الصّدام مع “السلطات الثلاث” في عرض “الصراع”

قدّمته جمعية السينما والمسرح –
محمد بن سيف الرحبي –

في قاعة صغيرة، وعدد محدود جدا من الحضور، وفي تجسيد حقيقي وواقعي حدّ الإرهاق لمفهوم مسرح العلبة، اختار المخرج د. عبدالله شنون أن يقدم عرض “الصراع”، منحازا إلى رؤية مؤلفه اليوناني، كأنما يستعيد البدايات لأبي الفنون، عدا أنه لم يترك للجمهور فرصة التنفس في الهواء الطلق حيث مقتضيات اكتمال صورة المسرح الإغريقي وهو يقدم صراع “الخير والشر” على مرأى من السماء، متجسدا على انفتاح الأرض، ليس مساحة فحسب، بل شرورا وآثاما.
قوّة النص لليوناني بورغروس سكورتيس، وهي منشورة ضمن مجموعة أعمال من المسرح اليوناني المعاصر، أعطت للعرض مساحة كافية جدا للقول بأن ثمة إبهارا على مستوى اللغة قادر على التحرك فوق الخشبة، رغم ضيق أفقها، لكن النص متعدد الآفاق والمستويات، رغم انفلات النطق أحيانا من ألسن الممثلين، إذ المغامرة بتقديم عرض بلغة عربية فصحى ومتينة له مزالقه، ولكن أداء الفنان يوسف البلوشي منحه ما يشفع له لتجاوز تلك الهنّات، لأنه قدم دورا جميلا ومهما في مساره الفنّي، فشخصية الأب كانت تمسك بخيوط اللعبة تماما باعتبارها ممثلة لثلاث سلطات، سلطة الأب/ الاجتماعية، والاقتصادية، والدينية حيث تمتلأ حواراته بجمل القساوسة والرهبان.
العرض مليء بالإسقاطات السياسية والاقتصادية، وكلاهما يصبّ في الحقول الاجتماعية على اختلاف وعي بشرها وثقافاتهم، فالنص مكتسب لعالميته من خلال القضايا التي يعالجها، وتأتي جمل الأب/ السلطة معلبة وجاهزة للاستخدام في سائر الكيانات البشرية مكانيا وزمانيا، وكأنها، وضمن خطاب جمعي ليس بالضرورة بين أب وابنه، محددات “عصريّة” للمجتمعات في سياقات بحثها عن ذاتها وسط جشع الرأسمالية وتسلطها وقبضها على سائر مفاصل الدولة، من تلك الجمل: “هذا قانون السوق، نحن نحيا في سوق ضخم”، و”نحن الذين صنعناكم وسنكسركم كأعواد حطب جافّة”، و”الرحمة ليست للحمقى”، و”تعرف أنك في هذا المجتمع لا وجود لك بغير المال”.
كان الضوء في المشهد الأخير ينساب من الخارج، عبر مستطيل شكّل طوال اللعبة المسرحية الباب القادر على خلق الحوارات والتجاذبات، بين الداخل والخارج، بين المختلفات والمتناقضات على ساحة الخشبة / الواقع، بعيدا عن توهمات الخيال، هذا الضوء أعطى بعدا، أو أملا، في تغيير معادلات اللعبة داخل محيط البيت / البلد، في إشارة إلى أهمية كسر المعادلة أساسا، بين جيل وجيل، بين صاحب السلطة والمذعن لها.
شكّلت مفردة “الرحيل” الهاجس الأكبر للابن، دون تحديد ماذا تعنيه هذه الفكرة، فهل هي رحيل من البيت ليمضي خارج السلطة الأبوية نحو المحيط الذي اختاره، ملتحقا بالمجموعات المناضلة لنيل حريتها وحقوقها، أو خارج الوطن، حيث تتمدد سلطة الأب باعتباره البرجوازي القريب من السلطة، لكن ما الذي منع الابن من تحقيق فكرة الرحيل، وجمع أوراقه، وهو يعود مرات إلى حقيبته، هل الخوف مثلا وعدم امتلاكه للثقة في أن لا تكون مجرد نزوة عابرة؟ أو أنه فعلا بقي ليحمي أمه من غطرسة أبيه؟ أو أنه لا يدرك حقا تبعات ما سيجده خارج البيت / الوطن، على علاته وعلله؟!
