10 مفاهيم خاطئة حول الأمراض النفسية ينبغي تصحيحها لتحقيق علاج آمن

منيرة الربخية أخصائية أولى بقسم الطب النفسي العام في مستشفى المسرة لـ «عمان» –
عدم الإدراك يفتح المجال لانتشار الشائعات حول الطب النفسي ويؤثر سلبيا على المرضى –

كتبت – نوال الصمصامية –

أوضحت الدكتورة منيرة بنت سيف الربخية أخصائية أولى بقسم الطب النفسي العام في مستشفى المسرة عشرة مفاهيم خاطئة وشائعة حول الاضطرابات النفسية في محاولة منها لتصحيحها، حيث تنتشر الكثير من المفاهيم الخاطئة حول الطب النفسي والاضطرابات النفسية في معظم دول العالم، ويظهر ذلك جليا في المجتمعات العربية، والتي على الرغم من كثرة انتشار الأمراض النفسية فيها، إلا أنه يقل الحديث عنها إعلاميا، أو حتى بين العامة، مما يفتح المجال لانتشار الشائعات حول الطب النفسي، ويؤدي إلى عدم إدراك الناس لحقيقة هذا العلم، ومدى فائدته وأهميته، وبالتالي رفضه والتخوف منه، وكل هذا يؤثر سلبا على حياة المرضى النفسيين وعلى من حولهم، وعلى المجتمع ككل.
ويتداول الكثير أن «الاضطرابات النفسية ليست أمراضا» وهذا المفهوم الأول الخاطئ؛ وتقول الربخية : الاضطرابات النفسية هي أمراض مثل باقي الأمراض كالسكري والضغط وغيرها. وهي أمراض ناتجة في معظمها عن خلل كيميائي في الدماغ. صحيح أن ليس كل معاناة وحزن، أو أعراض نفسية يمر بها الإنسان، هي بالضرورة أمراض نفسية، ولكن متى ما اشتدت تلك الأعراض واستمرت لفترة كافية بحيث تؤثر على كفاءة الفرد وإنتاجيته، وفي بعض الأحيان على قدرته في الحكم على الأمور، تصبح أمراضا نفسية تستدعي العلاج. كما أنه في الكثير من الأمراض العضوية، تظهر لدى صاحبها أعراض نفسية ، كأمراض الغدد الصماء، وبعض الالتهابات، وأمراض الجهاز المناعي والسرطانات، وغيرها، فإن هناك أعراضا جسدية وعضوية كثيرة، كالصداع والغثيان، والآم الظهر والعضلات، والخفقان، وضيق التنفس، ووجع الصدر، ترجع لأسباب نفسية، كالقلق والاكتئاب. وفي هذا الترابط الواضح بين الأمراض النفسية والعضوية، دلالة أخرى تؤكد أن الاضطرابات النفسية هي أمراض قد تصيب أيا منا.

الأمراض النفسية

أما المفهوم الخاطئ الثاني: «الأمراض النفسية عبارة عن جنون وتخلف عقلي فقط» وتوضح الربخية أن : الأمراض النفسية، هي اضطرابات ناتجة عن خلل في مستوى النواقل العصبية بالدماغ، وتتضمن قائمة طويلة من التشخيصات، منها ما يؤثر على القدرات العقلية للفرد، ومنها ما يؤثر على مشاعر الإنسان وسلوكه، والتخلف العقلي (الجنون) هو مثال واحد عليها فقط وليس حصرا.
وفيما يتعلق بالمفهوم الخاطئ الثالث: « الأمراض النفسية لا شفاء منها»، فقد صححت الربخية أن معظم المصابين بالأمراض النفسية يمكن أن يتعافوا تماما ويعيشوا حياة طبيعية إن عولجوا بالأساليب والأدوية المناسبة. ولكن توجد هناك أمراض نفسية مزمنة بطبيعتها وتستدعي العلاج المستمر للسيطرة على أعراض المرض، مثلها تماما كأمراض الضغط والسكري. وهناك أمراض نفسية تكون عرضة للانتكاسة والتكرار، وقد يصاب بها الإنسان أكثر من مرة كما هو الحال في نزلات البرد والالتهابات الأخرى.
وحول المفهوم الخاطئ الرابع: « لا يمكن للأدوية أن تعالج الأمراض النفسية، وأنها عبارة عن عقاقير ومخدرات تؤدي للإدمان»، أوضحت أن الاضطرابات النفسية ناتجة عن خلل كيميائي بالدماغ، ولهذا تتطلب علاجا دوائيا، إضافة لأهمية العلاج النفسي والسلوكي. والأدوية النفسية لا تؤدي إلى الإدمان مطلقا، طالما يتم صرفها بإشراف طبي مباشر من طبيب مختص. ولا يعني استمرار حاجة المريض لأخذ الدواء أنه أصبح مدمنا عليها، ولكن وكما أشرنا سابقا فإن بعض الأمراض النفسية مزمنة بطبيعتها، والتوقف عن أخذ العلاج يؤدي إلى حدوث انتكاسة، ولذا فالمريض يحتاج للدواء بشكل دائم، كالكثير من الأمراض المزمنة التي تتطلب علاجا مستمرا.
أما المفهوم الخاطئ الخامس:» العلاج بالصدمات الكهربائية، هو أداة تعذيب وعقاب للمريض فقط». وقالت الربخية: للأسف ساهمت بعض وسائل الإعلام في إظهار العلاج بالصدمات الكهربائية على أنه نوع من العقاب ، مما أثر سلبا على المشاهد، وجعله يرفض تماما هذا النوع من العلاج النفسي. والحقيقة أن العلاج بالصدمات الكهربائية هو من الاكتشافات العلمية المهمة، والتي ساهمت بفعالية في علاج الكثير من الأمراض النفسية، خاصة تلك التي لا تستجيب للعلاج الدوائي، كاضطرابات المزاج الشديدة. وهو علاج آمن، يعطى للمريض تحت التخدير، فلا يشعر بأي ألم، وليس له آثار جانبية بسيطة وقد يكون العلاج الأفضل والأكثر أمانا و فعالية لبعض الحالات خاصة لكبار السن المصابين بالاكتئاب الشديد.
وتتابع أخصائية أولى بقسم الطب النفسي العام في مستشفى المسرة قائلة: المفهوم الخاطئ السادس: «الأمراض النفسية لا تصيب إلا ضعاف الإيمان والتقوى» مشيرة إلى أن الأمراض النفسية، كغيرها من الأمراض، هي نوع من الابتلاء للمسلم، وقد تصيبه مهما بلغ صلاحه، ولم يرد في الدين ما ينفي ذلك. كما أن الأمراض النفسية هي أمراض ناتجة عن خلل كيميائي بالدماغ يتمثل بتغير مستوى النواقل العصبية، والكثير منها أيضا ينتقل بالوراثة، مما يعكس بوضوح الطبيعة المرضية لها، وأنها قد تصيب أي أحد، ولا تختص بفئة دون أحد.

