عُمان وثقافتها في مجلة «كاظمة» الكويتية.. ضربٌ من ضروب الاكتشاف التاريخي

إعداد الدكتور: محسن بن حمود الكندي

 

يمكن القول بداية: إن مجلة «كاظمة» إحدى المجلات الطليعية المُهمة التي عكست على صفحاتها ثقافة الخليج وفتحتها للكتَّاب الطليعيين البارزين، وهي مجلةٌ جامعةٌ صدرت في الكويت في يوليو من عام 1948م، بجهودٍ قام بها المفكر القومي أحمد زين السَّقاف، ومباركة من الأستاذ عبدالحميد الصانع، واهتمت هذه المجلة الرائدة بالعلوم والفنون والآداب، وكان لها قرّاء ومتابعون نخبويون انحصرت اهتماماتهم بالخطاب الثقافي الذي تخصصت فيه، على اعتبار أنه الخطاب السائد في تلك الفترة المفصلية من تاريخ الثقافة العربية في الخليج.
ولقد أولت هذه المجلةُ اهتمامها البالغ بآداب وثقافة الأقطار الخليجية في إطار معادلة قيمية توازي وتكسر بها سطوة المراكز على الأطراف، وكان لعُمان حضورٌ فيها تجلّى في مقالين تاريخيين كتبهما الكاتب الصحفي المؤرخ عبدالله علي الصَّانع،( 1902 -1954 ) الذي تترجمُ له الأدبيات التاريخية سيرته بالقول: «إنه أديبٌ سياسيٌّ ومؤرخٌ عُرف عنه فصاحة اللسان وبلاغة القول، وكانت حياته مليئة بالأدب والشعر والتاريخ، وهو مرجعٌ في الأنساب، وحافظٌ لأجزاء للقرآن الكريم وأشعار العرب، وله كتاباتٌ في الصَّحافة الكويتية ولاسيَّما في مجلات «البعثة» و«الرائد» و«كاظمة» و«اليقظة».
ويصف الأستاذُ عبدالله الطائي الأستاذ الصانع في كتابه «الأدب المعاصر في الخليج العربي» ص 92 «بأنه منارة من منارات الأدب والوطنية في منطقة الخليج كلها»، وأنه داعية من دعاة التحرر، وقد أقام في منطقة الخليج بإمارة دبي زهاء ثلاثين عامًا، وقد عرّف بتاريخها وأدبها على صفحات مجلة «الكويت» وهو شاعرٌ وراوية للشعر وآثاره، وله قصائد غير ميَّسرة للاطلاع إلى أن قيَّض الله لها أحد الباحثين فأخرج إنتاجه مؤخرًا».
عَمِلَ عبدالله الصَّانع مستشارًا في إمارة دبي مستشارًا لولي عهدها الأسبق الشيخ مانع بن راشد المكتوم، وربطته علاقات وطيدة بالشاعر الأديب الشيخ صقر بن سلطان القاسمي أمير الشارقة، وبجلالة السلطان سعيد بن تيمور سلطان عُمان، وقد نجم عن الأولى إقامته في دبي لفترة ناهزت ثلاثين عامًا، وعن الثانية زيارته لعُمان في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين بعد أن ضاق به الحال في دبي نتيجة الاختلافات والتجاذبات بين حكامها التي بسطتها الأدبيات والمراجع بما لا يحتاج منا إلى توضيح وزيادة، ومن أراد النظر إليها فليعد لمزيد من الإيضاح إلى صحيفة «الفلق» في عددها الصادر يوم السبت 25 ذي القعدة 1358هـ الموافق لـ السادس من يناير 1940م، فقد كتبت الصحيفة مقالًا طويلا عنونته «الحالة في دبي»، ذلك الصراع على الحكم بين الشيخين سعيد بن راشد المكتوم وابن عمّه الشيخ مانع.
