مرفأ قراءة.. «شاكر عبد الحميد» وتأصيل «البينية» في الثقافة العربية

إيهاب الملاح

– 1 –
رحيلٌ فاجع ومؤلم لأحد كبار نقادنا في العالم العربي، ورائد كبير وأصيل من رواد علم نفس الإبداع، ومؤسس حقيقي للدراسات الثقافية البينية الرصينة؛ هو المرحوم الدكتور شاكر عبد الحميد (1952-2021) الذي فارقنا مساء الخميس متأثرا بإصابته بفيروس كورونا اللعين.
وشاكر عبد الحميد الذي تولى حقيبة الثقافة المصرية في أواخر 2011، ناقد وأكاديمي وأستاذ بارز من أساتذة علم نفس الإبداع والنقد الثقافي في الجامعات المصرية والعربية، وأحد الأساتذة الكبار الذين لعبوا دورا بارزا في التأصيل لمدرسةٍ علمية خالصة في علم نفس الإبداع، كما أنه ناقد كبير ممن أسهموا بنصيب وافر في إثراء المشهد النقدي مصريا وعربيا بمقارباته للرواية والقصة والشعر والدراسات الجمالية، وجهوده التي لا تنكر ودراساته العديدة تشهد على رسوخ قدمه وإبداعه المتفرد في مجالات علم نفس الإبداع، والتذوق الفني، والنقد الأدبي، أو بالجملة “الدراسات البينية”، كما كان يفضل أن يطلق عليها.

– 2 –
ومن بين كل أسماء جيل السبعينيات، النقدي والأكاديمي، الذي انتمى إليه الدكتور شاكر (من مواليد 1952) يكاد ينفرد من بينهم بغزارةٍ لافتة في الإنتاج تأليفا وترجمة، ومتابعة لا تكل للإبداعات الجديدة في القصة والرواية والشعر؛ وقدرة مدهشة على العمل والإنجاز (الأكاديمي والعام) وترك لنا مكتبة حقيقية أصيلة يندر أن يقدمها شخص مفرد بذاته.
شاكر عبد الحميد ابن جيل الآلام والإحباطات العظيمة، اكتمل تكوينه النقدي وتأسيسه الثقافي في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وبدأ عطاؤه العلمي مبكرا عقب إنجازه لأطروحتيه العلميتين المرجعيتين (كانت رسالته عن الدكتوراه بعنوان «الأسس النفسية للإبداع الأدبي في القصة القصيرة خاصة» بإشراف عالم النفس المرموق الدكتور مصطفى سويف).
ولأنه أحد أنبغ تلاميذ المرحوم مصطفى سويف، هو والدكتور مصري حنورة، فقد تكونت مدرسة مصرية أصيلة في دراسات علم نفس الإبداع، غطت الرواية والمسرحية والقصة القصيرة والمسرحية الشعرية.. وكان من حظي أنني حاورته مرات حول هذا الإنجاز، وكان حواري الأول معه الذي نشر على صفحات جريدة (عمان) أول حوار يكشف تفاصيل وأسس هذه المدرسة العلمية المتميزة في تاريخنا الثقافي.
وراد شاكر عبد الحميد مدرسة أخرى في النقد الأدبي، متخذا من التحليل النفسي ومعطياته ومفاهيمه منهجا لمقاربة الأعمال الأدبية؛ فكانت دراسته للحلم والرمز والأسطورة، والجنون والغرابة والاضطراب النفسي مدخلا لتحليل النصوص الأدبية وتأويلها تأويلا نفسيا إذا جاز التعبير. وغطى منذ شبابه الباكر، وحتى رحيله المفجع، مساحات واسعة ومتنوعة من الإبداع الروائي والقصصي والشعري لأجيالٍ من المبدعين في مصر والعالم العربي، منذ بداياته وحتى وقتنا الراهن.
ولعله أيضا كان من النقاد القلائل الذين امتلكوا الذائقة الواعية المدربة والمعرفة الوافية التي تمكنهم من معالجة ظواهر وإبداعات الفنون البصرية الحديثة، والفنون التشكيلية وتحليلها بمهارة، وإبراز جمالياتها للقارئ العادي. كان مولعا بمدارس الفن التأثرية والانطباعية والرمزية التي سادت أوروبا وأمريكا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وكان يستعين بلوحات كبار الفنانين في تحليلاته النفسية للإبداع عموما، وفي نقد الأنواع والنصوص الأدبية أيضًا. وقبل وفاته نشر دراسة عميقة من جزءين عن الفنان التشكيلي المصري الحداثي عبد الهادي الجزار محللا أعماله، ومتوقفا بالخصوص عند لوحته الشهيرة بـ «المجنون الأخضر».
وكل هذا الجهد العظيم في التأليف لم ينفصل عن جهده في الترجمة التي قدم من خلالها للعربية، والثقافة العربية، مجموعة من أجل المراجع والأعمال شملت «العبقرية والإدراك والقيادة»، و«سيكولوجية فنون الأداء»، و«الدراسة النفسية للأدب»، و«الأسطورة والمعنى» لليفي شتراوس، و«قبعة فيرمير القرن السابع عشر وفجر العولمة».. وغيرها من الترجمات القيمة.

