في الثمانينيات قرب التسعينيات

دونالد هول
ترجمة أحمد شافعي
عاش الشاعر الأمريكي دونالد هول (1928-2018) حياة طويلة وحافلة بالكتابة أصدر خلالها عشرات الدواوين والأعمال السيرية والنقدية في حياة خصصها كلها للإبداع الشعري. في السنوات العشرين الأخيرة من حياته، استعصت عليه كتابة الشعر، لكنه عثر على طريقة أخرى غير القصيدة يطلق بها الشعر الحبيس بداخله. في ما يلي ثلاثة نماذج للمقالات التي كتبها في سنواته الأخيرة وظهرت في كتابين له.

***
شيخوخة

تعرف أنك شخت حينما تعرف أنه مايو من ملاحظتك تفتح النرجس البري خارج شباكك. تعرف أنك شخت حينما يذكر شخص حدثا على بعد سنتين في المستقبل فيبدو عليه الحرج. تعرف أنك شخت حينما يسلِّم مكتب البريد رسائلك لمقعد في الصالة ومن المقعد نفسه يتسلَّم رسائلك المبعوثة. تعرف أنك شخت حينما تكتب رسائل.
في الثمانينيات من عمرك يصعب السير. وقرب التسعين ينهكك ارتداء قميص نومك.
تعرف أنك شخت حين لا ينبهك النادل إلى أنك تمسك قائمة الطعام بالمقلوب. تعرف أنك شخت حينما تستغرق كتابة مقالة تذكارية أربعا وثمانين مسودة. تعرف أنك شخت حينما يصعب عليك مضغ البطاطس المهروسة، أو حينما تخمن أن اليوم هو الأحد لأن البريد لم يحضر. وربما الكريسماس.
في الثمانينيات من عمرك تقضي قيلولتين. وقرب التسعينيات تتوقف عن عدِّ القيلولات. في الثمانينيات من عمرك لا تكثر من الأكل. وقرب التسعينيات تتذكر أن تأكل.
تعرف أنك شخت حينما يكتب إليك صديقك القديم ميلفين ـ وقد بلغ الخامسة والسبعين ـ كتابة غاضبة عن الشيخوخة. وفيما تعمل على إنهاء كتاب جديد، هو “مقالات بعد الثمانين”، تقول فيه إن ميلفن لا يعرف شيئا عن الشيخوخة: فميلفن بوسعه أن يصعد السلم! وميلفن يسافر بالطائرة إلى جزر الهند الغربية برفقة حبيبته وزوجته!
في الثمانينيات من عمرك تمسي خفيا. وقرب التسعينيات ترجو ألا يراك أحد. في التاسعة عشرة كان طولك تسعة أقدام وبوصتين. في الحادية والتسعين سوف يكون طولك قدمين وست بوصات.

***
في مديح الفقرات

حينما توقفت عن كتابة القصائد، سنة 2010 أو نحو ذلك، ارتحت. تقلصت الجودة بالتوازي مع التستوستيرون. كم قصيدة جيدة يكتبها البالغون من العمر ثمانين عاما؟ ورجوت أن يستمر النثر. وذات يوم جاءني في البريد خطاب من مطبعة صغيرة متخصصة في تصميم وإصدار الكتب البديعة في طبعات من خمسين نسخة بأسعار باهظة. أنجزت تلك المطبعة مجموعات صغيرة جميلة من قصائدي فضلا عن أروع عرض شاهدته في حياتي. كانوا يعرفون أنني في شيخوختي أجلس في مقعدي مطلا من شباكي على الأعمدة غير المطلية في سور حظيرة البقر. طلبوا مني أن أكتب مقالة عنوانها “من الشباك”، ليصدروها في كتاب أنيق صغير. اعتذرت قائلا إنني لا أقدر على ذلك.
في اليوم التالي بدأت أكتب “من الشباك”. استغرقت مني خمسين مسودة خلال ستة أشهر، ولما انتهيت، أردت للمقالة قراء، لا مقتنين. بعثت المخطوط إلى المطبعة الجيدة، وشكرتهم على الفكرة، وسألتهم إن كان بوسعي أن أعرض المقالة على مجلة. ونشرت في نيويوركر وجعلتني أبدأ كتابة “مقالات بعد الثمانين”.
في أغلب حياتي، كنت أجد في أول اليوم أنني في أفضل حال. في هذه الأيام أبدأ كتابة النثر فيكون ذلك أول ما أفعله في الصباح، مثلما كنت أفعل مع القصائد. بعد كتابتي “من الشباك” عملت على مزيد من المقالات بحماس وتركيز. اقتضى بعض المقالات ما يصل إلى ثمانين مسودة. في إعادة الكتابة، كنت أحول اسما وصفة إلى اسم أكثر تحديدا وخصوصية. كنت أحذف حالا، وأجرب عشرين حالا غيره، قبل أن أصل إلى الحال الدقيق الطريف. وظلت تتوافد أفكار جديدة. فـ”ثلاث لحى” قد تثير ذكريات ثلاث مظاهرات طلابية خلال حرب فييتنام، والحزن على موت جين ، والضحك ، ووصفات الأطعمة، والدموع، وشهوة الأرمل.
مضى نثري في الوجهة التي مضت فيها قصائدي بمرور السنين. في شبابي، كانت كلماتي ترتدي معاطف وقمصانا وسراويل، وربطات عنق، وأحذية مفصلة حسب الطلب. وعلى مدار حياتي ككاتب ظللت أنتزع الطبقة تلو الطبقة من الثياب طلبا للعري. لم أستبق من شيء إلا الانتقالات التي ربما نجحت مرة في صقل ملاحظات لتصل بها إلى مقال. في فقرة أو اثنتين، يجسد نثري انتصارا عابرا على الوهن. وفيما أكتب مقتربا من التسعينيات أفقد حيلي المألوفة. أحكي طرائف قصيرة، أخاطر بطرح رأي، أتكهن، أفترض، أتذكر. ولماذا يحكي تسعيني عن قول أي شيء؟