منذ اللحظة الأولى لبدء العرض بدت الفكرة واضحة، من خلال الشخصيات الثلاث التي قامت بالعمل المسرحي، من اليسار بدا الأب على مقعد أنيق يدخن غليونه، وعلى يمين الخشبة جلست الأم(بثينة ناجمان) على مقعد متحرك دلالة على العجز، وممثلة للمرأة المغلوبة على أمرها، أو المجتمع الضائع في هكذا صراعات طبقية، وبينهما وقف الابن (فارس البلوشي)، وكلوحة استهلالية يجري تداولها بكثرة في عروضنا المسرحية المحلية مستفيدة من خبرة السينوغرافيا للفنان يوسف البلوشي، انطفأت هذه اللوحة ليعود الممثلون الثلاثة بعد إظلام سريع، وتبدأ لعبة الصراع، هذه اللعبة التقليدية المعاشة في جميع المجتمعات البشرية، والحيوانية بالطبع، ولم يقدم العرض جديدا في ماهية هذه الثيمة المتداولة كثيرا، أو ما يشفع له بأن يكون به ما يوطّن الحالة المسرحية، فالمخرج أعفى نفسه من أية استحقاقات أو مساءلات، فالنص عالمي، والأزياء لا هوية محددة لها، واللغة فصحى، وأية محاولة لإسقاطها على واقع محلي لا يعتدّ بها، كأنما يراد القول إن الصراع يتم هناك.. لا هنا.
الصراع لم يكن طبقيا فقط، لأن الابن الذي بدا أنه يمثل الطبقة المحرومة، من حقوقها في حياة حرة وكريمة، هو ابن للرجل البرجوازي، ويعيش بأموال أبيه، مقيما في بيت كما يليق بثري، تداخل، الصراع، مع صراعات أخرى أكثر قسوة، الأب مع ابنه، وآخر داخلي يعصر الشخصيات التي بدت جميعا في مأزق وجودي، الأب يخشى أن تتأثر حياته كونه مدير مصنع ومقربا من السلطة بأفعال ابنه، المحسوب عليه مهما كانت المبررات، والابن حائر بين البقاء في البيت، قريبا من أمه، متصورا قدرته على حمايتها من تسلط الأب، والرحيل الذي يكرره أكثر من مرة، دون القدرة على اتخاذ القرار، فالشبكة السلطوية تحيط به من كل زاوية، تعرف كل شيء عنه، حتى عن رجولته التي تفضحها ماريا، وهي الرقم الرابع في المعادلة المسرحية، لكن ليس لها حضور حي متجسد، فهي اللعبة الخفيّة بين الأب وابنه وهما يكيلان لبعضهما البعض اتهامات متبادلة لا تتحسس من استخدام أقذع الصفات، رغم أنهما ضمن نفس الطبقة الاجتماعية، لكنّ الطريقين مختلفان، الأب (خريستو) واثق من قناعاته كونها جعلته في مركز اجتماعي مهم، يعمل في مصنع ألف عامل، بينما الابن (بدرو) يعيش ارتباكات الحياة وعبثها، متحرك بين قطبين يتقاذفانه، يقول له والده: “أنتم عاجزون حتى أن تحرروا أنفسكم، فهل ستحررون تلك الجموع الضخمة؟!”.
لكن يبقى العرض جميلا، بمخرجه الدكتور عبدالله شنون الذي أحسن اختيار النص، والممثلين، بتوزيع حركتهم رغم ضيق المساحة، والديكور الذي لم نشعر بضآلته، حيث خدم الفكرة تماما، فالأهم ما تقدمه من دلالات، لكن يمكن الاشتغال بصورة أعمق من خلال حذف الكثير من فقرات النص مع تشابهها وحومها في الإطار ذاته، والتقليل من العنف المتبادل بين الأب وابنه، فحركة البصق في الوجوه تكررت كثيرا، لدرجة أن الابن يبصق في وجه أبيه، في وجه السلطة، دون أن تكون لديه ردة فعل، وهو ذات المشهد الذي يخنقه فيه، بينما ينهض الأب ببساطة ويكمل الدور، دون شعور بالتعدّي او الإهانة، بينما يغضب في مواقف أقل حدّة، كما أن بكاء الأم (المتكاثر) ليس ضروريا للتعبير عن الانكسار والضعف، فرمزية الكرسي المتحرك كافية، إنما يبدو أن المسرح العماني يعاني من حضور لوازم ثلاث ، حضرت اثنتان منها في “الصراع” وهي البكاء المرير والعنف، وغابت “ماكينة الدخان”، وربما لأسباب تتعلق بالوضع الوبائي الحالي.
في داخل العرض ثمّة ضوء يأتي مع رحيل الشباب، ليكونوا في عالمهم الذي يؤمنوا به، رغم النظرة التسطيحية من الجيل السابق، أو من السلطة أيا كانت، والجملة الفخمة تحطّ كخاتمة أكيدة، لتعلن: “إذن لا زالت المعركة مستمرة”.
لكن ثمة ضوء أجمل، وهو تقديم عمل مسرحي من خلال جمعية السينما والمسرح، وفي وقت مهم جدا، للتعبير على أن الحياة.. ما زالت مستمرة.