صداع ما بعد الإمبريالية

فريد زكريا/ ترجمة – أحمد شافعي –

يكتب سمير بوري: «أننا جميعا نعاني من صداع كصداع ما بعد تناول الشراب، لكنه «صداع الإمبريالية الكبير». ويوضح في كتابه «ظلال الإمبراطورية» أننا نعيش «أول ألفية [في التاريخ] بلا إمبراطوريات»، وبرغم ذلك، فإن تركة تلك الإمبراطوريات لم تزل تصوغ عصرنا بقوة. وهو واعٍ بنظرية الإمبراطوريات غير الرسمية، لكنه يقيم حجة قوية على أن ثمة شيئًا مختلفًا وملحوظًا متعلقًا بالإمبراطوريات الرسمية، وهو موجود منذ أقدم الحضارات البشرية وحتى عام 1991 الذي شهد انهيار الاتحاد السوفييتي. هذه المجاورة ـ بين التركات الإمبراطورية [أو الإمبريالية] والعالم ما بعد الامبراطوري ـ تمثل فكرة آسرة، تبرهن على منظور بارع ينظر منه الكاتب إلى العالم. فضمُّ روسيا للقرم، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانهيارات العراق وسوريا، لها جميعا جذور عميقة في الماضي الإمبراطوري لم تزل تلقي ظلالا على الواقع.
لا يكاد المرء يفكر في هذه الخطوط حتى يرى ظلال الإمبراطوريات في كل مكان. ففي اليوم الذي بدأت فيه قراءة الكتاب، كنت أقرأ عن موضوع لا يناقشه بوري لكنه يعدُّ بمثابة مثال إضافي آخر على فرضيته: الجدال المحتدم حول ما ينبغي عمله في مئات آلاف الأعمال الفنية التي جمعت على مدار القرون من شتى أرجاء العالم، ووضعت في جلال داخل متاحف الغرب الكبرى. لقد تحولت أغلب دول العالم – في التاريخ الحديث – بسبب طول ذراع القوة الغربية، إلى إمبريالية أو وجدت نفسها بلادا خاضعة، وفي الحالتين صيغت هويتها الوطنية صوغا عميقا عبر هذه التجربة. حتى الولايات المتحدة تأثرت تأثرا عميقا بالإمبريالية، حسبما يقول بوري، ماضيا إلى القول بأن العبودية كانت فكرة مستوردة من إمبراطوريات أوروبا، وكانت «أقصى تجليات الاستعمار، لا للأرض، وإنما للبشر». والحق أن كريس هايس المذيع في شبكة (إم إس إن بي سي) وصف الظرف التاريخي للأمريكيين الأفارقة بقوله إنهم يعيشون في «مستعمرة داخل الدولة».يؤسس بوري، خبير الصراعات في وزارة الخارجية البريطانية، حجة بأن قراريْ بريطانيا المحوريَين خلال العقود العديدة الماضية – وهما قرار الانضمام إلى الولايات المتحدة في حرب العراق وقرار البريكست – جاءا متأثرين تأثرا حاسما بالصداع الإمبريالي. فبريطانيا – التي كانت ذات يوم أعظم امبراطوريات العالم – تتشبث بفكرة أن لديها القوة العسكرية والمهارة الدبلوماسية وفوقهما الطموح اللازم لصوغ أجزاء نائية في العالم، إضافة إلى ذلك، فإن عراق العصر الحديث اختراع بريطاني، إذ لملمت بريطانيا أجزاءه في عام 1920 من ثلاث مقاطعات في الإمبراطورية العثمانية المنهارة. فبوسع لندن أن تقرر مرة أخرى مصير بغداد.
وكان محرك البركست هو أن بريطانيا ليست بالبلد الذي تتحدد هويته من خلال قربه من أوروبا. ففي واقع الأمر، كان المحدد الغالب للقومية البريطانية هو الانفصال عن القارة. في مسرحية ريتشارد الثاني لشكسبير يجهر جون جونت دوق لانكشستر بتلك القومية الإنجليزية المتجذرة حينما يصف فكرة الجزيرة بقوله:
«تلك الجوهرة الثمينة في بحر فضي
يقوم على خدمتها سور
أو خندق ماء حول بيت
يقيها طمع البلاد التعيسة.