– 3 –
كان- رحمه الله- ممن يؤمنون يقينا بوحدة العلوم الإنسانية وتداخلها، وكان يؤكد مرارا أنه لم يعد لباحث أو ناقد في مجال العلوم الإنسانية أن يدعي أن مجال تخصصه الدقيق وحده كاف للإحاطة بظواهر هذا التخصص، فضلا على الثورة المنهجية في العلوم الإنسانية والطبيعية معًا التي أصبحت تفرض فرضًا ضرورة التداخل والإفادة المعرفية والمنهجية من العلوم الأخرى؛ فالنقص في ثقافة الباحثين في العلوم الإنسانية، ومن ضمنهم دارسو الأدب والنقد وعلم النفس والفلسفة والتاريخ والسياسة والنصوص بعامة ارتبط بالفهم الخاطئ لوظيفة هذه التخصصات، ما أوصلنا إلى ما أسميه الجزر المنعزلة في التخصصات العلمية الآن.

وعلى مدار أربعة عقود متصلة، كان عبد الحميد نموذجا أصيلا ورائدا حقيقيا من رواد الدراسات البينية في الثقافة العربية، شكلت أعماله ركنا مهما في الإنتاج الثقافي العربي المعاصر، اعتمدت هذه الرؤية «البينية» و«التداخل بين العلوم والمناهج والفلسفات» في دراسة ظواهرها المختلفة؛ وكان من محاورها الأصيلة فضلا على بحث الأسس النفسية للإبداع، البحث عن «ماهية الفن» و«التفضيل الجمالي» و«سيكولوجية التذوق الفني وآلياته»، فضلا عن تشابك العلاقة بينها وبين غيرها من الحقول المعرفية المتصلة بها والمتداخلة معها.
وعالج- رحمه الله- موضوعات فنية وجمالية ونفسية ونقدية، وأفرغ سنوات من جهده في درس الفنون المتنوعة في علاقاتها المتداخلة بموضوعات علم نفس الإبداع؛ بحث عن الأسس النفسية للإبداع الأدبي في القصة القصة القصيرة، وكتب عن العملية الإبداعية في التصوير، وتوقف عند إيجابيات وسلبيات ما سماه عصر الصورة، وحدد معطيات عبقرية إدراك الفنون البصرية..
ومن الجزء معرجا إلى الكل، كتب دراسته الضخمة عن «الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي»، ودرس الغرابة في الفن والأدب، كما درس ظواهر الفكاهة والضحك، والجنون والعبقرية والإدراك، وعلاقتهما بالأدب، والاضطراب النفسي وعلاقته بالإبداع والفن، وحلل ظاهرة التطرف والإرهاب من منظور نفسي، وكتب عن الحلم والرمز والأسطورة والمعنى، ودرس الموت في قصص بهاء طاهر، وغيرها من الكتب والدراسات المثيرة للإعجاب.
وحتى الكورونا التي كانت سببا في القضاء عليه نظَّر لها فلسفيا من منظور «بينيٍّ» ولتأثيراتها القادمة على البشرية والحضارة الإنسانية، معتبرا أن العالم ما قبل كورونا «شيء»، وما بعدها «شيء آخر تماما»، وسجل تلك الآراء والتحليلات في عددٍ من «المقالات/ الدراسات» المفصلة العميقة التي تشكل نواة لدراسة كبرى عنونها بـ «ما بعد الكورونيالية».

