إجازة التحفيز تعني دورا أكبر للبيت الأبيض في حل مشكلات المجتمع

بايدن وسياسة «النيو دِيل» الجديدة –

جيمس بوليتي وآخرون- الفاينانشال تايمز / ترجمة – قاسم مكي –

كَعُمدة جمهوري في ولاية لويزيانا الجنوبية الممعنة في المحافَظة، قد يبدو من المُستبعَد أن يكون نك هنتر من أنصار خطة جو بايدن لتحفيز الاقتصاد بتكلفة 1.9 تريليون دولارا.
لكن خلال العام الماضي ألحقت الجائحة وتداعياتها على الاقتصاد المحلي الذي يعتمد على ألعاب الكازينوهات والأعاصير المتتالية ضررا بليغا بمدينة ليك شارلس القريبة من ساحل الخليج والتي يتولى العمدة هنتر إدارة شؤونها.
دفعت هذه التجربة هنتر (المعارض أصلا بحكم أيديولوجيته المحافظة لتدخل الدولة في الاقتصاد- المترجم) إلى القبول بجُرعة جديدة وضخمة من العون الحكومي الذي يهدف إلى إتاحة مهلة تلتقط فيها مدينته والأمة الأمريكية أنفاسها.
يقول هنتر: «أعتقد أن الأمريكي من غمار الناس بحاجة إلى مساعدة الآن. إذا كان هذا (التحفيز) سيُعِين على إطعام أبنائهم وإذا كان يُعين على رعاية الأطفال. إذا كان هذا التحفيز سيَكفُلَهم إلى أن يستعيدوا وظائفهم الكاملة… فأعتقد أنه يجوز».
يوم الخميس (12 مارس) وقَّع بايدن على مشروع قانون التحفيز المعروف باسم خطة الإنقاذ الأمريكية بأمل تسريع حركة الاقتصاد الأمريكي نحو التعافي وتقديم العون لمدن مثل ليك شارلس وتحقيق ما يُحتمل أن يكون أقوى عام يشهده النمو الاقتصادي منذ أوائل الثمانينات.
إجازة تشريع التحفيز في الكونجرس المنقسم بشدَّة هذا الشهر له دلالة أوسع نطاقا. فهو يرسخ التحول نحو اليسار في السياسة والاقتصاد الأمريكيين، والذي اكتسب زخما خلال أزمة فيروس كورونا، مما يتيح للحكومة دورا أكبر بكثير في حل المشكلات في المجتمع من ذلك الدور الذي تمتعت به في العقود الأخيرة.
يأتي ذلك في نفس الوقت الذي تدير فيه الحكومة حملة سريعة لطرح لقاحات كوفيد. فالولايات المتحدة الآن على وشك تقديم 100 مليون جرعة.
إذا أخذنا هذه التحركات الحكومية في مجموعها سنجد أنها تردد أصداء سياسة الرئيس فرانكلين روزلفت المعروفة باسم «النيو ديل» إبان الركود العظيم وإصلاحات «المجتمع العظيم» المنسوبة إلى الرئيس ليندون جونسون في أعوام الستينات.
يأمل الرئيس الأمريكي وديموقراطيون عديدون أيضا أن تتمكن خطة التحفيز من دحض الملاحظة الطوطمية (التي اكتسبت رمزية مقدسة) والتي أدلى به الرئيس رونالد ريجان في أغسطس 1986 وجاء فيها أن أكثر»تسعة» كلمات مرعبة في اللغة هي «أنا من الحكومة وأنا هنا من أجل تقديم المساعدة.»
دشنت تلك العبارة (التي صار تردادها عادة قَولِيَّة) حقبةَ التخلي عن الضوابط الحكومية للنشاط الاقتصادي وخفض الضرائب ومحدودية الإنفاق الداخلي والإيمان بالأسواق المتحررة كركائز أساسية لصياغة السياسات الاقتصادية الأمريكية.
بدأت تلك الوصفات (الاقتصادية) تواجه تحديا جادا في أعقاب الأزمة المالية العالمية رغم إحيائها جزئيا خلال عهد إدارة دونالد ترامب. لكنها لم يكن بمقدورها مواجهة هجمة الجائحة التي جعلت الأمريكيين يحنُّون إلى تدخل أكبر من واشنطن مما أتاح لبايدن فرصة شغل الفراغ.
يقول ديفيد جيرجن الأستاذ بمدرسة هارفارد كنيدي والمستشار سابقا لأربعة رؤساء من كلا الحزبين الجمهوري والديموقراطي: «لبايدن فريق محترف جدا يقف خلفه…. إنه يركب موجة عالية تتجه إلى اليسار. وهو في مقدوره أن يجعل أشياء كبيرة تحدث». لكنه يضيف قائلا «سيأتي يوم ربما يتحرك فيه البندول نحو الاتجاه الآخر.»

