واشنطن وطهران.. الدبلوماسية أم الصدام العسكري!!

جوليان بارنز ديسي وإيلي جيرانمايا / المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية –
ترجمة قاسم مكي –

هلَّل أمريكيون وأوروبيون لاستعداد بايدن مؤخرا على السماح بتوجيه ضربات عسكرية ضد الجماعات المسلحة التي تدعمها إيران في سوريا. يحاجج هؤلاء بأن استعراض القوة هذا مطلوب لتاسيس صدقية الإدارة الأمريكية الجديدة وردع الهجمات المستقبلية على قوات الولايات المتحدة والتحالف.
هنالك أيضا شعور وسط الأوروبيين بأن الولايات المتحدة يمكنها الآن (لأن بايدن ليس دونالد ترامب) تنفيذ ضربات عسكرية محسوبة لتجنب التصعيد. لكن هذه الحجة واهية وخطرة في ميادين القتال الفوضوية بالشرق الأوسط.
بدون تحول سريع وجوهري نحو استراتيجية دبلوماسية مُسَانِدَة تجاه إيران، وهذا شيء تتحدث عنه إدارة بايدن لكنها لم تتحرك بشأنه حتى الآن على نحو له معنى، ثمة خطر كبير باتساع التصعيد العسكري. وتشير سلسلة أحداث وقعت مؤخرا في المنطقة إلى مدى التهاب الأجواء هناك.
وعلى الرغم من تعهداتها المتكررة بإنهاء حروب أمريكا «الأبدية»، لم تنتظر إدارة بايدن طويلا قبل أن تنفذ أولى ضرباتها العسكرية. ففي يوم 26 فبراير استهدفت الولايات المتحدة جماعات عراقية مسلحة ومدعومة إيرانيا من بينها كتائب حزب الله التي تنشط على الحدود السورية العراقية.
وصف البيت الأبيض وكذلك الحكومات الأوروبية المشاركة في التحالف المضاد لجماعة «داعش» هذا التحرك بأنه رد موزون على الهجمات التي زُعِم أن هذه الجماعات قامت بها ضد قاعدة في أربيل في وقت مبكر من ذلك الشهر.
واعتقد بعض المعلقين أن الضربة رسمت بدقة خطوطا حمراء لإيران والجماعات التي تساندها. لكن في غضون خمسة أيام فقط استهدف هجوم صاروخي آخر قوات التحالف في قاعدة عين الأسد العراقية.
من الواضح أن هذه الهجمات ضد الولايات المتحدة وقوات التحالف تستحق الإدانة. لكن من الجَّلِي أيضا الآن أن الضربات الأمريكية في غياب استراتيجية سياسية متماسكة لحل التوترات في العراق بين الولايات المتحدة وإيران لن تقود سوى إلى تسريع دائرة التصعيد المتبادل الذي يدفع واشنطن وطهران إلى الإقتراب من صدام عسكري مباشر. وهذا هو بالضبط هدف تلك المليشيات العراقية التي ترى في الضغط العسكري الوسيلة الأكثر فعالية لإخراج الولايات المتحدة أخيرا من العراق. بالنسبة لبعض المتشددين في إيران لعبةُ التصعيد مفيدة لإفساد حظوظ الدبلوماسية الأمريكية الإيرانية وتقوية «الرافعة» الإيرانية قبل المفاوضات النووية والإقليمية المحتملة، بما في ذلك تلك المتعلقة باليمن.
لقد اتضح مرارا زيف السردية التي ترى أن التصعيد الأمريكي المضاد والموزون سيقرر قواعد الإشتباك في العراق. فاستعراض القوة الذي قام به بايدن مؤخرا، مَثَلُه في ذلك مَثَل إغتيالِ ترامب للجنرال الإيراني قاسم سليماني، لم يفعل شيئا يذكر لإيجاد رادع له معنى وتعزيز القواعد الجديدة.
هذا وعلى الرغم من تعهدات بايدن بتعديل السياسة الأمريكية تجاه إيران إلا أنه لا يزال، بالضرورة، مستمرا في اتباع حملة الضغوطات القصوى التي تعود إلى حقبة ترامب والهادفة إلى إجبار طهران على تقديم تنازلات أولا.
قد يكون ذلك مدفوعا، في جزء كبير منه، بالضغط الداخلي للتمسك بموقف راسخ تجاه إيران وأيضا بإيلاء بايدن الأولوية للأجندة الداخلية التي يحتاج بشأنها إلى دعم الكونجرس. لكن هذه هي نفس المقاربة التي انتقدها فريق بايدن إبان ترشحه للرئاسة، محاججا بخطر اندلاع الحرب ومشيرا إلى أن سياسة الضغط الأقصى لم تفعل شيئا سوى دفع إيران إلى التوسع في برنامجها النووي.
في الفترة السابقة لانتخابات نوفمبر ولعدة أسابيع بعد تنصيب بايدن، ردّ القادة الإيرانيون كما يبدو بفترة من الهدوء. وقللت الجماعات العراقية المسلحة من استفزازاتها. لكن سلسلة الهجمات الأخيرة تشير إلى أن إيران وهذه الجماعات تزايد إحباطها من المؤشرات التي توحي بأن السياسة الأمريكية ستظل إلى حد بعيد بدون تغيير.
قد تشعر الولايات المتحدة بحاجة مشروعة للرد على الهجمات بالقوة العسكرية. لكن ما لم تطرح أيضا مخرجا دبلوماسيا مجديا، ستخاطر بجرجرتها نحو المزيد من التصعيد.
وفيما تقول إدارة بايدن أنها حقا تعرِض لإيران مسارا سياسيا إلا أن أفعالها تكذِّب أقوالها. فمنذ أن صار بايدن رئيسا اتخذ خطوات قليلة لتخفيف الضغط على إيران، حتى على الصعيد الإنساني. حدث هذا على الرغم من الإقرار الواسع النطاق بأن إدارة ترامب وليست طهران كانت هي المسؤولة ابتداء من تقويض الإتفاق النووي عام 2015.

