كتابات عُمانية مُبكّرة «16»: عُمان في صحافة الكويت القديمة.. مجلتا «الرائد» و«البعثة» 1952

ما الذي دار بين عبدالله الطائي ومحمد الفيتوري حول أدب البحرين؟

تشيرُ الدراسات المؤرخة لتاريخ الصحافة في الكويت إلى اعتبارها -تجوزًا- من الدول التي ظهرت فيها الصحافة مبكرا وإن كنا لا نَعُدّها رائدة بالمقارنة بالمنجز الصحفي العُماني المهاجر الذي أثبتت الدراسات أسبقيته التاريخية وبسبقه الزمني، ومِن ثَمّ ريادته الثقافية على مستوى الخليج، ومع ذلك نسلّم بالدور الحيوي الذي بثته الصَّحافة الكويتية في الثقافة العربية منذ طلائعها الأولى ممثلة في (مجلة الكويت) لصاحبها عبد العزيز الرشيد 1928، و«ما جاء بعدها من مجلات – كما يقول بعض الكتاب – مثل مجلة (كاظمة) ومجلة (البعثة) وهي مجلة شهرية ثقافية أصدرت في عام 1951م، و(اليقظة) وهي مجلة طلابية صدرت في عام 1952م ومجلة (الرائد) وهي مجلة شهرية أيضا اهتمت بمعالجة الأوضاع الاجتماعية، وصدرت عن نادي المعلمين، عام 1952م واستمرت حتى 1954م، فضلا عن (الإيمان)‍ وهي مجلة شهرية اهتمت بالشؤون السياسية والاجتماعية، وقد أصدرها النادي الثقافي القومي عام 1953م واستمرت حتى عام 1955م، ومجلة (الإرشاد) التي أصدرتها جمعية الإرشاد الإسلامية عام 1953م. وجريدة (الكويت اليوم) وهي جريدة أسبوعية، وكانت هي الجريدة الرسمية للكويت، وقد صدرت في عام 1954م وما زالت تصدر حتى الآن، ومجلة (الرائد الأسبوعية) وهي مجلة أسبوعية جامعة، أصدرها نادي المعلمين عام 1954م وتوقفت في عام 1956م. ومجلة (العربي) المعروفة وهي مجلة شهرية عامة صدرت عام 1958م ولا تزال تصدر حتى الآن وغيرها من أسماء الصحف والمجلات الأخرى «. (من مقال نشر إلكترونيًا دون ذكر كاتبه)
وفي هذا الفيض من المجلات والصحف كانت الرغبة طموحة نحو طرق ثقافة الأمة العربية والبحث عن مقدراتها وتأكيد دورها في صناعة التاريخ الحضاري إضافة إلى مدّ جذوره في صفحات التاريخ الإنساني قاطبة دون إيلاءٍ أيديولوجي للسياق الوطني، فقد كان الهمُّ العربي غاية ومبتغى وبالتأكيد كان طافحًا في الآفاق يسعى إلى تحقيق الوحدة، ويتوق إلى نصرة قضايا الأمة العربية وانتشالها مما ران عليها من آثار قبضة المستعمر الدخيل الذي حدَّ من حرية إنسانها وحوّله إلى استعبادٍ فكري طال الكيان والفكر والهوية والإنسان.
