«الإمام جابر بن زيد .. رؤية مستقبلية» .. سيرة جامعة شاملة تستلهم ملامح حياة التابعي الجليل

مسقط “العمانية”: يقدّم كتاب “الإمام جابر بن زيد.. رؤية مستقبلية”، الصادر مؤخرًا عن النادي الثقافي ضمن البرنامج الوطني لدعم الكتاب، تاريخًا لسيرة الإمام جابر بن زيد؛ أحد كبار التابعين وأغزرهم علما، ويضمُّ بين دفتيه خمسة عشر بحثا، هي مجمل بحوث الندوة العلمية التي نظمها النادي في كلية العلوم الشرعية بمسقط في شهر نوفمبر 2018، عن فكر الإمام ورؤاه.
جاء الكتاب الذي صدر بالتعاون مع “الآن ناشرون وموزعون” في الأردن، في 432 صفحة من القطع الكبيرة، وحرره الكاتب والباحث خميس بن راشد العدوي.
وقال العدوي في المقدمة: “في بدايات عام 2018 جرى الحديث – عبر حوارات تويتر– عن ضرورة إعادة النظر في تراثنا من خلال رموزه المؤسِّسة، فكان الحديث عن الإمام جابر بن زيد الأزدي، وضرورة قراءة فكره قراءة معاصرة، تنحو إلى المستقبل؛ وذلك للأثر العميق الذي تركه في بلده عُمان منذ وجوده حتى اليوم، فكان النادي الثقافي حاضرا بمتابعاته لهذا الحوار، فتواصلَت معي إدارته ممثلة برئيسة مجلس الإدارة الدكتورة عائشة بنت حمد الدرمكية، حول تقديم مشروع ثقافي يخدم فكرة الاستفادة من شخصية هذا الإمام العظيم وفكره”.
وأشاد العدوي بتمكّن الباحثين وتعمّقهم في دراسة شخصية الإمام جابر وفقهه وفكره، والمدرسة التي تبنّت فكره وفقهه. ومن الأبحاث التي تضمّنها الكتاب: “تأثير الأوضاع الاجتماعية في البصرة على شخصية الإمام جابر بن زيد وفكره” للدكتورة بدرية بنت علي الشعيبية، و”في حياة الإمام جابر بن زيد الأزدي مشروع أمة” للدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (الجزائر)، و”مشروع الإمام جابر بن زيد الإصلاحي.. أسسا وعنايةً بالأمة ووحدتها” للدكتور أحمد بن يحيى الكندي، و”الإمام جابر بن زيد وتشكّل الفكر الإسلامي.. التحدّيات والآفاق” للأستاذ الدكتور المبروك الشيباني المنصوري (تونس)، و”تكامل العقل والنقل في فكر الإمام جابر بن زيد” لفضيلة الشيخ أحمد بن سعود السيابي.
كما تضمّن الكتاب البحوث التالية: “تكامل العقل والنقل في فكر جابر بن زيد الأزدي” للشيخ ناصر بن سليمان السابعي، “التقوى في مواجهة الجور.. المقاومة الأخلاقية للظلم عند الإمام جابر بن زيد” للأستاذ شفيق اكَريكَر (المغرب)، “المنهج التربوي عند الإمام جابر بن زيد” للدكتور خليفة بن أحمد القصابي ، ” الفكر التربوي عند الإمام جابر بن زيد” للدكتور مبارك بن عبدالله الراشدي (سلطنة عُمان)، “جابر بن زيد والمثالية الواقعية في الإصلاح” للدكتور زكريا بن خليفة المحرمي.
ونقرأ في الكتاب البحوث التالية أيضاً: “البواكير الأولى للتفكير العقدي عند الإمام جابر بن زيد.. واستمداد المدرسة الإباضية من ينابيعه” للدكتور محمد عبدالرحيم الزيني ( مصر)، “البنية المقاصدية في فكر الإمام جابر بن زيد، وإسهاماته في تطوير العلوم الشرعية” للدكتور بلقاسم بن علي مارس (تونس)، “قراءة مقاصدية في فقه الإمام جابر بن زيد” للدكتور خالد بن سعيد المشرفي (سلطنة عُمان)، “الإمام جابر بن زيد في المصادر التراثية.. مصنف ابن أبي شيبة نموذجاً” للأستاذ إبراهيم بن علي بن عمر بولرواح ( الجزائر)، و” هل من أمل في العثور على ديوان جابر بن زيد؟” للأستاذ سلطان بن مبارك الشيباني (سلطنة عُمان).