***
مقالات بعد الثمانين

بداية من الصف السابع كتبت أبيات شعر، شعر، شعر. وبعد كتابين شعريين أصدرت كتابي “خيط قصير لا يحتفظ به” عن أصياف الطفولة في مزرعة جديَّ في نيوهمشر. كتبت في فقرات، لا في أبيات، لأحكي قصص العائلة.
القصائد انفجارات صور من أعماق المخ، كلمات منكَّهة بخزين من حروف المد الطويلة. وفيما كنت أشيخ، متدهورا إلى السبعينيات من عمري، لامحا أمامي منحدرات الثمانينيات، مصطدما بالخامسة والثمانين، هجرني الشعر. وكيف لي أن أشكو بعد سبعين سنة من الاندغام؟ الصوت في القصائد حسِّي، بل هو جنسي. والعقلُ الخفيُّ يصب الاستعارات ـ وإن لم يفهم الشعراء في أول الأمر ماذا تقول ـ ففضي إلى كشف عاطفي. يقتضي الخيال وعذوبة اللسان من الشاعر الذكر اندفاقا للهرمونات. وحينما يتقلص التستوستيرون…
صدر آخر كتاب شعري لي. وفيما أكتب من خلال الفقرات، كنت أنظر من الشباك وأكتب ما أراه. كان الجليد يسقط، وبعدها ينجلي النرجس البري. نعمت بالفقرة والجملة، والتنقل بين السريع والبطيء، والصعود والسقوط ـ مرتجلا طريقي نحو الامتلاء النهائي.
أعظم لذَّات الكتابة هي إعادة الكتابة. مسوّداتي الأولى بائسة على الدوام. ففي أول الأمر يكون فعل شديد العمومية مثل “يتحرك” مبرَّرًا بـ”حال” بعده هو “سريعا”. وبعد ستين محاولة أصل إلى فعل معين، لعله ذكي، فأتخلى عن “الحال”. في الأصل كتبت أن “الشعر فجأة تركني” وبعد اثنتي عشرة مسودة أصبحت “هجرني الشعر” مع إضافة جملة أخرى اجتنابا للإشفاق على الذات. حين قال لي طبيبي إن عندي السكري، تشككت في ذلك. قلت “تقصد أنني مصاب بالسكري”. وبينما أكتب هذا الكتاب، غيَّرت الفعل للسخرية من وقاحتي. “شرحت له قائلا :بل تقصد أنني مصاب بالسكري’”.
تستغرق المراجعة وقتا، وهي عملية طويلة ولذيذة. بعض هذه المقالات اقتضى ثمانين مسودة، وبعضها استغرق مجرد ثلاثين. لقد كنت من قبل أسرع قليلا في كتابتي للنثر. لعلي اكتشفت كمًّا أكبر مما يجب التدقيق فيه. والأرجح أن السن أبطأ عثوري على الكلمة الصحيحة. وبسبب تكاثر المسودات بت متهما بالانضباط. والحقيقة أنني شخص مغرم بالملذات، وأجد في المراجعة لذة كبيرة.
عملت ذات مرة مع وليم شون ـ وهو محرر نيويوركر منذ 1952 إلى 1987، ومعروف عنه التشدد في تدقيق الجمل، والإصرار المهذب الشرس على الإصلاح. في البداية كنت أتلقى من المجلة مسودات النص مشفوعة باقتراحات أو طلبات بإجراء تغييرات، فقد تكون مائة في كل مسودة.
حينما كانت تصل صفحات النسخة المصححة، كان في كلٍّ منها أكثر من ثلاثين تدخلا. وقبل أسبوع من النشر، رن هاتفي في السادسة مساء “هل لديك وقت يا سيد هول لإلقاء نظرة على مقالتك؟ قد تستغرق سويعات قليلة”. “تفضل يا سيد شون”. “عندنا في الجملة الأولى فاصلة تسلسلية نفكر أننا قد نحذفها”.
