اعترافات عبدالفتاح كيليطو

منى بنت حبراس السليمية –

في كتابه الأخير «في جو من الندم الفكري» الصادر عن منشورات المتوسط 2020 يحدثنا عبدالفتاح كيليطو عن لحظات ندم راودته غير مرة وعلى أكثر من سبب، فعلامَ يندم الناقد والمفكر العربي البارز؟ يورد كيليطو في كتابه الصغير حجما (كعادة معظم كتبه التي لم يغيرها تحوّله إلى دار نشر جديدة) أربعة عشر موضوعا يتحدث فيها بطريقة أشبه بمراجعات الذات ولكن بصوت (مكتوب) عما سبق له أن كتبه أو أنجزه أو حتى فكّر فيه.
كان يمكن لعبدالفتاح كيليطو ألا يُصدر هذا الكتاب، ونبقى ممتنين لكل ما أنجزه طوال العقود الماضية الذي شكّل به مدرسةً خاصة لا يشبهه فيها أحد، وأن يستمر في كتابةِ الجديد تاركا مهمة التوقف عند ما أنجزه سابقًا ومراجعته لسواه، ولكنه آثر أن يحدّثنا عما اكتشفه بنفسه، وآلمه بطبيعة الحال وندم عليه، وودّ لو يصححه على الدوام، ولكن أليست كل قراءة هي مشروع تصحيح مستمر كما يقول هو نفسه؟
يكشف لنا كيليطو أنه أخطأ غير مرة في تقديره لبعض ما ذهب إليه في كتبه السابقة، يتحدث مثلا عن موازنته بين إحدى مقامات الحريري التي تتحدث عن جمعٍ من الأدباء شغلهم عن النوم ذات ليلة حديث ممتع مع عابر سبيل، وبين القصة-الإطار في ألف ليلة حيث لا ينام شهريار ولا تنام شهرزاد ولا أختها دنيازاد. وردت هذه الموازنة في كتابه «الغائب» وتناولها كذلك في روايته «أنبئوني بالرؤيا»، حتى اكتشف صدفة أن شخصيات الليالي تنام وفقًا لترجمة فرنسية لـ«أنطوان غالان» أخبرته عنها أستاذة تُدرِّس روايته «أنبئوني بالرؤيا». الأمر هنا – كما يصفه كيليطو – ليس خطأً عاديا، ولكنه ينسف قوام الفكرة التي أقام بها الكتابين: «الغائب» ورواية «أنبئوني بالرؤيا». ولكن الخطأ إذا كان مقبولا في الرواية بوصفها عملا تخييليا، فالأمر مختلف في الكتاب الآخر «الغائب». فكيف عالج كيليطو الخطأ بعد هذا الاكتشاف؟
يقول: «شاءت الصدف أنني كنت منهمكا حينئذ في تصحيح مسودات طبع الترجمة الفرنسية لكتاب الغائب. وطبعا جابهتني الجملة اللئيمة الواردة فيه: «شهرزاد لا تنام، وكذلك شهريار» ما العمل؟ حذف المقطع؟ فضّلت ترك الأمور على ما هي عليه مع إضافة هامش خجول محتشم: «في ترجمة أنطوان غالان، ينامان قليلا. وسوف أعود إلى هذه المسألة في دراسة لاحقة»(1).
وقع كيليطو في هذا الخطأ بسببٍ ربَطَه باللاوعي، فهو لا يكتفي بإدراك الحقيقة التي اكتشفها في ترجمة غالان وحسب، لأنه يتوقع أنه قرأها فعلا ولكنه نسيَها، أو ربما قرأ بعضها (في النهاية لا يقرأ الباحث – كما يقول كيليطو – جميع ترجمات الليالي لظنه أنه يعرفها) ولكنه توصل إلى أن لاوعيه يختزن قصة قرأها عن سكان قرية بكاملها أصابتهم حمى الأرق فلم يناموا عشرين سنة، ولم تكن تلك سوى رواية ماركيز «مئة عام من العزلة».
في الوقت الذي يعترف فيه كيليطو بهذا الخطأ، ندرك أنه يقدم اعتذارًا للقراء على تعجله في طرح موازنة لطالما شغفنا بها وبغيرها من رؤى كيليطو في قراءته المغايرة للأدب، ولكننا في الوقت نفسه لا نملك إلا أن نُكبر في كيليطو فضيلة الاعتراف، وهو إذ يفعل ذلك يقدم لنا أدبا رفيعا يراجع ويعترف بالطريقة الاستقصائية نفسها التي تبحث في معطيات القضية الأدبية كمحقق أدبي يندر وجوده. فهل نسامح كيليطو على خطئه؟
التقيتُ بكيليطو في 26 يوليو من عام 2019 في الرباط، وقلتُ له:
-إنك لا تفتأ تعود إلى الليالي مرة بعد مرة، وكأن شخوصها شخصيات حقيقية، وتفكر متى تنام ومتى تستيقظ. من كان يفكر مثلا فيما تفعله شهرزاد في النهار بينما شهريار يدير مملكته؟ شغلني هذا السؤال بعدما طرحته أنتَ في روايتك أنبئوني بالرؤيا: متى ينام شهريار إذا كانت شهرزاد تنام في النهار؟
– شهريار لا ينام.
– يستحيل. هو ليس شخصا خارقا في النهاية.
– ولكنه إذا كان ينام فلن يكون شهريار.
– أنا أرجّح أمرا آخر: أنه يأخذ قيلولة قصيرة في مكتبه بعد الظهر.
-ولكن هل هذا مهم للأدب؟
– وهل تخمينك بأن شهرزاد تنام في النهار مهم؟
– صحيح.
– هذا إذا افترضنا أن له مكتبا!
