«خليج غينيا» في قبضة القراصنة

تحولت منطقة خليج غينيا غرب إفريقيا إلى أخطر منطقة بحرية في العالم بسبب القرصنة، التي انحسرت في شرق القارة السمراء، عقب تشكيل ائتلاف دولي من القوات البحرية لمحاربة القراصنة الصوماليين.
لكن تساؤلات تطرح حول الأسباب التي لم تسمح إلى الآن بتشكيل ائتلاف دولي جديد لمكافحة القرصنة في خليج غينيا، الذي يضم 18 دولة ممتدة من السنغال شمالا إلى أنغولا جنوبا.
فمن إجمالي 135 بحارا اختطفوا في العالم خلال 2020، هناك 130 تم اختطافهم في خليج غينيا، أي ما يعادل 95%، بحسب بيان للمكتب البحري الدولي، صدر في يناير الماضي.
ووقع في خليج غينيا 78 هجوما للقراصنة في 2018، وارتفع إلى 121 في 2019، بحسب وسائل إعلام.
ورغم أن خليج غينيا، الممتد على طول 5700 كلم، يستحوذ على نحو 70% من احتياطات النفط الإفريقية، خاصة في نيجيريا وأنغولا، وتمر عبره أكثر من 1500 سفينة يوميا، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، إلا أن ذلك لم يثر اهتمام الدول الكبرى، على عكس سواحل الصومال.
ووجهت شركة «ميرسك» الدنماركية، أكبر مجموعة للنقل البحري في العالم، في مارس الجاري، نداء من أجل تدخل بحري دولي سريع لمكافحة عمليات القرصنة في خليج غينيا، على غرار العملية الأوروبية «أتالانتي» لمكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال، التي انطلقت في 2011.

من قرصنة النفط إلى الاختطاف
الملاحظ من خلال أساليب القرصنة في خليج غينيا، أنها تتطور عددا ونوعا، حيث بدأت بقرصنة قوارب الصيد قبالة سواحل دلتا النيجر بنيجيريا، ومع ارتفاع أسعار النفط في 2011 فوق 100 دولار للبرميل، تحول القراصنة نحو مهاجمة ناقلات النفط.
لكن في السنوات الأخيرة ومع تراجع أسعار النفط، أصبح القراصنة يركزون على عمليات اختطاف البحارة من أجل الحصول على فدية، تدر عليهم مداخيل أكبر.
وهذا ما أشار إليه مكتب البحرية الدولي، عندما تحدث عن اختطاف البحارة في 25% من هجمات السفن في خليج غينيا، وهو المعدل الأكبر عالميا.
ليس ذلك فحسب، فقراصنة خليج غينيا أكثر تسليحا وعنفا من نظرائهم بالصومال مثلا، إذ إن أكثر من 80% من قراصنة المنطقة مسلحون بالبنادق، و9 سفن من 11 تم إطلاق النار عليها في 2020 تتعلق بهذه المنطقة.
وتسببت هجمات القراصنة في خليج غينيا بخسائر على الاقتصاد العالمي بلغت 818.1 مليون دولار، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.