أ- مقال عبدالله الصَّانع الأول عنوانه «كمْ في الزوايا من نفائس الخبابا»:
يتموضعُ مقالُ الأستاذ عبدالله الصَّانع «المنشور في العدد الخامس من مجلة «كاظمة» الصادر في أكتوبر 1948م، في قالب الوصف السياحي للأمكنة، أو قل تجوّزًا «أدب الرحلات وارتياد الأقاصي»، وهو من أكثر المقالات المبكرة إحاطة بالذات المرتحلة في فضاء الجغرافيا والأمكنة، فالمقال يسجّل سبقًا في هذا المجال؛ لهذا بدت فيه الروح الأدبية من واقع المشاهدة والمعاينة والتجربة والوصف الحي المُسَجَّل لأفعال ومناقب الشخصيات التي التقاها في رحلته هذه لهذا اعتنى به الأستاذ عبدالله الطائي في كتابه فخصها بالذكر في ترجمته، وفي ترجمه الشيخ القاضي عيسى بن صالح الطائي الذي التقى به في هذه الرحلة، وكان واحدا ممن أحاطوه بالرعاية والعناية والبشر والترحاب اتساقًا مع القيم العُمانية الأصيلة في نظرتها إلى الغريب القادم والحال ضيفًا.
ويُبدي الأستاذ عبدالله الصَّانع في مقاله التاريخي المعنون بـ «كم في الزوايا من نفائس الخبابا» توقًا فكريًّا رائدًا وسبقًا ثقافيّا مميزًا من خلال سرده لرحلة تاريخية قام بها إلى عُمان بعدما كان مقيمًا في دبي إحدى إمارات الساحل العُماني، فإثر ما جرى فيها من أحداث آثر السفر الى عُمان مضطرًا، وكانت وجهته مقام الزعيم سليمان الباروني باشا الذي يسمّيه مغالطة في مقاله «مدير الأوقاف» وهو في الحقيقة مستشار للإمام الخليلي، ويبدو أنه عرفه في العراق إبان إقامته فيها بصحبة الشيخ يوسف بن علي كما تبين سيرته الذاتية المنصوص عليها في ثنايا المقال.
كما حملت رحلته مباركة من قبل السلطان تيمور وابنه السلطان سعيد، اللذين أولاهما الرعاية كُلَّها في تلك الرحلة الميمونة وصفًا وإطراء، وشَرُف بلقائهما ولقاء قضاتهما ورجالاتهما وكانت بينه وبينهم روابط ثقافية وأدبية.
وعن أهداف وغايات رحلته وأسبابها يقدِّم المقالُ وصفًا ضافيًّا يبدأه الصانع قائلًا ص 161: «في عشية يوم الأربعاء السابع من صفر سنة 1358 هـ جرت حادثة دبي المشؤومة… ولقد ضاقت بي الدار، وأصبحت بعد تلك الموقعة قلق المَقر، نابي المضجع، كثير الوجوم، سمير النجوم بعد أن أوحش من ساكنه الجناب وأمحل الربع، وصوَّحت الندى مؤنقات رياضه، وآمنت يبابًا مُمرعاتٍ غياضه، فتفرَّق الجَمْعُ، وتشتت الشملُ، وانصدع الشعبُ، وانشقت العصى، وسبق السيف العذل، فاكفهرَّ الجو، وعبس في وجهي الدَّهر، وبسر، فانتويت النقلة، وأزمعت السير عندما اشتد بي