقلالية.
وركزت الدكتورة مي في حديثها على مفهوم «التربية الإعلامية» و«الأمية الإعلامية»، وقالت: «لا تركز تعريفات التربية الإعلامية على ممارسة التدريس نفسها وما يميزها، بل على أهدافها المرتبطة بتنمية التفكير النقدي وإضفاء الطابع الديمقراطي على المجتمع، فيما تتضمن معظم مناهج محو الأمية الإعلامية الاعتبارات الاجتماعية والسياسية».
واختتمت الجلسة الأولى من المؤتمر بورقة الدكتورة فاتن بن لاغة التي حملت عنوان: «إشكالية العلاقة بين الإعلام والتربية بين تجاذبات التنافس وضرورات التكامل»، حيث تناولت عددا من المحاور المهمة في ورقتها أبرزها: التربية الإعلامية: منطلقاتها وتطورها، متحدثة حول الأطر المفاهيمية للتربية الإعلامية على الصعيد الدولي، وإشكاليات المصطلحات.
فيما جاء المحور الثاني للورقة ليطرح قضية «إشكاليات العلاقة بين الإعلام والتربية»، حديثا عن إشكاليات منظومة الإعلام، وإشكاليات منظومة التربية والتعليم، والمحور الثالث والأخيرة في الورقة تحدثت الدكتورة حول آفاق التكامل بين التربية والإعلام في ظل تحديات البيئة الإعلامية.
وجاءت الجلسة الثانية من المؤتمر باللغة الإنجليزية حيث حملت عنوان «Media Education in a Changing Environment”، والجلسة الثالثة بعنوان «التربية الإعلامية من منظور وظيفي فلسفي»، أما الجلسة الثالثة فهي بعنوان « العلاقة الجدلية بين التربية والإعلام».
تجدر الإشارة إلى أن المؤتمر يقدم اليوم 6 جلسات عمل، وفي يوم الختام غدا 7 جلسات عمل.