إحياء الدبلوماسية
السبيل الوحيد إلى الأمام هو إحياء الدبلوماسية بسرعة مع إيران. وهذا مسار يجب أن يلعب فيه الأوروبيون دورا رئيسيا بالنظر إلى معوِّقات الإرتباط الأمريكي الإيراني. عليهم في البداية التركيز على الضغط على واشنطن وطهران كلتيهما كي تتخذا خطوات نحو تنشيط الإتفاق النووي الذي بدونه يستحيل تصور التراجع عن التصعيد الإقليمي.
والجدير بالذكر أن الإتفاق الأخير بين إيران ووكالة الطاقة الدولية حول استمرار المراقبة المعززة للمنشآت النووية الإيرانية وقرار مجلس محافظي الوكالة بعدم إصدار قرار (يقف وراءه الأوروبيون وسيء التوقيت) بإدانة إيران يسمحان بمهلة ثلاثة أشهر لإجراء محادثات سياسية ستخوض بعدها إيران انتخابات رئاسية.
على بايدن الإسراع في المبادرة باتخاذ خطوات جادة لبناء الثقة من أجل إحياء الإتفاق كجزء من عملية متزامنة بدلا عن الإصرار على عودة إيران إلى الإلتزام التام به ( أو اتخاذها الخطوة الأولى في هذا الاتجاه) قبل أن تفعل أمريكا ذلك. ويجب على الدول الأوروبية المساعدة بقيادة هذه العملية عوضا عن اتخاذ مواقف تعقد جهود الوصول إلى اتفاق بين البلدين.
لدى هذه الدول بحكم عضويتها في الناتو والتحالف المضاد لـ«داعش» مصلحة في فصل الوضع الأمني في العراق عن التصعيد الأمريكي الإيراني الأوسع نطاقا والذي قد يعرض الجنود الأوروبيين للخطر. وهنا يمكن أن يشكل التقدم على الجبهة النووية أحد المسارات نحو التهدئة كما اتضح من خلال ما يبدو أنه استعداد أوَّلي من جانب إيران للضغط على الجماعات المسلحة كي تقلل من هجماتها.
لكن عزم الولايات المتحدة وإيران والجهات الإقليمية الأخرى على إثبات أن المحادثات النووية لن تضعف من مواقفها حول القضايا الإقليمية يمكن أن يفاقم التوترات فيما بينها أثناء تقدم المفاوضات.
ولتجنب هذه النتيجة يجب على الأوروبيين المبادرة بالعمل على تهدئة الوضع على الأرض وتوظيف علاقاتهم بالفاعلين السياسيين والأمنيين العراقيين وأيضا جهات مثل البعثة الأوروبية للمراقبة البحرية في مضيق هرمز للحيلولة دون وقوع صدامات بين المتنافسين.
على الأوروبيين أيضا إنشاء شراكة وطيدة مع الدول الشرق الأوسطية المتماثلة معها في الرأي للضغط على كل من طهران وواشنطن للتخلي عن التصعيد.
على الأوروبيين كذلك الاستفادة إلى أقصى حد من قدرتهم على التواصل مع كبار القادة الإيرانيين من أجل توسيع سبل المفاوضات الإقليمية بما في ذلك تلك التي تشرف عليها الأمم المتحدة في اليمن.
قد تعتقد الولايات المتحدة وإيران أنهما حاذقتان في إدارة لعبة التصعيد والتصعيد المضاد. لكن كانت هناك في الماضي مناسبات عديدة أوشكت فيها الأحداث على الخروج عن حد السيطرة. لدى البلدين الآن فرصة ضئيلة للانفكاك تماما عن عهد ترامب المدمر. ويجب على الفاعلين الأوروبيين التعامل بذكاء لتجنب استمرار التصعيد.

الكاتبان ديسي، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجيرانمايا، نائبة مدير البرنامج وزميل أول سياسات بالمجلس