الأمر، ورأيت أن القعودَ على هذه الحال مثلُ القعودِ على الجَمر، فامتطيت النُّجبَ الهجان قاصدًا عاصمة عُمان..». ثم يعبرّ عن مشاعره لدى وصوله عُمان ولقائه بصديقه الباروني والقاضي الشيخ عيسى بن صالح الطيواني وأخيه محمد بن صالح الطيواني اللذين عرفهما من قبل بالمراسلة كما يقول، وكذلك يعبّر عن لقائه الاستثنائي بالشيخ علي بن عبدالله الخليلي الذي يسمّيه «الأمير الخطي» ، وكذلك بالشيخ المؤرخ الألمعي محمد بن عبدالله السَّالمي الذي أخبره بأن الشيخ علي بن عبدالله من ذرية الخليل بن شاذان الفراهيدي الأزدي، فهو أصيل في منبته، كريمٌ في محياه وخلاله؛ لذا أخذ يستطرد بكثافة في وصفه وإيضاح نسب آل الخليل، ويذكر مآثرهم التاريخية بلغة يسودها الفخر، ويغلب عليها المديح والإطراء، ولا يتوانى من استشهاده بالشعر الواصف لمناقبه وصفاته الأميرية
:
تحميه لألاؤهُ أو لوذعيته
عن أن يدالَ بمَنْ، أو مِنْ من الرجل؟

وعن إقامته معهم يقول: «فتلقانا بعذوبة الابتسامة وبقدمتم أهلًا ونزلتم سهلًا، وجعل محل إقامتنا عنده في قصر الإمارة، ومكثنا مدةً لديه في أحسن حالٍ وتنقل في حدائق بوشر ذات النخيل الباسقات والثمار اليانعة والعيون المعدنية ذوات المياه الحارة المفيدة..»
ويصفُ في سرده أهل بوشر وتلك الحفاوة التي لقيها منهم قائلًا: «إن أهلَ هذه البلدة الطيبة لم يشاؤوا تركنا دون أن يساهموا في إكرامهم لنا مع أميرهم، وقد ضربوا على رقة حالهم بسهمٍ وافرٍ في الكرم الناجمِ عن طيبِ منبتهم..».
ويذكر في هذا الشأن عاداتهم وتقاليدهم في إكرام الضيف والاحتفاء به، فيقول:»وتلك عادة عند العُمانيين أن يقدِّموا قبل القهوة شيئاً من الحلويات أو الفاكهة، وتُسَمَّى لديهم «الفواله» ثم يشربون القهوة على إثرها، ويتبخرون بالعُود إذانًا بالانصراف».
ويذكر في ذلك السرد كلَّ ما شأنه مكمل لمشهد الاحتفاء فيصف تنقله من منزل لآخر، ويحكي في ذلك عجائب ما رآه من ضيافةٍ وكرمٍ وترحابٍ حتى يصل إلى ذكر جلسة أدبية ولقاءً ثقافيًّا عقده له خصيصًا القاضي الشيخ عيسى بن صالح الطيواني، فيقول: «وبعد ذلك ذهبنا و(الشيخ علي بن عبدالله الخليلي ) الشاعر إلى منزله، فقدَّم لنا ما لذَّ وطاب من الفاكهة، وبعد العشاء أخذ الشيخ عيسى بن صالح في التحدث (وكلامه السحر الحلال) في البحث عن الأدباء العُمانيين، وتفقه في أخبار الشعراء الثلاثة ابن عديم الرواحي والستالي وابن شيخان، ثم ترامى به الحديث إلى ذكر الأدب في البحرين والكويت».