ومن هذا المنطلق لم تكن عُمان كيانًا حضاريًّا وثقافة بمعزلٍ عن هذه المجلات والصحف الكويتية الصادرة في أواخر الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، فقد جسّدتها وكتبت عنها وحضرت في صفحاتها بمقالات وإبداعاتٍ تمثل – في تقديرنا- كتاباتٍ عُمانية مبكرة بأقلامٍ عربية (خليجية)، ورغم أنها قليلةُ العدد ومحصورةُ الفكرة، وفيها بعض هنات الكتابة الأولى إلا أن قيمتها تكمنُ في تلك الالتفاتة التاريخية المبكرة التي وجهتها تلك الأقلام الشقيقة إلى عُمان في ذلك الزمن المفصلي من تاريخ الثقافة العربية الذي عزّت فيه مثل هذه الالتفاتات، وهي فترة تقترنُ بنشوء الخطابات، وتَكَوّن الآراء التنويرية تجاه الأقطار العربية الأكثر خصوبة وعراقة ونضالا، وكانت عُمان – بتاريخها التليد وحضارتها العريقة- غير بعيدة عن ذلك، ولا خافية عن توجهات تلك المجلات المهمة، لهذا نظرت إليها هذه المجلات -أسوة بنظائرها العربيات- نظرة استشراف وقدّمتها بروح قومية صرفة همّها التعريف بعُمان والتعاطف مع قضيتها السياسية وما وقع فيها من تجاذبات وصراعات قبلية وسياسية، انطلاقا من مكونات العروبة ووحدة الدم والتاريخ واللغة والأرومة وحراك الإنسان ونضاله ضد المستعمر، الذي أفسد علائقها فغارت في أعماق الغياب، وآلت إلى حالة من التبعثر والبعد والتشظي والعزلة، فالهمُّ القومي كان منطلقًا ودافعًا للكتابة والفعل الثقافي، إضافة إلى أن هذه المجلات الوليدة كانت تستهويها معالم الاكتشاف وارتياد الآفاق، ولعلها تتحقق شأفتها في هذا الجانب الأثيري المحبب؛ إذ كانت في تلك البقعة بمنأى جغرافي يتطلب الوصول إليه جهدًا لا يخلو من مخاطرة الأسفار ومغامرة الترحال عبر محطات الصحراء ومتاهات الإبحار وارتياد الآفاق.
من جانبٍ آخر كانت هذه الغاية المعادل الموضوعيّ المحقق لمطلب النضال القومي والموازي لمطلب صوت السلاح ورفع رايات الأمة العربية عالية خفاقة، لهذا حضرت عُمان ومثيلاتها العربيات بروح عربية وثابة وبصوت إعلامي صارخ مستنهض عبر أعمدة وتحقيقات ومقالات وكُتاب مستنيرين ونقاد حاذقين وشعراء غايتهم بعث مقدرات الأمة العربية الثقافية واستنطاق آدابها وثقافتها وتاريخها وشخصياتها، ويمكن الوقوف على شيء من ذلك فيما قدّمته المجلات الآتية:-

ثالثًا: مجلة «الرائد»:

وهي مجلة شهرية ثقافية صدرت عن لجنة الصحافة والنشر بنادي المعلمين الكويتي في شهر مارس من عام 1952م بجهود من محرريها الأدباء حمد الرجيب وفهد الدويري وأحمد العدواني، ورفعت هذه المجلة شعارا تقديميا يستوحي فكرة الإيمان بالإنسان، والسعي إلى رفعته وتقدّمه وسعادته، ومعارضة خطى الرجعية والجمود في عقله، وقد كان حظُّ الكتابات العُمانية في هذه المجلة قصيدة قومية و «حوار سياسي»، فالقصيدة التي بلغت أبياتها تسعة عشر بيتا بعنوان «عُمان»، وقد نُشرت في الصفحة 47 من العدد الأول، وهي للشاعر صقر بن سلطان القاسمي، وطالعها يقول: (البسيط)
دَعهُ يَرتاحُ ساعةً من سُباتِه
فهو واهي الفؤادِ مِنْ ذكرياته.
القصيدةُ وجدانية ذات نفسٍ ثوري ملتهب يبث فيه الشاعر هواجسه عبر أبيات استنهاضية وتأسٍّ نفسي عميق يسقطه الشاعر على واقعه المليء بالمعوقات والمثبطات يبينها مقطعها القائل:-
يا خَدِينَ الطُّهْرِ السَّماوي عفوًا
إن قعدنا فالعجزُ عزلٌ لذاته
علمَ اللهُ ما رضينا ولكنْ
أين منَّا مَنْ نحتمي بقناته
والشقاقُ المعتوه يلعبُ فينا
كالدَّوالي والسمِّ في نفثاته.