الوسواس القهري

وفيما يتعلق بالوسواس القهري، فهناك مفهوم سابع خاطئ وهو :» الوسواس القهري ليس مرضا، وإنما هو من الشيطان فقط» موضحة أن الوسواس القهري هو مرض نفسي ينتج عنه أفكار أو حركات أو خواطر أو مشاعر متكررة ذات طابع قهري مزعج للشخص، يدرك تماما أنها خطأ ويسعى في رفضها، لكن شدة التوتر والقلق الناتج عنها، تجعل المريض في أغلب الأحيان يفشل في مقاومتها. والوسواس القهري يحدث نتيجة اضطراب عضوي كإصابات الدماغ. ومما يؤكد الصفة المرضية له، أن الوساوس القهرية تحدث في أمور غير العبادات، وأمور بعيدة عن الدين، وبعيدة عن محبوبات النفس، بل وتجبر الفرد أحيانا على فعل أمور خاطئة غير مرغوب بها وبلا معنى، مثال: تكرار التأكد من غلق الباب أو إطفاء الإضاءة، وتصيب المسلم وغير المسلم. كما أن انتشار هذا المرض في أكثر من فرد من نفس العائلة، يؤكد انتقاله عن طريق الوراثة، وبالتالي الصفة المرضية له.
كما يتداول الكثير بأن الأمراض النفسية تنجم عن خطأ في التربية وهذا هو المفهوم الخاطئ الثامن، حيث لا أحد ينكر التأثير الكبير لما يمر به الفرد في طفولته على مشاعره وسلوكه عند الكبر، ولكن تبقى هذه عوامل مؤثرة ومهمة، ولكن ليست السبب الوحيد والمباشر للمرض، فالعلم والأبحاث يؤكدان أن لهذه الأمراض أساس عضوي مثل التركيبة الجينية للشخص. ولا يزال العلم والتجارب في بداية المشوار للكشف عن الكثير من أسرار الأمراض النفسية ومسبباتها والطرق الأمثل في علاجها.
أما المفهوم الخاطئ التاسع:» الاكتئاب هو ضعف في الشخصية، ناتج عن عدم محاولة الشخص مساعدة نفسه»، وفي الواقع فإن الاكتئاب مرض نفسي ناتج عن اضطرابات في مستوى المواد الكيميائية بالدماغ، وليس دليلا عن ضعف الفرد. فالاكتئاب ليس ذلك الحزن المؤقت أو الأعراض النفسية التي تعتري أي أحد من البشر نتيجة تفاعله مع ظروف الحياة المختلفة، وإنما هو مرض خطير يؤثر سلبا على حياة المريض وكفاءته وقدرته على الإنتاجية والتواصل مع الآخرين، وفي حالاته الشديدة التي تترك بلا علاج، قد يدفع بالمريض للانتحار، أو يوصله لحالة من الجمود الحركي تفقده حتى الرغبة في الحديث أو القدرة على الحركة والأكل.
ويقال أيضا إن «مصابي الأمراض النفسية عنيفون وعدوانيون»، وهذا مفهوم عاشر خاطئ؛ حيث تظهر الإحصائيات أن نسبة قيام مصابي الأمراض النفسية بأعمال عنيفة وعدوانية، تزيد بشكل طفيف عن غيرهم، بل وهناك أبحاث تؤكد أن لا فرق بين الفئتين في نسبة القيام بأعمال عنيفة. علاوة على ذلك، فإن المرضى النفسيين يعتدى عليهم أكثر مما يعتدون هم على الآخرين. ويذكر أن مصابي الفصام على سبيل المثال، غالبا ما يكونون في حالة خوف بسبب أعراضهم الذهانية، وأي عنف لديهم هو ردة فعل دفاعية لحماية أنفسهم من خطر يصوره لهم المرض.