بناء البلد

أُعِدَّت خطةُ تحفيز بايدن لتعزيز شبكة الأمان الأمريكية بهدف منح أية عائلة منخفضة أو متوسطة الدخل حماية كافية حتى تتمكن من الصمود إلى نهاية الأزمة دون أن تعاني من ضرر دائم.
من بين البنود الرئيسية في قانون التحفيز جولة جديدة من الشيكات المباشرة بقيمة 1400 دولار لكل فرد يكسب حتى 75 ألف دولار في العام وتمديد فوائد البطالة إلى أوائل سبتمبر وزيادة في نقاط خصم الضريبة للأطفال وأموال إضافية لدعم اللقاحات وإعادة فتح المدارس وتقديم العون للحكومات الولائية والمحلية.
خلال أول خطاب متلفَز للأمة مساء الخميس 11 مارس وفي الذكري الأولى لإغلاقات الجائحة قال بايدن: «نحن بحاجة إلى تذكُّر أن الحكومة ليست قوة أجنبية (تقبع) في عاصمة بعيدة. لا. إنها نحن. نحن كلنا.»
وأشارت جانيت يلين وزيرة الخزانة الأمريكية في نفس اليوم إلى محنة مدينة ليك شارلي المنكوبة كمبرر للمصادقة على تشريع التحفيز. خاطبت يلين الرابطة الوطنية للمدن بقولها «إجازة خطة الإنقاذ الأمريكية ستسمح لنا أخيرا بعمل ما جاء معظمنا إلى الحكومة لأجله. ليس فقط إطفاء الحرائق وحلَّ الأزمات ولكن بناء بلد أفضل.»
أحد جوانب الجدل الأكثر إثارة حول مشروع قانون التحفيز في الأسابيع الأخيرة كان مدى اتساع نطاق تأييده وسط الأمريكيين، الأمر الذي يسلط الضوء على رغبتهم في دعم فيدرالي قوي أثناء الوضع الطارئ ( للجائحة).
بحسب استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث، ذكر 70% من الأمريكيين البالغين أنهم يحبذون مشروع التحفيز مقارنة بحوالي 28% قالوا إنهم يعارضونه. وعلى الرغم من عدم تصويت أي عضو جمهوري في مجلس الشيوخ لصالح التحفيز إلا أن 41% من الناخبين الجمهوريين قالوا أنهم يؤيدونه.
يقول مسئول في إدارة بايدن «الناس رأوا قوة الحكومة.» فخلال عام 2020 مع اجتياح الجائحة أنفقت الولايات المتحدة أكثر من ثلاثة تريليون دولار في شكل دعم مالي للاقتصاد بما في ذلك جولتين من المدفوعات المباشرة وعدة تمديدات لفوائد البطالة.
لكن دفْعَ فريقِ بايدن باتجاه تقديم مساعدة حكومية أكبر يتجذر جزئيا في تجربة رئاسة باراك أوباما. فحزمة التحفيز التي أجازها في أول عام لإدارته يخطِّئها الآن العديد من الديموقراطيين لصغر حجمها وليس لإفراطها.
في ذات الوقت كانت إصلاحات أوباما الأخرى التي توسعت في التدخل الحكومي بما فيها قانون الرعاية الصحية المتاحة وقانون دود- فرانك لإصلاح «وول ستريت» قد أثارت جدالا حادا في البداية. لكن جرى قبولها عموما بعد ذلك.
يقول المسئول بإدارة بايدن: « قانون الرعاية الصحية يحظى بالشعبية الآن. وكان بخلاف ذلك. لقد وُضِع على المحك. وأحبه كل الناس. كما أن إصلاح دود- فرانك لا يزال في بال الناس. فنحن لم نشهد هذا العام أزمة مالية».
ويعتقد مات بينيت، المؤسس المشارك لمركز الأبحاث الديموقراطي الوسطى ثيرد واي ( الطريق الثالث) والمسؤول السابق بإدارة كلينتون، أن واضعي السياسات في الولايات المتحدة «تعلموا درس عام 2009 جيدا». فحوَى هذا الدرس أن تقييد التحفيز «أكثر خطورة» من ضخامته. ويضيف المسؤول «من المهم جدا أن يحصل بلد عانى كثيرا خلال هذا العام على دعم كبير ونعتقد أن ذلك سيقود إلى تعافٍ قوي ومستدام.»
بحسب مايك كونزال، مدير الفكر التقدمي بمركز الأبحاث «معهد روزفيلدت»، من السابق لأوانه تقرير ما إذا كان هنالك رفض كامل للريجانية… يتشكل في أمريكا. لكنه يعتقد أن ذلك ممكن. يقول: «هنالك احتمال حقيقي في ظهور نوع جديد من الاقتصاد السياسي الذي أعتقد أن من شأنه حقا تغيير طبيعة الحكومة وما يمكن أن يتوقعه الناس منها»

