«الطريق60»… قراءة في رحلة (خلفان الزيدي) إلى القدس

كتبت: شيخة الفجرية –

في الحديث عن الرحلة نستحضر رحلة الوفود العُمانية إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، تقدمهم فيها الصحابي الجليل مازن بن غضوبة -رضي الله عنه-، أول من أسلم من أهل عُمان؛ قائلًا أمام رسول الله:
إِلَيــكَ رَســولَ اللَهِ خَــبَّت مَـطـيَـتـي
تَجوبُ الفيافي من عُمانَ إِلى العَرجِ
لتـشـفـعَ لي يـا خَيرَ من وَطئَ الحصا
فــيـغـفـرَ لي ربـي فـأَرجـعَ بـالفَـلجِ

وفي عصر صدر الإسلام، نجد أبا بكر الصديق -رضي الله عنه-، يدعو الناس بالارتحال إلى الدين الجديد بقوله:
هلمّوا إلى دين النبي محمدٍ
ولو كان في أقصى جبال عُمانِ

أمَّا شاعر الجاهلية وصدر الإسلام القَتّال الكِلابي (70 هـ/ 689م)، فإن الرحلة لديه حجّ بدأها من عُمان؛ فقال:
حَلَفتُ بِحَجٍّ مِن عُمانَ تَحَلَّلوا
بِبِئرَين بِالبَطحاءِ مُلقىً رِحالُها
يَسوقونَ أَنضاءً بِهِنَّ عَشِيَّةً
وَصَهباءَ مَشقوقاً عَلَيها جِلالُها

وتذكرنا برحلات العُمانيين الواردة في الكتب الآتية: كتاب “الدُّرُّ المنظوم” لحمود البوسعيدي وقام بالرحلة التي توجه فيها إلى الدولة العثمانية (الحجاز – مصر- الشام) عام1872م، و”تنزيه الأبصار” لزاهر بن سعيد والسلطان برغش إلى الدولة العثمانية (مصر) وأوروبا (بريطانيا – فرنسا) عام 1875م، و”رحلة أبي الحارث” لمحمد البرواني إلى الدولة العثمانية (مصر- الشام) 1914م، يقول أبو الحارث عن هذه الرحلة -كما جاء عن الدكتور محمد المحروقي في كتابه: “أدب الرحلة في زنجبار…”-:
“ولما اطلع على هذا السفر الشيخ الفاضل، والعالم الكامل، ناظم سلك البلاغة، وقائد زمام البراعة، الشاعر الشهير أبو مسلم ناصر بن سالم بن عُديِّم الرواحي أرسل لنا هذه الكلمة الدريَّة؛ وهي:
أيها الكاتب الفاضل، إن رحلتكم حبة من فريد الجوهر، تناولتها الثريَّا لتجعلها ثامنة سبعتها، أو حبة في عنقودها، أو فصًّا لخاتم كفها، أو واسطة لعقدها. فإن لم يكن ذا فرحلتكم قطعة من النور، دلـَّت على مكان نبوغكم في الكتابة.
(أبو مسلم)

ثم أتبعها بأبياتٍ معبرة من نظمه؛ وهي:
تجوَّل في بساط الأرض شيئًا
لتنظر صنعة الملك البديع
فلم تك صخرة جبلت فقرَّت
فلست إلى المسير بمستطيع… ”