أمّا الحوار، فهو حوارٌ سياسي / اجتماعي نُشِر في باب «حديث الرائد» المضمن العدد الرابع الصادر في نوفمبر من عام 1953 في الصفحة 403 من المجلد، وخصص مع الشيخ سليمان بن حمير النبهاني الذي أطلقت عليه المجلة لقب «سمو أمير الجبل الأخضر»، وجاء إثر زيارته الرسمية لدولة الكويت، ولقائه بأميرها الشيخ عبدالله السالم الصباح، وتلخص «الرائد» موضوع اللقاء الذي بدت فيه إجابات الشيخ سليمان مقتضبة مختصرة لا تشي بأية معلومات تفصيلية مكثفة، كما أن حسَّه السياسي بدا خافتًا لا ينمّ عن شخصية رسمية تضطلع بدور دبلوماسي/ سياسي في ذلك الوقت الفارق من الحياة العُمانية، فقد تحدَّث «عن شؤون الجبل الأخضر وعن أثر الحضارة الحديثة فيه بإيجاز في وقت كان يتطلب التفصيل، وركز في حديثه ص404 على أن الجبل الأخضر «بلادٌ زاخرةٌ بالمعادن والبترول، ولكن حرصه على سلامتها قد منع من إعطاء الأجانب حق استغلالها، وأنه يرجو استغلال هذه المعادن على أيدي عربية تفيدُ منها الوطن العربي».
كما تحدث – في الصفحة نفسها – عن العادات والتقاليد العريقة مؤكدا أصولها وعراقتها لعربية، وأنه إذا جاء ضيف لأمير وهو مع حاشيته يقوم الأمير والحاشية لاستقباله، ولا يجلسون حتى يجلس الضيف ويأخذ مكانه من المجلس ثم يأمرهم بالجلوس، وإذا كان لدى هذا الضيف مشكلة ويريد أن ينفرد بالأمير يخرجان معا من المجلس لحل المشكلة أو التحدث بها على انفراد، ويعرج في هذا الحوار إلى الجبل الأخضر، فيصف سكُّانه وصادراته من الرُّمان والحنطة والقطن والثوم والفواكه والنباتات العطرية وخاصة الورد، وينهي حديثه بإضفاء آيات الشكر على الكويت حكومة وشعبا على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة.
ثانيًا: مجلة (البعثة) وما دار بين الطائي والفيتوري في صفحاتها:
يمكن اعتبار ما نشره الأديب الطائي في مجلة البعثة واحدًا من مظاهر الكتابة العُمانية المميزة في مجال النقد والسجال الثقافي، وقبل أن نفصّل ما دار بينه وبين الشاعر العربي المعروف « محمد مفتاح الفيتوري ( 1936 – 2015) من تجاذبات فكرية حول أدب البحرين نشير إلى أن الطائي كتب هذه المداخلة إبان إقامته في البحرين وعمله فيها (1951 – 1959) مدرّسًا وموظفًا وصحفيًّا، كما نفيد بأن مجلة (البعثة) صدرت في بدايتها كنشرة ثقافية شهرية أصدرها بيت الكويت بمصر الذي تأسس سنة 1945م، وصدرت منه هذه المجلة الطلابية من عام 1946م بجهود قام بها الأستاذ عبدالعزيز حسين، والأديب عبدالله زكريا الأنصاري، ويبدو توجهها الإخباري الذي لا يخرج عن التعريف بأنشطة الطلبة المبتعثين في ذلك الوقت ورصد حراكهم الثقافي بغية دفعهم إلى الإحاطة الثقافية والتنوير العلمي، وتغطية النشاط، ونتيجة لطبيعتها هذه لم تعن هذه المجلة كثيرا بالأخبار العربية لهذا لم تحضر فيها أية كتابات عمانية عدا مقال يتيم نشرته في العدد السادس الصادر في أغسطس من عام 1954 م نقلا عن مجلة «صوت الشرق» وهو للأستاذ عبدالله الطائي الذي كان وقتها مقيمًا في البحرين ويكتب في صحافتها.