ومن عجيب ما ذكره القاضي الطيواني لضيفه عبدالله الصَّانع:«أن المؤرخ عبدالعزيز الرشيد ألف كتابًا في تاريخ الكويت، ذكر فيه تراجم عدد من الشخصيات وتجاوز ذكره شيئًا عن مجيد بن سلطان، وسأله ضيفه عنه، فلم يكد يعرفه فاستغرب القاضي الطيواني عن ذلك، وكان مجيد هذا قد قَدِم إلى عُمان قبل أربعين سنة من زيارة الصَّانع، وحظي بأعمال كثيرة في الإصلاح وكما يقول عنه ص 163 «مكث بيننا مُرشدًا وناصحًا ينير درر حكمه في كلّ ناد يلجه ويطلب فيما يوسمه فيه، وعندما اشتدت المحنة وجُلّ الأسى، وطغت الفتنة في عُمان، واستعرت نيران الحروب بين السلطان فيصل بن تركي والخارجين عنه بزعامة الإمام محمد بن عبدالله واستمر القتال بين الفريقين ذهب بنفسه إلى مقر الإمام وناشده بالله أن يكفَّ عن القتال، وطلب منه أن يتوسط بالصلح على يده، فرجع إلى مسقط ساعيًا لهذه الغاية، ولكنه لم يوفق، وكان مجيدٌ كثير السفر إلى مدينة زنجبار، ومن المقربين لدى السادة البوسعيدين سواء بأفريقية أو بعُمان، وفي سنة سبع وثلاثين هجرية توجّه إلى العراق للعلاج ، ومن ثم بلغنا أنه توفي به» رحمه الله.
ولقد استفزت معلومات الشيخ عيسى بن صالح الطيواني عن مجيد بن سلطان ضيفه الصّانع ودهش منها، وأخذ يبحث عنه، إلى أن وجد ضالته فقال: «وبعد سنتين من الحديث كان السؤال عن مجيد لم يبارح فكري، فالتقيت بالأستاذ عبدالمجيد الصَّانع صاحب مجلة «كاظمة» ولكنه لم يفده بشيء ذي بال، وظن أنه جهينه وعنده الخبر الأكيد، ثم سأل الشيخ يوسف بن عيسى فكان جوابه كلا لا نعرفَ عنه شيئًا، ثم سأل الشيخ سعد بن شملان، فتبين له منه أنه: «سمع في عُمان عن ذكر رجلٍ من أهل الكويت هو محل الثناء العاطر لديهم يُقال له مجيد بن سلطان، وهو من أكثر الناس غيرةً على قومه، ومن المجاهرين بحرية الرأي، ونشدان الإصلاح في كلّ بقعة يحلها وتطأها قدمه».
كما أخبره بأنه كان من المُقربين من الشيخ يوسف بن علي، وغادر الكويت على إثر هجرة الشيخ المذكور إلى العراق، فذهب معه إلى (الأستانة ) واستقام بها، ومكث بها مدة، وقد توطدت علاقته هناك برجالات النضال والإصلاح لمبكر في الوطن العربي، ومنهم الزعيم سليمان الباروني كما ذكرنا، وقد هيأ له الزعيم الباروني زيارة إلى عُمان وإقامته فيها.
وكان مجيد بن سلطان منشدًا الإصلاح ويحملُ جذوة التنوير أينما حل؛ لهذا كان تواقًا إلى الآفاق قاصدًا إلى البلدان التي يرى بأن تلبي شغاف روحه؛ لهذا طفق مغادرًا العراق متجهًا البحرين التي رحل منها بأمر السلطات الاستعمارية البريطانية آنذاك، ثم شَخَصَ إلى عُمان وتردد على إفريقيا، وكانت بها مساحة من الحرية إذ لقي الترحاب من سلاطينها كما توجّه إلى عُمان الداخل واستقر بها، ومنها توجّه إلى البصرة سنة 1337هـ، وكان في نيته أن يطبع كتابًا ألفه عن الخليج، فقبضت عليه السلطات البريطانية، وسجنته بعد أن عثرت على الكتاب وصادرته.
ويبدو أن مجيدَ بن سلطان متحفزًا للعمل الإصلاحي يحمله في ثنايا روحه؛ لهذا كان كالطائر المحلق بين أرجاء الخليج ما يكاد يلبث في غصن من أغصانه إلا وينتقل إلى آخر نشدانا للحرية وتوقا إلى تحقيق الهدف الإصلاحي الذي اختطته نفسه ووضعه نبراس حياته بين عينيه.