جهود دولية متعثرة
القرصنة التي تقودها عصابات أغلبها من نيجيريا في خليج غينيا، ليست جديدة، لكنها استفحلت منذ 2011، وتضاعفت خلال 2020.
إذ حث قراران من مجلس الأمن الدولي، صدرا في 2011 و2012، على مزيد من التنسيق الإقليمي والدعم اللوجيستي لمبادرات الأمن الإقليمي من أجل مكافحة التهديدات للقرصنة في خليج غينيا.
إلا أن هذين القرارين لم يتجسدا ضمن تحالف بحري دولي لمكافحة القرصنة، باستثناء عمليات إقليمية أو ثنائية محدودة الفعالية، بسبب ضعف القوات البحرية لدول المنطقة، وانشغال كل دولة بحماية سواحلها.
لكن أبرز مبادرة تم التوصل إليها، تتمثل في وثيقة ياوندي للعمل من أجل مكافحة القرصنة، التي وقعتها 25 دولة إفريقية أغلبها مطلة على خليج غينيا، في 2013، وتم الاتفاق فيها على تسيير دوريات مشتركة، تشمل خمس مناطق بحرية من الخليج.
ففي 2013 وقّعت 25 دولة إفريقية تشمل دول الساحل، وثيقة ياوندي، وهدفها تسهيل تبادل المعلومات وتأسيس خمس مناطق بحرية يتم فيها تسيير دوريات مشتركة.
لكن تواضع إمكانيات هذه الدول اللوجيستية والبشرية لم ينتج عنه تقليص نشاط القراصنة.
وسبق هذه المبادرة عملية الازدهار البحرية، التي أطلقتها نيجيريا وبنين في 2011، وكانت أول خطوة للعمل المشترك في المنطقة لمكافحة القرصنة، تلاها إطلاق نيجيريا «قوة درع بيلو» لمكافحة القرصنة قبالة سواحل دلتا النيجر، الغنية بالنفط.

دعم غربي محدود
لا تبدي أوروبا كبير اهتمام بدعم جهود دول خليج غينيا في مكافحة القرصنة، خاصة أن أغلب احتياجاتها من الغاز الطبيعي تأتيها من روسيا والجزائر والنرويج، بينما لم تتمكن نيجيريا حتى الآن من ربط حقولها الغازية بالأسواق الأوروبية عبر الأنابيب.
كما أن معظم واردات الاتحاد الأوروبي من النفط تأتي من الشرق الأوسط وبدرجة أقل من شمال إفريقيا ودول أخرى، لذلك لا تمثل دول خليج غينيا أهمية كبرى لدول أوروبا رغم احتياطاتها المهمة من النفط.
ومع ذلك يقدم الاتحاد الأوروبي بعض المساعدة المادية لدول المنطقة منذ 2013، بهدف تأمين الممرات البحرية هناك.
لكن الدنمارك، بحسب وسائل إعلام، تتحرك من أجل تشكيل تحالف دولي لمكافحة القرصنة في خليج غينيا، خاصة بعد تضرر سفنها التجارية من هجمات القراصنة.
إذ إن 50 سفينة تابعة لمجموعة ميرسك الدنماركية تعبر خليج غينيا يوميا، ما يجعلها عرضة لهجمات القراصنة.
وتحتاج الدنمارك إلى مساعدة فرنسا، التي لديها نفوذ في غرب إفريقيا، وتمتلك قواعد عسكرية بالمنطقة، لكنها غارقة في محاربة الجماعات المسلحة بمنطقة الساحل.
بينما تقدم الولايات المتحدة دعما محدودا لكنه الأبرز لدول المنطقة لمساعدتها على مكافحة القرصنة، عبر القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا «أفريكوم»، حيث أجرت رفقة البرتغال مناورات مشتركة بالمنطقة في 2019.
وفي إطار مبادرتها «محطة الشراكة الإفريقية»، قدمت واشنطن نحو 35 مليون دولار لتدريب أفراد من البحرية النيجيرية ودول أخرى على كيفية مكافحة القرصنة، وتهريب النفط وغيرها من النشاطات الإجرامية، كما أشرفت على مناورات مشتركة مع دول المنطقة، بحسب مركز الجزيرة للدراسات.
ففي 2012، استضافت البحرية النيجيرية «مناورات أوبانكام أكسبرس» بمشاركة الولايات المتحدة وفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، بالإضافة إلى 8 دول إفريقية مطلة على خليج غينيا.
ومع ارتفاع حجم القرصنة في خليج غينيا، وتضرر مصالح عدة دول حتى من خارج المنطقة، فليس من المستبعد أن يتم تنسيق الجهود الدولية مستقبلا في إطار ائتلاف بحري بالمنطقة على غرار الجهود التي قلصت القرصنة قبالة السواحل الصومالية بشكل ملحوظ.
الأناضول