الشاعر مسلم البرطماني: القصيدة الحَقة هي تلك التي تكتبك وتُجري قلمها على روحك

حاوره: ماجد الندابي
ما تزال قرية “عِزّ” في ولاية منح تراه فتى ككل فتيانها الذين تخضبت أيديهم وأرجلهم بترابها، وتمازج طينها بطينتهم التي أنبتته شاعرا محبا لوطنه، متغنيا به، الشاعر مسلم بن عبدالله البرطماني، يرى أن القصيدة الحَقة هي تلك التي تكتبك وتُجري قلمها على روحك، سرد لنا حكايته مع الشعر، وهل الشعر رصد للواقع بما تمثله قصائد المناسبات، وسبب بروز بعض الأسماء الشعرية وانطفائها، وذلك من خلال هذا الحوار..

** متى أحسست بدبيب الشعر في لسانك، وكيف كانت بدايته معك؟
حين تخف الروح، وينشط الكائن اللغوي في داخلنا، فإن الوقت يكون مناسبا مع أول شرارة، وهذا ما كان أيام المعهد الإسلامي الثانوي بجعلان بني بوحسن، كان ذلك حين بلغنا خبر زيارة الشيخ حمود بن حميد الصوافي للمعهد حفظه الله، فكانت أول قصيدة، وقد كان مطلعها:
الله أكبر أبشري جعلان … سطع الضيا فاستيقظ الوسنان
أما البيت والبيتان فقد كانا قبل ذلك، ولا أنسى في هذا المقام التأثير الكبير لأستاذ اللغة العربية بالمعهد في تلك الأيام أستاذنا العزيز د.محمد بن سالم الحارثي الذي كان لنا ملهما مشجعا بحق رغم تعثراتنا.

** هل للمدارس التعليمية التقليدية “مثل مدرسة الشيخ حمود الصوافي” دور في نضوج تجربتك الثقافية والشعرية؟
قد لا أتفق بالضرورة مع وصف هذه المدارس بالتقليدية، لكوني أرى فيها وعيا متقدما يحافظ على النواة الأولى للهوية. أما نضج التجربة فذلك ما لا أدعيه، ولكن ما لا شك فيه هو أن مدرسة الشيخ حمود حفظه الله وأثرها البالغ في كل من التحق بها هو أمر لا يمكن تجاوزه وتجاهله، فقد توفرت فيها كل مقومات التأثير البليغ، من المعلم المخلص المتمكن، والبيئة المهيأة، وغير ذلك من الشروط، وكما تعلمون فإن للشيخ حمود حفظه الله عناية خاصة باللغة والأدب، وتشجيعا قويا لكل من التمس فيه شيئا من الموهبة الشعرية، ولا أخفيك أن أكثر ما كتبته من الشعر له صلة ما بالشيخ حمود ومدرسته حفظهما الله .

** من حيث شكل القصيدة، هل سنراك مستقبلا ستكتب في قالب قصيدة التفعيلة، أو قصيدة النثر مثلا؟ ولماذا؟
أما التفعيلة فقد كتبت نصين لا ثالث لهما منذ أعوام، وأما قصيدة النثر فوجهة نظري أنها موضوع إشكالي حتى من حيث التسمية والمصطلح، والاسم علامة المسمى، ورأيي أن قصيدة النثر شيء آخر لا ينتمي إلى منظومتنا الثقافية، لأن الشروط التي وضعها لها منظروها ويكتب على أساسها من يعيها أجدها غير متوائمة مع روح الشعر العربي وأسلوب البيان في ثقافتنا، والموضوع طويل لا يمكن أن يحسم، ولكن هذه وجهة نظري.

** هل تخطط لقصيدتك قبل كتابتها؟ وهل تقوم بتشذيبها وتعديلها بعد كتابتها؟
أما التخطيط فلا أفعل ذلك، ولا أتفق مع من يراه، بل أجد أن القصيدة الحَقة هي تلك التي تكتبك وتُجري قلمها على روحك، أما التهذيب بعد ذلك فقد يحدث، ولكني لا أمكث حولا كريتا كما كان يفعل زهير!