والمقال عبارة عن مداخلة وتعقيب ورد على عمود نشرته «البعثة» للشاعر المعروف محمد مفتاح الفيتوري، ويحظى بأهمية كبيرة في تقديرنا كونه يمثل أول مساجلة فكرية بين علمين أحدهما أخذ مكانته الشعرية عربيًّا، والآخر استوحى المكانة ذاتها من خلال ما ينشره في مجلات الخليج من مقالات وقصائد وروايات ملتهبة، يقول الطائي – محتجًا على ما نشره الفيتوري في مجلة العالم العربي، ويرى أن عليه أن ينشئ مقالًا من بنات أفكاره وليس اعتمادًا على ما نشر في مجلة «العالم العربي»: « كان مقال الأستاذ الشاعر محمد الفيتوري (أدباء البحرين تحت الأضواء) رائعا يستحق الإعجاب لولا أن الشاعر الحُرَّ قد أطلق عنان قلمه حتى غمط حق الغير باعتباره الباني الأول لدراسة النهضة الأدبية بالبحرين، ولو أتانا بالجديد في ذلك لما وقع في اتهام السطو، أو على الأقل لو اعتمد على آرائه خاصة » ص 589.
ثم يُفصّل اتهامه الصريح للفيتوري بالسطو قائلا: «إن مقالَ الكاتب الحر يعتمد اعتمادًا أساسيًّا على مقال نُشِر في مجلة البعثة الكويتية الصادرة بالقاهرة في عددها الخاص بالبحرين، وتناول فيه كاتبه المعطيات الآتية:
1- إجحافه بحق بعض مؤسسي اليقظة الفكرية والأدبية في البحرين، فلم يذكر اسم الشاعر علي السيّار ضمن قائمة من قامت عليهم هذه اليقظة، وقصر حديثه على أحمد العمران وإبراهيم العريّض، وعبدالرحمن المعاودة، وعلي التاجر، ويوسف العمران، وأنه أضاف إليهم الشاعر أحمد الخليفة، ولم يكن قد بلغ – في ذلك الوقت – مكانته المرموقة بعد».
2- قيامه بنقل ما جاء في المقال المنشور في مجلة «البعثة » دون توثيق أو إشارة معتبرة، فبدا مقاله كأنه من بُناة أفكاره، والحقيقة أنه منتحل، وفي ذلك يقول الطائي مُصَرِّحا: « والأمر المؤسف في تصرّف الفيتوري أنه أخذ حتى نظرات كاتب المقال دون أن يذكر على الأقل أنه استعان به كمصدر من المصادر، ومثال ذلك ما وصف به العريّض والزائد وأحمد العمران.
3- إلصاقه لبعض أدباء البحرين صفاتٍ خارجة عن توجهاتهم ومشاغلهم بل لا تنسجمُ مع طبيعة اهتماماتهم، والطائي يَحتجُّ على ذلك، مشيرا إلى أن تلك الصفات رغم كونها محدودة، ولا تتوفر فيها خاصية الدقة، فإن الفيتوري نقلها نقلا صريحا غير موثق مما نشر في مجلة البعثة، ومما قاله: «إن عبدالله الزائد يعدّ رائد النهضة الفكرية في البحرين، والعريّض دوى صدى مؤلفاته في أرجاء العالم العربي، وأحمد العمران لم يستغل مواهبه أحسن استغلال، وإن على التاجر اختص بالترجمة » ويردف الطائي في تعليقه على النقطة الأخيرة التي يرى أنه نقلها من كاتب البعثة دون تمحيص قائلا: «فليأتنا الأستاذ الفيتوري بدليل إذا أنكرنا عليه أن التاجر ليست له هذه الميزة وما الذي يمنعه من كتابتها» ص 590.
وينهي الطائي مقاله الجدلي (المهم) مُدَافعًا عن نهضة البحرين الأدبية مُقَرّعًا الفيتوري مُفندًا ما كتبه بالبرهان والدليل ويقول: « وعلى كلٍّ، فليت الأستاذ الفيتوري قد بذل قليلًا من الجهد، بالإضافة إلى ما بذله من جهد الكتابة، فأظهر لنا جديدا من يقظة البحرين الأدبية، وبذلك يكون قد وضعها تحت أضواء بحثه حقا لا أن يكتفي باستعارة مصابيح الغير، ويسجّل حتى آراءهم الخاصة في كلّ أديب!.. وأنا لا أطلب من صاحب «العالم العربي، ومن القراء الكرام إلا أن يتناولوا العدد الخاص بالبحرين من مجلة «البعثة» من دار بعثات الكويت بالدقي بالقاهرة ويقارنوا بين المقالين، وعند ذلك يتضح أن الفيتوري لم يكن باحثا أصيلا، ولا كاتبًا مقتبسًا.. أكتب لكم ذلك مع تقديري للشاعر الفيتوري واحترامي لمواهبه التي نرجو أن نرى ثمارها الناضجة متتابعة.. « ص 590.