وتناول المشاركون في الكتاب شخصية الإمام جابر لأنه يعدّ حافزًا لتقديم رؤية مستقبلية؛ ففي سيرته بحسب د. محمد بوحجام، ملامح ومظاهر وقواعد وضوابط ومواقف ومشاهد، يستفاد منها في إعداد مشروعات حضارية لتخطّي كثير من العقبات والعوائق في بناء المجتمع القوي المتماسك، الذي يمكن له أن يقوم بالتصحيح والتصويب والتعديل في مسيرة الحياة، ويقدّم إضافات في سيرورتها، وهو ما يمكن عدُّه “مشروع أمة” ويضيف بوحجام أنّ الإمام، إضافة إلى ذلك، شخصية علمية وقيادية ورائدة في مجال الدعوة والتعليم والتوجيه والتكوين، لها خصوصياتها في سيرورة الحياة، ووضع قواعدَ وأسسٍ للتحرك في الحياة بعُدَدِ الكفاية والدراية، والاستعداد للتكيّف والتأقلم مع الظروف والملابسات والتحولات التي هي سنّة الحياة وإكسيرها، وما يحقق حقيقتها ويجسّد طبيعتها.
ورأى د.أحمد الكندي أن الإمام جابر إمام إصلاحي، وصاحب مشروع لإصلاح الأمة والنهوض بها، وأن هذا المشروع وأفكاره ما تزال صالحة للنهوض بهذه الأمة اليوم من عثرتها، ووأد الفتنة فيها، وتحويلها من حالة الفرقة والتشتت إلى الاجتماع والوئام، ومن العداوة إلى المحبة والسلام.
وأشار د.خليفة القصابي إلى أن الإمام جابر في سيرته التربوية قد أتقن “فن السؤال”، كما أتقن فن التأثير، وأيقظ الانتباه، وأذكى الدافعية والهمة والحماس في نفسه وفي غيره، ووضع قواعد للسلوك لا تتضعضع ولا تضعف، فقد بناها على أساس الرقابة الداخلية، القائمة على المعرفة والعلم والتصور والاعتقاد، التي تجعل النفس منساقة نحو الصواب بدوافع من الداخل.
وحسب القصابي، استخدم الإمام أساليب التأثير والنقاش والدرس والمناظرات والرسائل، كما استخدم التعليم الجمعي، والتعليم الفردي، واستحدث فن التعليم والإرشاد الأسري، فقد كان ينقطع إلى بيت هند بنت المهلب وأمها معلما وموجها.
ومن الجدير ذكره أن التابعيّ الجليل جابر بن زيد اليحمدي الأزدي العُماني وُلد بقرية ” فرق” من مدينة نزوى العُمانية عام 21 للهجرة، وعاش جل حياته في مدينة البصرة، التي كانت موطن المِلل والنحل والمذاهب الوافدة. وتؤكد الروايات أنه أدرك سبعين بدريًا ونهل من علومهم، منهم: السيدة عائشة أم المؤمنين، وأبو هريرة، وعبدالله بن عباس، وأنس بن مالك، وغيرهم من كبار الصحابة والتابعين. وكان يذهب إلى الحجاز لأداء فريضة الحج لمقابلة كبار الصحابة والتابعين للاستفادة من علومهم، وعوّل بالأساس على القرآن والسنة، حتى صار علماً في علوم الفقه والأصول ومن أهل الإفتاء.
واشتهر الإمام جابر بالزهد في الحياة والتجافي عن مظاهرها الكاذبة. وقال عنه الصحابي الجليل عبدالله بن عباس: “اسألوا جابر بن زيد، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه”، وقال عنه أنس بن مالك يوم موته: “مات أعلم من في الأرض”.