قرارات قاسية قادمة

عزمُ بايدن والمشرعين الديموقراطيين على الدفع باتجاه التدخل الحكومي في الاقتصاد والمجتمع بل وحتى التوسع فيه سيتعرض للاختبار في الشهور القادمة. في أثناء حملة عام 2020 وضع الرئيس بايدن خطة سمِّيت «إعادة البناء بطريقة أفضل» تشمل سلسلة من الاستثمارات الفدرالية التي يمكن أن تكلف أكثر من ثلاثة تريليونات دولار في مجالات تمتد من البنيات الأساسية إلى التغير المناخي ورعاية الأطفال والرعاية الصحية والتعليم،على أن تموَّل جزئيا بضرائب أعلى تفرض على الأفراد الأثرياء جدا والشركات.
في الأسابيع القادمة من المتوقع أن يطرح بايدن المزيد من التفاصيل حول نواياه بالتحديد. وفي الأثناء ستقرر إدارته والمشرِّعون بشأن تمديد بنود معينة في مشروع قانون التحفيز بحيث يستمر أثرها لأكثر من عامين. لكن تجديد الإعفاء الضريبي الإضافي للأطفال أو فوائد البطالة الإضافية يمكن أن يقودا إلى انسداد (مواجهة) مع الجمهوريين المتصلبين ويضيف إلى العجوزات المتصاعدة في الموازنة الأمريكية.
يقول أوستان جولْسبي الاقتصادي بجامعة شيكاغو وأحد كبار معاوني أوباما سابقا: «السؤال الذي لم يُحسم حول التحفيز هو: هل التحفيز فقط إغاثة مؤقتة أو مساعَدة؟ وما عدد تلك الأشياء الموجودة في مشروع قانونه التي يريدونها أن تكون سياسة دائمة؟ «ويضيف « إذا جعلوا منها سياسة دائمة، هل ستكون على حساب شيء آخر؟ وهل يعني ذلك أن عليهم إقامة عدد أقل من البنيات الأساسية أم أنهم سيزيدون الضرائب بأكثر مما في السابق؟ أعتقد أنهم لم يتخذوا بَعْد بَعضَ القرارات القاسية».
من جانبها، تقول كاثلين مكيرنان الاقتصادية بجامعة فينديربيلت في ناشفيل بولاية تينيسي الأمريكية: «من الصعب قليلا وربما من المبكر قليلا القول أن هذه حقبة جديدة من الاستجابات (للتحديات التي يطرحها الواقع) بقدر ما أنها حالة فريدة نحن نتعامل معها.»
في الوقت الحالي لم تلعب المخاوف من عجز الموازنة دورا كبيرا في الجدل الدائر حول خطط بايدن الاقتصادية. لكن إذا بدأ التضخم أو أسعار الفائدة الطويلة الأجل في الارتفاع قد يُجبَر الرئيس على وضع حد لطموحاته الإنفاقية.