إنَّ مقال الطائي يُعدُّ من حيث قيمته التاريخية وطرقه لهذا الموضوع الجدلي الملتبس من أوائل المقالات النقدية لكاتب عُماني، وهي أولوية تؤكد ريادة الطائي للمجالات الأدبية فقد عرفناه شاعرًا مجددًا، وكاتبًا مقاليًا مكثرًا، ومبدع نصوص رواية تاريخية مميزا، وقد تجلت في روايته «ملائكة الجبل الأخضر» و«الشراع الكبير» كما عرفناه كاتب قصة قصيرة تجلت في قصصه الثمان منها «أسف» و«مأساة صبحية»، وأيضا كاتب مسرحية وَضُحَتْ في نصيّه « بشرى لعبد الملك » و«جابر عثرات الكرام»، وهو في هذه الأجناس سجَّل سبقًا عُمانيًا يحسب له، ويسجل باسمه في تاريخ الثقافة العُمانية المعاصرة، وهو إذ يضيف في مقاله النقدي هذا يتبوأ المكانة الريادية نفسها؛ إذ لم يعرف الأدب العُماني قبله خطابا نقديا مكرَّسا لمناقشة الأدباء والمفكرين عبر الصحافة، وتلك قيمة مضافة لشخصيته الأدبية التي أنتجت دراسات تاريخية وأدبية من مثل «الأدب المعاصر في الخليج العربي» و«شعراء معاصرون» و«مواقف» و«تاريخ عُمان السياسي»، ونحن لا نعجب أن نرى مثل هذا السجال الأدبي ومقارعة الكتاب الكبار متجليًّا في هذا المقال، فالطائي سبقه برسائل أدبية أخرى نشرها في مجلة الرسالة ووجهها إلى الأديب الكبير «زكي مبارك » في أربعينيات القرن العشرين، وناقشه في عدم التفاتته إلى الأدب العُماني، وعرض عليه فكرة الكتابة عنه كونه أحد الآداب المجهولة على القارئ العربي آنذاك، وتلك سمة وطنية عرفت في الطائي وتكرست في مجمل كتاباته وقصائده الملتهبة التي حواها ديوانيه «الفجر الزاحف» و«وداعًا أيَّها الليل الطويل».
وأخيرا يمكن القول: إن الصحف الكويتية أرست دعائم التواصل مع عُمان في وقت استثنائي ولم تتنصل من دورها القومي الذي اضطلعت به منذ طلائعها المبكرة، بل كانت كما يقول الدكتور محمد منسي قنديل عنها في مقاله المنشور إلكترونيًّا: «علامة واضحة على تفتّح الوعي، بالتوازي مع بناء مؤسسات الدولة. وربما كان هذا هو السر الذي حافظ على حيوية هذه الصحافة حتى هذه اللحظة، فهي لم تنشأ وسط مؤسسات عتيقة، ولم تواجه بقوانين مستمدة من أيام القمع العثماني كما حدث في العديد من الدول العربية الأخرى، ولكنها عايشت عملية التطور التاريخي التي شهدتها هذه المؤسسات، وكانت طرفًا في كلِّ معارك التحديث السياسي والاجتماعي.
يستوي هذا القول على مجمل المحاولات الرائدة التي قام بها روَّاد مصلحون وأدباء متفتحون، كان عبدالعزيز الرشيد أبرزهم، فقد كان أديبًا مصلحًا اجتماعيًا فذّا، وصاحب فكر قومي مستنير جعله يتخطى حدود الكويت الضيقة إلى عالم أوسع.». كانت عُمان في ذلك الوقت أحد بُقعه الجغرافية المستهدفة تحقيقًا للوحدة العربية وغاية الإصلاح والتنوير.