فيما أعمل على العبارات والفواصل، فهمت أن الصوت والإيقاع لا علاقة لهما تقريبا بالمعنى، لكنهما يمضيان بالقارئ في رحلة جميلة. قد تكون الجمل طويلة، مؤلفة من ثلاث عبارات أو أكثر يرقصن معا، أو من عبارتين إحداهما مسنودة على الأخرى، أو عبارة مضافة مؤلفة من مقاطع صوتية قليلة. تتنوع الجمل والعبارات تنوع البشر. وإنني ليعجبني تأثير فقرة تمتد لثلاث صفحات ـ كما عند جون مكفي ـ ملصوقة بعضها إلى بعض بانتقالات لا تشعر مطلقا أنها انتقالات.
بعد فقرة من ثلاث صفحات، ربما تأتي مقولة في سطر.
ثمة مشكلات في الكتابة يمكن أن يتعلم المرء اجتنابها. على نحو شبه دائم، في قصائدي ومقالاتي، تطول النهاية أكثر مما ينبغي. “لو أنكم لم تفهموا مقصدي، فإليكم ما قلته للتو”. احذفها. دع الكلمات تنتهي كالبارق، ثم ابتعد من طريقها. في بعض الأحيان يقحم الكاتب نفسه بين القارئ والصفحة ـ فيقول أنا، ونفسي، ولي. لا تبدأْ فقرة بـ”أنا”. وبالمناسبة، لا تبدأ فقرةً بضمير. تجنب ضمير الملكية ما استطعت. وأنت تكتب سيرة، لا تقل “أتذكر أن شيئا لم يحدث لي في طفولتي”. وقل “في الطفولة لم يحدث شيء”.
ومع ذلك، لأكثر من سبعين سنة، أكتب عن نفسي، الأمر الذي يفضي إلى مشهد مألوف: أقابل شخصا، نثرثر، يثير شيء ما ذاكرتي، أبدأ في حكي نادرة، ويطرق الرأس المواجه لي ويعلو ويبتسم. هو رأس امرأة تعرف هذه القصة لأنني كتبتها أصلا، ربما ثلاث مرات.
تجنب الضمير الشخصي ما استطعت، لكن لا تتجنب الشخصي نفسه. لقد قال كتاب قصائدي الأولى “أنا” لكنها “أنا” بعيدة، متخشبة، شعرية. في أفضل قصائدي ونثري، أنحو باطراد إلى العري، لكنه العري الذي يتخفى بارتداء الثياب. إن الولع بالأسلوب ـ في اختيار الكلمة، وبناء الجمل، والترقيم، والترتيب، والإيقاع، والتحديد ـ لا يظهر فقط تأمل الكاتب للحظائر والزهور، بل ومشاعر الكاتب ومشاعره المضادة.
إن المقالات، مثل القصائد والقصص والروايات، قران بين الجنة والجحيم. فالتناقض هو البنية الخلوية للحياة. أحيانا يسيطر الشمال، وأحيانا الجنوب، لكن لو لم تحتوِ المقالة على متضادات، مهما بدت صغيرة، فهي مقالات فاشلة. عندما أطللت من الشباك مستمتعا بالعصافير، والجليد، وجبل كيرسارج، وزهور الليلك، والديكة الرومية كانت مقالتي غير مكتملة. اقتضت مقابلة، اقتضت شيئا كريها أو سخيفا. ومن حسن الحظ أني عثرت عليه. وعندما نشرت مقالتي “من الشباك” جاءتني مائة رسالة. وحاورني تيري جروس في برنامج “فريش آير” [بالإذاعة الوطنية]. وأبدى الجميع من الانتباه إلى حديث الأبله الطفولي قدر ما أبدوه بالمنظر الطبيعي. وشكرت حارس المتحف في الجاليري الوطني.