لقد اجتاحت نوبة بيع جديدة لأوراق الخزانة الأمريكية يوم الجمعة الماضي 12 مارس (مما رفع عائد السندات التي يمتد أجلها إلى 10 سنوات لأعلى مستوياتها منذ فبراير الماضي).
لكن مايا مكغينيس، رئيسة لجنة مسؤولية الموازنة الفيدرالية، تعتقد أن المشرعين «فقدوا الإحساس» تقريبا باعتبارات الموازنة. تقول «تريليون دولار هنا وتريليون دولار هناك. صار الناس فقط يقذفون بها إلي «تَلٍّ» من النفقات دون اعتبار للعواقب لأنهم اعتادوا على إمكانية الاقتراض أثناء الأزمات وعندما يكون ذلك هو الشيء الصحيح الذي يجب القيام به». وتضيف قائلة « إذا لوَّحتَ أمام الناس بشيكات كبيرة أو أشياء مجانية سيريدونها بالطبع».
وإذا برزت أية مؤشرات على أن تحفيز بايدن لا يُنفَّذ بطريقة سليمة أو أنه يفشل في الوفاء بالزيادة المتوقعة في النمو أو يترتب عنه رد فعل عكسي يتمثل في ارتفاع الأسعار الاستهلاكية فمن المؤكد أن الجمهوريين الذين عارضوا مشروع قانونه ابتداء سينقضُّون ويقضُون على فورة الحماس المطالبة بالمزيد من التدخل الحكومي ( في الاقتصاد).
لكن في العديد من المجتمعات المحلية حول أمريكا، بما في ذلك الولايات الحمراء تقليديا (التي تميل إلى التصويت للحزب الجمهوري المحافظ)، يُنظَر إلى التحفيز كمنقذ حقيقي.
يقول آندي بيرك عمدة شاتانوقا وهي بلدة متوسطة الحجم في ولاية تينيسي الأمريكية: «ظل الناس يقرعون أبوابنا مطالبين بسكن مُيسَّر وتدريب وظيفي وتيسير سبل النقل العام. إلى حد ما، أدركت الحكومة الفيدرالية الناسَ هنا. والناس فرحون بمشاهدة الحكومة الفديرالية وهي تتحرك بعد سنين طِوال من العجز عن العمل».
في مدينة ليك شارلس، يقول العمدة هنتر إنه لا يزال هنالك الكثير من عدم الثقة في الحكومة. فقد أثار أمر رسمي بارتداء القناع في الولاية جدالا إلى حد أنه اضطر إلى جلب مجموعة من الأطباء لشرحه للناس بدلا من أن يفعل ذلك بنفسه بوصفه مسؤولا حكوميا.
يقول: «كل واحد له تعريفه الخاص لما تعنيه الريجانية. ولا يمكنني أن أعلِّق حول ما إذا كانت تقترب من نهايتها أم لا. لكني سأقول فقط من الملائم أن تعمل الحكومة مع القطاع الخاص وخصوصا القطاع الطبي في أوقات مثل هذه»