كان أنصار البريكست ـ ومنهم رئيس الوزراء الحالي بوريس جونسن ـ كثيرا ما يتكلمون عن «بريطانيا العالمية» التي تواصل مهمتها التاريخية في شتى أرجاء العالم، مقيمة روابط أقوى وبخاصة مع مستعمراتها القديمة وتوابعها من كندا إلى الهند وأستراليا.
والحالة الروسية أيسر إيضاحا. يوضح بوري أن «نشأة روسيا ارتبطت ارتباطًا لا ينفك بتوسعها، حتى أنه ليس من الواضح إن كانت روسيا هي التي أوجدت امبراطوريتها أم أن المساعي الإمبراطورية هي التي أوجدت روسيا». ويرجع الكاتب تاريخ بداية امبراطورية روسيا المواجهة لأوروبا إلى مملكة كيفن روس Kievan Rus التي بدأت في القرن التاسع عشر في كييف، عاصمة أوكرانيا الحالية. من تلك البدايات البسيطة نشأت امبراطورية امتدت في ذروتها ـ غداة انتصار الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية ـ لتشمل إحدى عشرة منطقة زمنية وقرابة مائتي مليون نسمة. والمرء حينما يتأمل ذلك التاريخ، يجد منطقا في قول فلاديمير بوتين بأن انهيار الاتحاد السوفييتي «كان كارثة القرن الجيوسياسية الكبرى»، وبخاصة حينما يستمع المرء إلى ما قاله بعد ذلك: «عشرات الملايين من إخوتنا في الوطن والوطنية وجدوا أنفسهم خارج الأراضي الروسية، فضلًا عن وباء التفسخ الذي اعترى روسيا ذاتها». هذه الروابط الإمبراطورية العميقة بأوكرانيا تساعد في تفسير الشعبية العريضة التي حظي بها ضم بوتين الوقح للقرم في روسيا.ندخل القرن الحادي والعشرين في ما بعد الإمبراطورية بدينامية جيوسياسية غير معهودة. فالقوتان العظميان الرائدتان على الكوكب ـ أي الولايات المتحدة والصين ـ تستمدان قدرا كبيرا من شرعيتهما الداخلية من فكرة أنهما أمتان مناهضتان للإمبراطورية. ففي حالة أمريكا، ترتبط الهوية بقصة ميلادها من رحم الثورة على الإمبراطورية البريطانية. وفي حالة الصين، يدرس كل تلميذ في المدرسة أن تاريخ البلد الحديث بدأ بمذلة إمبراطورية غربية وشلل للمملكة الوسطى على مدار ما يربو على القرن. ومع ذلك فإن لكل من البلدين امبراطوريته غير الرسمية. فالأمريكية منهما شبكة شاسعة من التحالفات الاقتصادية والقواعد العسكرية المبعثرة في العالم. والصين من ناحيتها تحاول أن تقيم شبكة مماثلة بسياستها المتمثلة في مبادرة ضخمة هي مبادرة الحزام والطريق التي قد تبتلع عشرة أمثال ما استوعبته خطة مارشال.
كيف ستتفاعل تلك القوتان العظميان المتمايزتان في القرن الحادي والعشرين؟ وما التوابع المتوقعة للظلال الإمبراطورية في هذه الحقبة ثنائية القطبين الناشئة الجديدة؟ من سوء الحظ أنه ليس لدى بوري الكثير الذي يمكن قوله عن أيٍّ من هذا. ففي حين أنه قدم زوايا طازجة للنظر إلى كل الموضوعات التي طرحتها في ما سبق، يقدم ها هنا تكهنًا وجيزًا وذكيًا، لكنه في الأغلب تقدمة سردٍ للتواريخ الإمبراطورية لبلاد كبرى أو أجزاء من العالم. وأغلب هذا مكتوب في نثر جيد، ويتسم بالشمول والدقة، لكنه يبقى تاريخا موجزا. وبعد طرحه لموضوعه الخلاب، يأبى بوري الاشتباك الكامل مع فرضيته الخاصة. ويبدو أنه يترك هذه المهمة ضمنيًا للقارئ، ولكن هذا يكلفنا الكثير، وينأى بمؤلف هذا الكتاب عن الفخاخ بغاية السلاسة.

نشر المقال في واشنطن بوست بتاريخ 8 مارس 2011