يبتسم ….
ولكن يقينه هذا يتراجع بتواضع الكبار أمام ترجمة واحدة اعتمدت النص العربي الأصلي يعود إلى القرن الخامس عشر تقول: «حضرت دينارزاد ونامت تحت السرير. ولما جن الليل انتبهت دينارزاد […] واستيقظوا جميعا» (2).
ولا يكتفي كيليطو في كتابه هذا بالاعتراف بخطئه هو، ولكنه يعتذر عن أخطاء وقع فيها الآخرون وكان هو جزءا من العمل. يسرد حكاية إسقاط اسم المترجم والمستعرب الفرنسي شارل بيلا من ترجمته الفرنسية لبخلاء الجاحظ التي صدرت في طبعة جديدة في عام 1996، أي بعد خمسة وأربعين عاما من نشرها لأول مرة، وطُلب من كيليطو أن يكتب مقدمة للطبعة الجديدة. كان سعيدا بحصوله على الطبعة الجديدة أنيقة الغلاف، واسمه غير بعيد عن اسم الجاحظ، ولكن قلقا ساوره بوجود خلل ما، حتى اكتشف أن الطبعة أسقطت اسم المترجم الذي أفنى عمره في العناية بأدب الجاحظ. يقول بتواضع كيليطوي: «لو كان يجب، لسبب أو لآخر، أن يُضحى باسمٍ على الغلاف، لتفهمتُ بكل أريحية أن يكون اسمي، وليس اسم شارل بيلا الذي بذل مجهودًا جبارًا لا مجال لمقارنته بمقدمتي المتواضعة. والأدهى من ذلك أن اسمه لم يرد لا على الغلاف، ولا على الغلاف المقابل، ولا في صفحة العنوان الداخلي. لقد نُسي شارل بيلا تماما، حدث سهو فظيع ومضحك في آن، مُحي اسم باحث قضى عمره في العناية بأدب الجاحظ»(3). يعتذر كيليطو هنا اعتذارا مزدوجا: للقارئ، ولشارل بيلا، مذكّرًا القراء أنه لحسن الحظ ذكره في مقدمته وأثنى عليه، قبل أن يستدرك: «ولكن من يقرأ المقدمات؟»(4).
سؤاله هذا يحيلنا إلى اعتذار آخر يتعلق بطريقته في الكتابة، (دون أن ننسى أن كتب كيليطو بلا مقدمات)، وهي أنه عاجز عن كتابة دراسة رصينة وفق المعايير الجامعية المعهودة (5) . يذكرنا هذا بالسؤال الذي ظل يُلاحق به كيليطو في جميع اللقاءات والحوارات التي أُجريت معه، وهو: لماذا لا تكتب وفق منهج محدد؟ ونحسب أننا أصبحنا نفهمه أكثر بعد اعترافاته في هذا الصدد، فهو يفكّر في القارئ ويخشى عليه، كما كان الجاحظ يخشى، من إصابة قارئه بالملل، فيلجأ إلى الاستطراد والكتابة على حد وصف الكاتب الفرنسي مونتيني «بالقفز والوثب» (6) . يقول: «أفهم اليوم لماذا قضيتُ سنوات في دراسة المقامات، ذلك أن مؤلفيها، المتشبعين بفكر الجاحظ، نهجوا الأسلوب نفسه. وقد أكون تأثرت بهم، فكتبي تتكون من فصول قائمة بذاتها، إنها استطرادات، مجالس، أو إذا فضّلنا مقامات، بكل معاني الكلمة» (7).
إننا نعرف عن كثير من الكتّاب خشيتهم من قراءة كتبهم بعد نشرها، خشية اكتشاف خطأ مؤكد، أو فوات أوان تصحيح زلة محققة، وفي هذا يقول كيليطو: «أعيد النظر في ما كتبت عشرات المرات، ولا أتوقف إلا وفي ذهني أنني إن أعدت القراءة سأكتشف هفوات جديدة» (8)، إلى أن يقول: «تبدو كتاباتي عندما أعيد قراءتها، نصوصا مريضة يتعين علاجها، مع يقيني بأن العلاج لا نهاية له» (9).
يدهشنا كيليطو بصدقه، ليس باعترافاته وحسب، ولكن لأنه ليس معنيًا برأي الآخرين إذا خالف رأيه أو تجاوزوه. يقبض على دهشته الأولى ولا يُفلتها بدعوى التجاوز، فرغم مرور العقود من السنوات، لا يزال يحتفظ بدهشته بكتابات المنفلوطي على سبيل المثال. يعبّر عن آرائه بالعفوية النقية التي لا تجيد التفلسف رغم أنه فيلسوف على طريقته.


1) في جو من الندم الفكري، منشورات المتوسط، إيطاليا، 2020، ص22
2) يذكر كيليطو أن في المخطوطة العربية الأصلية التي حققها محسن مهدي ترد العبارة بأخطاء لغوية وإعرابية وإملائية، ولكني صححتُها هنا في هذا المقال، أما كيليطو فقد أثبتها كما هي، انظر ص23
3) في جو من الندم الفكري، ص15
4) نفسه، ص16
5) انظر نفسه، ص12
6) اقتنص صديق كيليطو المفكر والفيلسوف عبدالسلام بن عبدالعالي هذه المقولة وأصدر كتابا بالتزامن مع صدور كتاب كيليطو الذي نتحدث عنه هنا، وأسماه «الكتابة بالقفز والوثب» عن منشورات المتوسط أيضا، وأشار إلى أنه استلهم العنوان من إشارة كيليطو أعلاه.
7) في جو من الندم الفكري، ص13
8) نفسه، ص45
9) نفسه، ص46