ثم نذكر أيضًا رحلة السلطان خليفة بن حارب وسعيد المغيري إلى الدولة العثمانية (مصر) + أوربا (بريطانيا – فرنسا) عام 1937م، وسجَّل لنا التاريخ بعض رحلات الجغرافيين القدماء القادمة لاستكناه “عُمان”، هي التي جلبت كلًا من: ديودور الصِقلِّي، وسترابون، وبطليموس، والمقدسي صاحب كتاب “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم”، الذي زار عُمان في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، وكتب عن بعض مظاهر الحياة فيها، ثم الرحالة جارستن نيبور 1765م، والرحالة ايرفن شكسبير1902م، والرحالة ويلستد 1835م، والقس الرحالة بيتر زويمر1893م، والرحالة ويلفرد ثيسجر، والرحالة مايلز.
لذلك فإن الكاتب الأستاذ خلفان الزيدي يواصل طريق الأسلاف في رحلاتهم الفريدة والنوعية، فقد دوّن رحلته في كتابه: ” الطريق 60″، الذي تم الاحتفاء به في أمسيةٍ افتراضيةٍ أقامها النادي الثقافي، وقدمتها الأستاذة مكية الكمزارية عن كتاب الأستاذ خلفان الزيدي (الطريق 60)، وهو كتاب في أدب الرحلات، عن رحلة إلى فلسطين، وكان هذا الاحتفاء في قراءة للدكتور محمد المحروقي الذي استهل قوله عن الرحلة بأنها: “رحلة صعبة، رحلة لا تطاق”، ووصف الكتاب بأنه ” كتابٌ فريد موضوعًا وأسلوبًا وموقفًا فكريًا”.
والرحلة في اللغة تعني (الارتحال) كما قال ابن قتيبة، في أدب الكاتب، ولأن الحنين الذي أغدقه الكاتب على جميع الخارطة الفلسطينية فإنَّ للقدس خصوصيتها في كتاب “الطريق 60″، وجاء في اللسان بأنَّ: القدس لغة بضم الدال وسكونها اسم ومصدر، وهو التنزيه والتطهير والتبريك، وتقدس أي تبرَّك وفي التنزيل: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك أي نطهر أنفسنا لك، وفي التهذيب: القدس: تنزيه الله تعالى، وهو المتقدس القدوس المقدس، وقوله تعالى «الملك القدوس»، أي الطاهر المنزه، وبيت المقدس: أي البيت المطهر والأرض المقدسة: أي الأرض المطهرة. وتقع القدس ضمن خمس من الضروريات قال عنها الشاطبي- وفق كتاب مكانة القدس والمسجد الأقصى لياسين غادي -:
خفض الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، ولا يشك عاقل في أن المحافظة على المقدسات وبالأخص القدس والمسجد الأقصى تتعلق بهذه الأقسام الخمسة، وإن غلب عليها طابع الدين. وأهمية القدس من أهمية المسجد الأقصى الشريف الذي جاء في قوله تعالى «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير» سورة الإسراء، الآية1.
كما ورد في الأحاديث الشريفة، أشهرها ما رواه معمر بن راشد – الزهري – سعيد بن المسيب – أبو هريرة في مسند ابن حنبل، جزء 2، وجاء نصه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى”.
بثَّ الكاتب خلفان الزيدي قناعة ترقى إلى الإيمان في قوله:” كانت تسمى فلسطين.. صارت تسمى فلسطين”، وقد كان الكاتب محظوظًا برؤيته لفلسطين، وقال عن هذا الحظ:” في 21 أكتوبر 2013 م، وعند الساعة 7.25 دقيقة مساء بتوقيت القدس دخلنا إلى أرض فلسطين”، جال وجال، ثم قال:” كان الصمت سائدا في الحافلة وهي تنطلق من مطار عمّان باتجاه مدينة الشونة الجنوبية في منطقة الأغوار، وأيادينا على قلوبنا خوفا من أن نعود من حيث أتينا، فالاحتلال المسيطر على الحدود ليس له عهد ولا ذمة، ولن يلتفت الجنود المدججون بالسلاح والكراهية لكمّ التصاريح والموافقات التي نحملها، كما أنهم لن يأبهوا بمرافقة مسؤول فلسطيني لنا، منذ خروجنا من مسقط وحتى وصولنا إلى هناك.
حين شاهدنا المحتل أول مرة، ورأيناه رأي العين، تزلزلت أوصالنا، واقشعرت أبداننا، وفار الدم في عروقنا، لكننا مع ذلك -وطبقا للنصيحة- لم ننبس ببنت شفة، وكتمنا مشاعرنا الغاضبة، ومضينا ننهي إجراءات الدخول”، وعن اللحظة التي يحلم بها أكثر من مليار مسلم يقول الزيدي:” أناظر من البعيد الأقصى الشريف، وأتأمل بفرح القبة التي برقت كما الحلم الذي تجسد أمامي، أتخيل عودة هذه الأرض، وتحريرها، والأرواح التي سكبت دماءها هنا، نبتت جيلا، أعاد للقدس جلالها، وللمدينة القديمة بهاءها”، سجَّل لنا من هناك قصص الصمود الفلسطيني على أرض الواقع، دون شاشاتٍ أو ناقل صوت، رأى المكافحين والمرابطين على العتبات الطاهرة؛ ومنهم أبو رؤوف “رجل سبعيني عند مدخل سوق القطانين يطلق ابتسامة ترحيب، يحلف أن يضيفنا بعصير الرمان الطازج، أنظر إلى الفرح في عينيه، لكنني أبصر خلف فرحه مأساة عقود من الألم والضياع والتشرد”. ثم يأخذنا الكاتب معه إلى حي القرمي، حيث “تجلس عجوز وهي تتكئ على ذكرياتها في المكان، وتناظر جدران المنزل المتشققة، حيث حكاية عمرها مرسومة في الأرفف، وبين زوايا البيت. تخبرنا بصوت واهن، إنها باقية هنا، تحرس البيت من سرقة الاحتلال له، حتى لو خر السقف، سأبقى هنا ولن أدعهم (في حال مغادرة جميع سكانه) يأخذون البيت، أفضل أن أدفن فيه، عن الرحيل عنه”؛ وهذا هو عهدنا بالفلسطينيين؛ كل الفلسطينيين إلى تتحرر جميع الأراضي الفلسطينية من الاحتلال الصهيوني البغيض.
والحديث عن كتاب ماتع مثل “الطريق60” ذو شجون، تبدأ من “أحلام قُدَّت من حنين”، ثم “على الجسر استجدي العبور”، ثم “كيف تقهر هذه الأرض”، و”عن طين فخّارنا سندافع” و”تُنسى، كأنك لم تكن”، و”يا صديقي أرضنا ليست بعاقر”، و “كل هذا الضوء لي”، و” يا قدس، يا مدينة تفوح أنبياء”، “أتتركونا وحيدين، أتتركونا”، و”للباقون.. نحرس ظل التين والزيتون” و”صعود الفتى العربي إلى الحلم والقدس”، و”للموت تذكرة سوانا” إلى أن يصل بنا إلى ” أنا هنا.. وما عدا ذلك شائعة ونميمة”، وأخيرًا يضع جميع مبرراته في” لماذا نحاول هذا السفر”؛ كتاب ممتع وثري، ويستحق القراءة.