بقي أن نعرف إن مقالَ الأستاذ عبدالله الصَّانع يمثل كشفًا تاريخيًّا لشخصية فاعله في الخليج.. شخصية مهاجرة رحالة تكابدُ أهوال الأسفار والتنقلات غير آبهة بمخاطر الاستعمار وتقلبات أشرعته، حتى بات اسمه المُستعار دالًا عليه في عُمان، أو في أي مكان رحل إليه، وأن اسمه الحقيقي ماجد بن سلطان بن فهد الكويتي، وبذلك يصبح مقال الصَّانع بمثابة وثيقة تاريخية عن هوية وكيان هذا المصلح، وعن حضور عُمان في صقله وبلورة فكره، وقد اكتسب منها حضوره في ذاكرة أهل الكويت، وقد تناول مقاله هذا بالسرد الأستاذ عبدالله الطائي في كتابه «الأدب المعاصر في الخليج العربي» ص 91، وذلك في معرض حديثه عن عمّه القاضي عيسى بن صالح الطائي الذي وصفه بأنه: «كان مقصدُ كلَّ سائل عن تاريخ عُمان وثقافتها وتاريخها».
ب- مقال المؤرخ عبدالله الصَّانع الثاني عن عُمان عنوانه: «من طرف عُمان»
يعدُّ مقالُ الأستاذ عبدالله الصَّانع من المقالات المبكرة التي نشرها في مجلة «كاظمة» في العدد السابع الصادر في يناير من عام 1949م، وميزته أنه يسردُ تاريخ عُمان الاجتماعي، كما عَرَفه وسَمِعَه من مثقفيها ومؤرخيها، ويبدو أنه استقى معلوماته عنها من مصادر مرويّة وأخرى مشاهدة ومرئية بالإضافة إلى ما قرأه عنها إبان عمله ( في إمارة دبي)، وسياحته في أرجائها ولقاءاته بمثقفيها وشعرائها، وأكثر من ذلك علاقاته الحميمة بأدبائها ومشايخها ولاسيَّما الشيخ عيسى بن صالح الطيواني، والشيخ علي بن عبدالله الخليلي والباشا سليمان الباروني الذي كان مقيمًا فيها في ذلك الوقت المبكر، فالمقالُ يفيضُ بذكر تفاصيل تمسُّ الشخصيات الاعتبارية وتذكرُ مشايخ القبائل مرتبطة بأمكنتهم، وهو تاريخ حسَّاس لا يعرفه إلا من أوتي بسطة وخبرة بالثقافة الاجتماعية العُمانية.
يقعُ المقالُ في ثلاث صفحات طويلة ( 242 -244)، كان دافعه فيها تحفيز مباشر بل طلب من لدن حاكم الكويت السَّابق الشيخ عبدالله السالم الصباح، وقد أوضَّحه قوله ص242: «ما جئتُ مجلسَ الأمير الجليل والشيخ الوقور عبدالله بن سالم الصباح إلا ويسألني عن عُمان في ماضيه وحاضره، وقد قال لي ذات يومٍ إن عُمان حافلٌ بالحوادث التاريخية، ولكننا مع الأسف لا نعرفُ عنه شيئًا، ولم يكتب أحدٌ عن تفاصيل أخباره بما يُشفي المتطلع إلى ذلك القطر الشقيق، فعلمتُ أنه بهذه الكلمة يشيرُ – حفظه الله – إلى أنه يجب عليَّ أن أكتب عن هذا القطر… ونزولًا عند رغبة الأمير الأديب، سأقوم بجهدِ الطاقةِ بما يجب عليَّ إيراد أخباره وحوادثه».