– 4 –
في إطار تركيزه على فكرة «البينية» و«التداخل بين العلوم والحقول المعرفية” المختلفة، تأتي دراساته المرجعية التي لا نظير لها في المكتبة العربية؛ «العملية الإبداعية في التصوير»، و«عصر الصورة ـ السلبيات والإيجابيات»، و«الفنون البصرية وعبقرية الإدراك»، و«الفكاهة والضحك ـ رؤية جديدة»، و«الفن وتطور الثقافة الإنسانية»، و«الفن والغرابة ـ مقدمة في تجليات الغريب في الفن والحياة»، و«الغرابة المفهوم وتجلياته في الأدب»، وغيرها من الكتب والمؤلفات الممتازة في هذه الدائرة.
ويعد كتاباه عن الغرابة في الفن والأدب حلقة بارزة من مشروع علمي، ضخم، متعدد الوجوه، يسعى فيه صاحبه إلى دراسة الفنون والظواهر الإبداعية؛ في ضوء ما يسرته المعرفة الحديثة من مناهج وآليات للقراءة والتحليل، ينطلق فيها كلها من التركيز على «الدراسات البينية» التي تهتم بالفنون والأنواع الأدبية المختلفة في تراكبها وتداخل مستوياتها المتعددة، وليس بالتركيز على فن بعينه بمعزل عن المجالات الإبداعية الأخرى أو من خلال منظور نقدي واحد.
يظهر هذا بوضوح في كتبه المرجعية بامتياز: «التفضيل الجمالي ـ سيكولوجية التذوق الفني»، و«الخيال ـ من الكهف إلى الواقع الافتراضي»، ثم في «الدراسة النفسية للأدب»، و«الأدب والجنون»، و«الدخان واللهب ـ الإبداع والاضطراب النفسي»، و«قبعة فيرمير القرن السابع عشر وفجر العولمة» (الذي حاز عنه جائزة الشيخ زايد العالمية للكتاب فرع الدراسات النقدية).
وفي الكتب السابقة كلها، يتبدى الاهتمام الكبير لصاحب المشروع الضخم في إيلاء آليات التذوق والتلقي الجمالي للفنون المختلفة، والأنواع الأدبية اهتماما كبيرًا، وفيها كلها اهتم بشكل خاص، على درجات متفاوتة، بآليات التذوق والتلقي الجمالي للإبداعات الأدائية والفنون الحديثة؛ مثل الموسيقى، والفنون التشكيلية، والمسرح، والسينما، والصورة الفوتوغرافية.. إلخ.

– 5 –
على المستوى الشخصي، فقدت أبا غاليا وصديقا عزيزا وداعما إنسانيا مخلصا وأستاذا جليلا لطالما شدّ من أزري في أوقات الضيق والمحنة (وما أكثرها في حياتنا) ولطالما منحني الثقة ودفعني بمحبة وحماس لتخطي العقبات وتجاوز التحديات، وكان من القلائل الذين لم يهتز إيمانهم لحظة بكاتب هذه السطور، ولا بخياراته الإنسانية والمهنية، ولا في ارتياده مجال البحث والكتابة منذ بداياته الوجلة المترددة وحتى اللحظة.. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.