** شعر المناسبات.. هل يجب على الشاعر أن يتفاعل مع الأحداث من حوله، وكيف يوظفها شعريا من وجهة نظرك؟
نعم، لا شك أن الإنسان كائن اجتماعي مدني بطبعه وفطرته، يسعد لسعادة أخيه ويحزن لشقائه، ويؤلمه ما يتألم له، وهو مبدأ ديني معنا كما تعلم، أما التوظيف الشعري فالشاعر هو إنسان مرهف الشعور حارّ العواطف والأحاسيس، ينطلق لسانه بما يختلج به قلبه، وتفيض على قيثارته أنغام أشجانه، فيعبر عن ذلك ناشدا مبادئ العدالة والحق والإنسانية، هذه المناسبات التي تستحق أن يسيل لها مداد الشعر ويراق دم البيان من أجلها.

** لكل شاعر قصص مع قصائده، لو تسرد لنا حكاية كانت سببا في كتابتك لإحدى قصائدك؟
في أحد الأعوام حين كنت في الروضة الشريفة بجانب قبر الحبيب صلى الله عليه وسلم، شاهدت منظرا جميلا لتدافع الناس على اختلاف ألوانهم وأعراقهم وألسنتهم، يجمعهم الحب، كل يستبق ليحظى بقربٍ وسلامٍ على رسول الإسلام والسلام صلى الله عليه وسلم، فوجدت نفسي تلقائيا أكتب مقطوعة على تفعيلة الكامل، فصلى الله وسلم على الحبيب الكامل :
يتدافعون إليك يا نبع الصفاء
يتدافعون إليك ، كلهمُ ظماء
يتدافعون وجمرة الحب المعتق في القلوب
لم تنطفئ رغم التقادم
فأنت في الظُلَم السناء
وإذا ظمئنا أنت ماء
بل أنت فينا الروحُ يا روح النقاءْ
يا طِبَّ هذا الكونْ، حين استبدّ بجسمِه سَقمٌ وداء … الخ النص.

** متى ستنشر مجموعتك الأولى، وهل ستكون تجميعا عاما لنصوصك أم أنه سينتظمها موضوع محدد فقط؟
عسى أن أكتب شيئا يستحق النشر في المستقبل يمكن أن أقدمه لمحبي الشعر من القراء الكرام، ولئن حدث ذلك فالأكثر أن يكون تجميعا عاما.

** نرى بعض الشعراء يسطعون في أيام دراستهم الجامعية، ولكن يتلاشى ظهورهم بعد هذه المرحلة، إلى ماذا يرجع ذلك من وجهة نظرك؟
ثمة أسباب متعددة دون شك، ولكن في رأيي تيار الحياة الجارف، والاشتغال بلقمة العيش ربما يكون هو الأهم، إضافة إلى الابتعاد عن المحاضن الشعرية والبيئات المحفزة والأصدقاء الشعراء، كل هذه العوامل تأخذ الشاعر بعيدا، فكما تعلم أن الشعر يحتاج مكابدة ولأيا يدفع إليه حافز قوي وثوران عارم.

** إشكالية النص الحديث والمتلقي، هل تعتقد أن النص الحديث أصبح ثقيلا على عيون وآذان المتلقي؟ وما سبب هذه الإشكالية من وجهة نظرك؟
لا أتبين جيدا مفهوم “النص الحديث”، ولكن لا شك أن التحديث يقع على مستويي الشكل والمضمون، أما الشكل العام للقصيدة (خليلية، تفعيلة…) فأقل شأنا في التأثير على ذائقة المتلقي رغم التباين الحاصل، وأما التحديث الذي يطال المضمون من حيث الأفكار وأساليب التعبير والإبانة فذلك ما يجعل طائفة كبيرة من المتلقين يضربون صفحا عن هذا النوع من التحديث، لا سيما ذلك الذي يتخذ الغموض وسيلة للإفصاح! ورأيي أن “السهل الممتنع” من الشعر الرفيع الذي يعبر عن أفكار الناس وعواطفهم وتطلعاتهم هو ذلك الذي نريد، وهو الذي يحقق رسالية القصيدة، فـ”الفن للمجتمع” وللناس، لا لمجرد التداعي الحر الذي يكون عند الأطباء النفسيين.

** ما هو تقييمك لتجارب الشعراء الشباب في السلطنة؟
لست في مقام المقيّم لأحفاد الخليل بن أحمد، ولكن في عمان “تحت كل صخرة شاعر” كما قيل، تجارب غنية ورائعة ومتنوعة، تثبت أن عمان كانت ولا تزال ولادة منجبة، والرجاء كله في أن يكون هناك مزيد من الوعي اللغوي والأدبي الواضح المعالم، الراسخ الأسس، يصل آخر أجيالنا بأولهم، ويحسن الاستفادة من تجارب الأمم وأدبائها.