ويعددُ الأستاذُ الصَّانع في هذا المقال التاريخي السردي الإخباري المُبكر ملامح القطر العُماني في حقبة الأربعينيات مبتدئا بموقعه وامتداده الجغرافي محيطًا بعُمان الكبرى المعروفة طبيعة وأرضًا وكيانًا، كما يذكر مصادر الحياة الاقتصادية فيه ممثلة في (أفلاجه) وعيونه وخيرات أرضه متتبعًا تفاصيل دقيقة تشمل المناخ والطقس وما فيهما من حرارة وبرودة وجبال وأوهاد وأودية وقفار، كما يذكر مُدُنه وقراه ومقاطعاته وقبائله وأسماء حكامها وأمرائها وشيوخها ورشدائها، ويكادُ في هذا المبحث لا يفوّت كبيرةً ولا صغيرة إلا ويحصيها، وهو بذلك ينمّ عن ثقافة اجتماعية في غاية الأهمية، ومن براعة قوله ودقة وصفه طرقه لسائر التجاذبات السياسية التي حدثت في عُمان واعتباره للإمارات الشمالية داخلة في فضاء عُمان الكبرى دون أن يفصل بين شمال الوطن وجنوبه، وتلك حقيقة تاريخية لا يرى ضيرًا في تسجيلها أو البوح بها، وفي ذلك يقول ص 242: «عُمانُ قطرٌ شاسعٌ يقعُ في الزاوية الشرقية الجنوبية من شبه جزيرة العرب وتمتد من شمال أبوظبي بقرب الدوحة من شبه جزيرة قطر حتى بلدة مرباط من بلاد المهرة جنوبًا، ويحده من الغرب صحراء الأحساء في المملكة السعودية، ومن الجنوب الغربي الربع الخالي، ومن الشرق خليج فارس وبحر العرب..» ولعل هذا التحديد الجغرافي موافقًا لما ذكرته أدبيات التاريخ والجغرافيا التي كتبت في الخمسينيات من القرن العشرين، وقد لا يتوافق مع التغييرات السياسية التي ذكرت بعدها وخاصة بعد استقلال الدول ونشوء كياناتها المعاصرة بمسميَّات مختلفة إلا أنه في الحقيقة يعتبر اليوم مقاله وثيقة تاريخية وشهادة عصر، وصورة واقع لا مناص من ذكره وإن تنصّل منها الآخرون. وأيًّا كانت معلومات الصّانع دقيقة أو غير ذلك، فالمقالُ يشي بحسِّ توثيقي كُتب في مرحلة مفصلية من تاريخ الثقافة العربية ومنها التاريخ العماني وحسبه أنه التفت إلى منطقة شبه مغمورة في الأدبيات السياسية والتاريخية العربية آنذاك، وسجّل مقاله سبقًا تاريخيًّا في مجال الكتابة العُمانية بأقلام خليجية كويتية؛ فكانت الحاجة ماسّة إلى هذا التعريف الجامع المانع المُلم بالمحددات الاجتماعية والتاريخية والجغرافية التي كانت مجهولة لدى القارئ في ذلك الزمن. وأشدُّ ما أعجبني في هذا المقال إحاطته بالمجتمع العُماني وبيانه لأعرافه وتقاليده وتقصِّيه لجزئياتهما عبر ذكرِِ الأمكنة والأزمنة وأسماء الشخصيات وما يتصل بها، فبدا المقال وثيقة شاهد عيان على فترة مفصلية من تاريخ عُمان القبلي، وهو تاريخٌ موازٍ لما كتبه الرحالة والمستشرقون وبعض المؤرخين العُمانيين، ولعله ينضاف إلى حقل أدب الرحلات، وهو حقل أثيريٌّ محبب دائمًا تجلّى في مذكرات الرحالة ورسائلهم ومدوناتهم وطبع في حقله أكثر من كتاب، ويتأكد لنا ذلك إذ ما عرفنا أن الأستاذ عبدالله الصَّانع ساح في أرجاء القطر العُماني «يقصد دبي وما حولها» كما يقول وهو في شرخ الشباب الزاهر وعمره آنذاك نيّف على الثلاثين عامًا، كما قضى والده فيه أكثر من ذلك، ودفن مع إخوته في ثراه»، فهو سليلُ المكان والعارف به لا محالة.